مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

قيادة العودة -عبد العزيز الخبشي

صورة رسمية لرجل مسن يرتدي نظارات وقميص أزرق مع ربطة عنق، يظهر بابتسامة خفيفة في خلفية بيضاء.

أدارت سوزان المحرك بلطف. صوت السيارة خافت كدقّ خفي في صدرها. في المقعد الخلفي، كانت رديم نائمة وهي تعانق حقيبة صغيرة كطفلة لا تريد أن تكبر. بجوارها، جلس عمرو والد سوزان، يحدّق بصمت إلى الطريق المنفرش أمامهم، كأنه ينظر في مرآة قديمة.

كان الطريق إلى القرية يعرفها جيدًا، يعرف طريقتها في التردد عند المنعطفات، يعرف أنها لم تعد تلك الطفلة التي كانت تحفظ كل حفرة فيه عن ظهر قدم. لكنها الآن تعود. لا لشيء، فقط لتتحسس ما تبقى من جلد الذاكرة.

منذ أسابيع، وسوزان تشعر بأنها تفقد شيئًا لا اسم له. كل محاضراتها في الفكر النقدي، كل ضحكات زملائها، حتى رسائل صفوان التي كانت تشبه محادثة بين ظلّين… كل ذلك بدا خفيفًا، لا يحملها حين تميل الحياة.

تركت ناجي، ابنها ذي الخمس سنوات، عند المربية المغربية. قبّلته وهو نائم، وخرجت. قالت له في سرّها: “أعود سريعًا.” لكنها لم تكن واثقة من شيء.

صفوان كتب لها: “الضباب كثيف، خذي الطريق القديم.”

ردّت عليه دون أن تقرأ الرسالة. أرادت أن تتوه.

في نصف الطريق، حدث ما لم تتوقعه.

صوت غريب، ثم اهتزاز. السيارة تنحرف قليلاً. شعرت بشيء يكتم أنفاسها.

أوقفت السيارة بجانب الطريق. نزلت. العجلة الأمامية تغوص في الطين.

نظرت إلى السماء. الغيم ثقيل. لا تغطية للهاتف.

أخذ عمرو نفسًا عميقًا، وقال بنبرة هادئة:

– كان يجب أن نغادر باكرًا.

– لم أكن أنوي المجيء أصلًا، أجابت كأنها تكتشف ذلك للتو.

مرت دقائق كأنها ساعات. في البعد، شاحنة تمرّ. تلوّح سوزان. السائق يتوقف. يساعدهم بصمت، ويمضي.

عادت إلى مقعدها. صفوان اتصل فورًا:

– ما الذي حدث؟

– لا شيء، عطب بسيط.

– كان يمكن أن تنتظري الغد…

– وكان يمكن أن أبقى للأبد.

صمت صفوان. لم يُجِب. لم يطلب منها العودة، ولم يعرض أن يأتي. وهذا بالضبط ما كان يجعلها تتعلق به.

عند وصولهم، فتحت الجدة الباب وعيناها مغروستان في وجه ابنتها كمن يحاول أن يقرأ الطقس من شقوق الجلد.

قالت سوزان: “جئتك برديم. لتتعرف على الأرض.”

قالت الجدة، وهي تلامس شعر الصغيرة: “الأرض لا تنسى، لكننا ننساها.”

في الحديقة، ركضت رديم وراء الدجاجات. ضحكت. ضحكت كأنها لم تضحك في المدينة قط.

ذهبت سوزان في المساء لزيارة عمّها المريض. كان نحيلًا. الجلد والعظم فقط، لكن عينيه متشبثتان بشيء في سقف الغرفة.

جلست بجواره. مدت يدها نحوه.

– كنت أقول إنك الرجل الوحيد الذي لا ينسى الخير.

أومأ دون كلام. كان الحضور كافيًا.

في الليل، جلست سوزان في فناء البيت. الهواء بارد. النجوم بعيدة.

اتصل صفوان:

– هل وصلتم؟

– نعم.

– وهل تغيّر شيء؟

– أنا التي تغيّرت.

في تلك الليلة، لم تنم جيدًا. حلمت بناجي يركض، ثم يتوقف فجأة عند حفرة، ولا تجد يده حين تهمّ بانتشاله.

في الصباح، قررت أن تعود بعد العصر. قال والدها إنه سيبقى. رديم ألحت:

– أريد أن أتعلم مع الجدة كيف نصنع الخبز ونحلب الماعز.

للمرة الأولى، شعرت سوزان أن البنت تنتمي لمكان ما، دون أن تكون مجرد امتداد لأمّها.

– ابقي، رديم. سأعود قريبًا.

ركبت السيارة وحدها. الطريق هذه المرة بدا أقصر. أو ربما كانت قد بدأت تُقلل من المسافات داخلها.

في أول المنعطفات، وقفت. فجأة.

ترجلت، مشت نحو الشجرة القديمة. كانت هناك، كما تركتها منذ عشرين عامًا.

أخرجت مرآة صغيرة من الحقيبة. نظرت فيها.

وجهاها القديم والجديد، كلاهما يبتسم ويبكي.

رنّ الهاتف.

– أين وصلت؟

– على مشارف المدينة.

– هل ناجي بخير؟

– المربية طمأنتني… لكنه بكى قليلًا. طلبك.

أغلقت الهاتف، وضغطت على دواسة الوقود.

حين وصلت إلى العمارة، كانت الشمس تنزلق نحو الأفق.

فتحت الباب.

البيت لا يزال كما هو، لكنه ليس ذاته.

في الصالون، كان ناجي جالسًا على الأرض، عيناه تنتظرانها دون بكاء.

ركض نحوها، وصاح:

– ماما!

ضمّته. بقوة. كأنها كانت تحاول أن تجمع أشلاءً لا تُرى.

المربية المغربية ابتسمت، ثم انسحبت بصمت.

سوزان جلست على الأرض، بين لعب الأطفال.

أغمضت عينيها.

قالت في سرّها:

– نعم، كل الطرق تعود إلى هذا المكان. كل عودة، ولادة جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading