تهمة منتصف الليل – فاتن قمري

كان الوقت منتصف الليل.
طفلان ينامان بهدوء في غرفتهما، وأنفاسهما الصغيرة تتعاقب في سكينة. في الغرفة المجاورة، كان الوالدان قد أطفآ الضوء منذ قليل، واستسلما لتعب يوم عادي. فجأة…دقّ الباب.
لم يكن الطّرق عاديّا، كان كالرعد الهادر، يهزّ الجدران ويوقظ الخوف قبل أن يوقظ النائمين. تلت الطرقات أصوات خشنة، غير مفهومة، تأمر بفتح الباب فورًا. هبّ الوالد مذعورًا، وتبعته زوجته وقلبها يرتجف في صدرها. فتح الباب بعيون مفزوعة. أمامهما أربعة رجال، ضخام الجثة، عريضي الرؤوس، وعيونهم كأنها تشعل نارًا في الظلام.
– أنتِ فلانة؟
بصوت مرتعش: نعم… أنا.
– أنتِ مقبوض عليك.
صرخت الأم.
في تلك اللحظة استيقظ الابن الأكبر، ذو الاثني عشر ربيعًا. خرج من غرفته مرتبكًا، فشهد المشهد كاملًا: أمه تُكبّل يداها أمام عينيه، تُسحب بقسوة، تُدفع نحو عربة بيضاء وسوداء، مغبّرة، كأنها اعتادت حمل الحكايات الثقيلة.
انطلقت العربة مسرعة… تاركة خلفها بابًا مذهولا وطفلًا يتجمّد في مكانه.
في مركز الاحتفاظ، كانت الروائح العطنة تختلط بأنين مكتوم. المكان مكتظ بالموقوفين، والوجوه شاحبة كالجدران.
كانت الأم منهارة. لا تفهم لماذا هي هناك. تهمة تُتلى عليها كأنها تخصّ امرأة أخرى. لم تعرف يومًا أنها ارتكبت ما يُنسب إليها. في أقل من أربع وعشرين ساعة، انقلبت حياتها الهادئة. من بيت دافئ إلى زنزانة باردة. من أمّ تُعدّ الفطور لصغيريها، إلى رقم في سجلّ.
في صباح اليوم التالي، أُدخلت إلى قاعة صغيرة ذات جدران باهتة. الهواء ثقيل، والنافذة العالية لا تُدخل إلا خيطًا شاحبًا من الضوء.
جلس القاضي يتصفح الأوراق. لم ينظر إليها. سألها عن اسمها، عن عملها، عن عنوان بيتها. أجابت بصوت خافت، وكأنها تخشى أن تُخطئ في شيء لا تعرفه. تليت عليها تهمة بدت لها بعيدة، كأنها تخصّ امرأة تشبهها في الاسم فقط.
حاولت أن تتكلم، أن تشرح، لكنها لم تعرف من أين تبدأ. الكلمات التي كانت واضحة في رأسها تفرّقت حين نطقت بها.
عباءة سوداء تحاول أن تنزع عنها شيئا من قتامة أيامها القادمة.
ساد صمت قصير.
نظر القاضي في الأوراق أمامه، ثم قال بنبرة ثابتة:
“ورافع الأستاذ بما يراه مناسبًا… وقرّرنا إصدار بطاقة إيداع.”
دوّن الكاتب شيئًا سريعًا.
أُغلق الملف.
في المقاعد الخلفية، كانت مروحة السقف تدور ببطء، تُصدر صوتًا منتظمًا لا يتغيّر.
لم تفهم في اللحظة الأولى معنى الجملة كاملة.
كانت لا تزال متعلّقة بكلمة “ورافع…”
اقتيدت إلى الخارج. في الممر، مرّت امرأة أخرى تنتظر دورها، كانت تضمّ حقيبة صغيرة إلى صدرها.
عند باب السجن، أخذوا منها مشبك شعرها وخاتم زواجها. سُجّل اسمها في دفتر سميك. أُعطيت رقمًا.
في المساء، جلست على سرير حديدي مهترئ اللحاف، في زنزانة تضمّ نساء لا تعرفهن. إحداهن كانت تحكي عن أطفالها، أخرى تنظر إلى الجدار كمن ينتظر شيئا غير مرئي..
تذكّرت فجأة أن ابنها الأكبر يكره النوم والباب مفتوح.
وضعت رأسها على الحائط البارد
لم تبكِ.
٪٪
فاتن قمري
شاعرة تونسية
صدر لها ديوان شعري «أكتبُ لِتَراني» سنة 2025. تعمل حاليًا على إعداد إصدارها الثاني، الذي يمزج بين السرد والتأمل الشعري.



