ملاك في قفص – إبراهيم سليمان نادر
وَهنّدسْ
خلاياك بالمستحيلْ ….
تبصّرْ ، فضؤوكَ
أعمى المكانْ ….
إنطوى الاسير في ركن زنزانته واحتضن ساقيه الرفيعتين ، ثم أسند ذقنه المدبب على ركبته اليمنى . كان الخوف والصراخ يداهمانه من كل فراغات الثقوب والاقبية ، لكنه بقى مرتجفا يزيغ بحدقتيه المتقدتين في صفيحة البول والفضلات . كان الضوء ينفذ ما بين خيوط العنكبوت وأعمدة النافذة الحجرية الى قعر الزنزانة المظلمة ، ومع كل أربع وعشرين ساعة كانت تتدلى الى الأرضية الرطبة صفيحة صدئة من حبل معقود متهريء بطعام وبقايا مرق دهني ضاعت هويته منذ زمن حتى أستقر عالقا بين مسامات السطوح .
كان المجهول يخنقه من كل الاتجاهات وهو يصم أذنيه عن صدى عويل وتوجعات البعض الاتي اليه من الزنزانات المجاورة .
الطعام …. الهوية ….. المصير ، كل شيء لديه فقد بصمته في عقله ، إلا هو ، فقد ظل محتفظا بأسمه وبيته فقط ، وعزم في نفسه أن لا يأكل ولو ملعقة واحدة من الصفيحة المدلاة ، ويوما بعد آخر ، كانت الصفيحة تتدلى دون أن تمسها يد السجين انفراديا ، لكن الحاجة كانت تلتهم عزمه تدريجيا ، فقد تركه الجوع والخوف بلا ارادة ولا تصميم ، فانتفخت عيناه وغطت بؤبؤيه السوداوين مسحة زجاجية لزجة ، فطفق يتكلم بصوت عال حديثا فارغا وهو يذرع زنزانته الرطبة جيئة وذهابا ويحك أسنانه بأصابعه ، ثم يلوي أذنيه الباردتين .
كان الأسير يلوي رقبته الى كل الجهات الضائعة وهو قابع في ركن زنزانته صامتا يثرثر مع الظلام وطنين الصخب المدوي في أذنيه . اليوم مضى عليه أسبوعان منذ أن أضرب عن الطعام مع بقية رفاقه الاسرى ، لكن قواه خارت وأدرك أن منيته قد دنت فاندفع الى الصفيحة المدلاة كما لو كان يخاف أن ترفع عنه في أية لحظة وغمس فمه وأنفه ووجهه وهو يكاد يغرق من الجهد الذي يبذله في المضغ والبلع في آن واحد ، ثم أنهى الحصة المخصصة ، وحين جذب الحبل الى أعلى راح يراقب الصفيحة الفارغة ترتفع بسرور الحيوان الذي أشبع نهمه ، بين قهقهات الحراس وبصاق البعض منهم . لم يستطع الاسير أن يمنع نفسه من مص أصابعه ولعق شفتيه ، بيد أن شبعه كان قصير الأمد ، اذ سرعان ما أصابه دوار وبدأ يتقيأ كل ما أكل تحت وابل لعناته وآهاته .
التصق القيء والعفونة بسطوح معدته ورفضا أن يتزحزحا . كان ينحني على الجدار الفارغ مع كل تشنج معوي يعتريه ويبقى فاغرا فاه مثل صبي ينحني من فوق هوة عميقة .
انتظمت أنفاس الاسير . مشط شعره الرطب بأصابعه ، ثم هبط بها فيما وراء اذنيه كيما ينظف لحيته من القيء . كان وجهه غارقا في عرق بارد لزج وهو يشعر ببقايا دوار في رأسه .
أخذ الضوء ينحسر في فناء الزنزانة ، فعمد الى التشبث بما بقى له من قوة جسدية كأنما يصارع نفسه فنجح في الجلوس ومد ساقيه ساندا رأسه على الجدار الرطب ، ثم استسلم لثقل جفنيه كمدمن تعاطى مخدرا قويا ، بيد أنه لم يسترح في نومه .
كانت حركات يديه القلقة وقيامه بسحب ساقيه مع الاخرى ، ثم مدهما ثانية في حركة لا ارادية تنبئان أنه يمر بأحلام داكنة الرؤية ، مجهولة الحافات ، بلا عنوان أو موضوع ، لكنه حين أصبح نصف مستيقظ راح يفتح فمه ويغلقه كسمكة مزهورة اصطيدت منذ لحظات ، متذوقا في راحة تامة الهواء الرطب بلسانه الجاف وحالما اكتمل استيقاظه أخذ يصيح في هذيان محموم ، واقفا على أطارف أصابعه ، جاذبا قامته الى أقصى حد لها .
كانت صيحاته تضعف شيئا فشيئا بعد أن يتردد صداها متلاشيا وسط أقبية الزنزانات والسراديب المظلمة .
قرع بقبضتيه الجدران ، ودق بقدميه الارض ، وصاح عاليا مرات ومرات حتى تحّولت صيحاته الى عواء يابس … ( ماء … ماء … ما…ء ) .
انزلق علي يده خيط رفيع من الدم ، ثم وقع في ركن الزنزانة مغشيا عليه ، إنتفض بعدها على دلو من الماء يصبُ عليه فجأة عبر أسياخ النافذة
الضيقة ، لاحقته بعدها لعنات وشتائم وبصقات . كان يتثاءب ويرتجف معانياً عذابات الجوع وتقلصات البطن ، يترقبُ بلهفة مجيء الصفيحة الصغيرة .
كان يأكل بنهم الأسود الجائعة كمن يغذي أحلامه خشية الضياع ، ثم يستغرق في النوم واقفا بعد آخر قضمة من صفيحته .
ساعتان من الضوء واثنان وعشرون ساعة من الظلام المجهول ، بين صفيحة مرق لا تعرف محتوياته وخبز وصفيحة البول . عطش في الصيف وفيضان في الشتاء .
قال الأسير لنفسه بصوت لم يكد هو يتعرف عليه ( إن وزنك يتناقص
كل يوم يا عبد الرحمن ، وسرعان ما تستطيع الريح ان تحملك الى حيث
البيت / الوطن . الكل آمن بالقضية وعرف حقيقة المصير ، فلقد ملوا الانتظار ، و ( زينب ) قد تعبت هي أيضا من طول الانتظار ، وان الحزن قد جعلها نحيلة كيديك هاتين . ماذا يهم لو نحلت يداك ؟ ، هه … لا يهم ذلك ، سوف تغسلهما
( زينب ) بدموعها وتعيد اليهما الدفء بضمهما الى صدرها القروي الرحب ) . كان يحسّها الى جواره ، تداعب له كعادتها شعره ، وتتنفس مع ضلوعه الصاعدة الهابطة أريج قرية من قرى ( فلسطين ) .
تهتزُ في أهدابه تداعيات بستانه قرب ( بيرزيت ) . كان الرعشة تأتيه في رفق ، دون أدنى تقلص . تمر ببطء خفيفة على طول أشواك عموده الفقري فتنقبض بجوفه فتحة الحبال الصوتية في أنين خافت متقطع ، وتسقط ذراعاه على الارض ليتلاشى كل شيء فيه ، ثم يسافر بعيدا في لجة من ضوء خطف منه اللون والبعد والاشكال .
كان التقزز الذي يسببه له ارضاء حاجته في الصفيحة مضاعفا للأثم الذي يقرضه من جراء ارضاء حاجاته الغريزية لهذا الحلم الصعب العقيم بذكرى زوجته وطفله الوحيد ( أيوب ) فيتركه دون أية قدرة على الحركة والاتصال .
استغل زيارة حزمة الضوء الى زنزانته ، ففك حزامه الجلدي ورسم بمسماره على الجدار أسم ( زينب ) والى جواره أسمه وولده ( ايوب ) ثم أضاف الى الرسم قلبا وتاجا من الشوك ونجما كبيرا وثلاثة عصافير يرفعون علم الوطن الى كبد السماء .
كان الضوء يخفت حالما يجيء الحراس مبحلقين فيه بأزدراء ، فتبتلع الظلمة على الفور معالم الجدران السميكة وسرعان ما تتدلى صفيحة الطعام .
آه لتلك الزهرة البرية ( زينب ) . صوت احتكاك الحبل الخشن بحافة
النافذة … ولدي ( أيوب ) ، الصفيحة معلقة في حبل بين جدران الزنزانة … يرتجف الاسير من نتانة الزائر المفاجيء … آه لـ ( زينب ) ، ناصعة البياض كالحليب في طبق الصباح ، ثم يقع مرة اخرى بلا نبض سوى الأمل الأسطوري في رؤية ( زينب ) و ( أيوب ) وبستان الزيتون .
أزاح الضابط الاسرائيلي مقعده الى الخلف ، وعقد قدميه تحته ، ثم أسند مرفقيه على المنضدة بعد ان أدنى قلمه من الضوء وحرر شهادة وفاة الاسير
( عبد الرحمن … ؟ ) على النحو التالي :
عربي الهوية
مسلم …. تاريخ الأسر …. في قرية فلسطينية ، تم حبسه انفراديا لتحريضه الأسرى بالأضراب عن الطعام واثارة الفوضى مدعيا سوء المعاملة ….. توفي نتيجة إصابته بزحار حاد…. انتهى …..






