سكّر في حلقه – فاتن قمري – تونس

كان يحفظ آراءها أكثر من آرائه، ومع ذلك، في كل مرة يفتح نقاشًا بينهما، يأتيها بنصوص وقوالب يعرف مسبقًا أنها تستفزها. كان يحب أن يستفزها، فقط ليستمتع بحماسها وهي تفنّد كل ما يقوله بحججها العقلية والمنطقية… كانت تتحمس… وهو يبتسم.
قال لها مرة وهو يدفع فنجان القهوة قليلًا نحو حافة الطاولة:
“تعلمين أنك لا تستطيعين الحج دون محرم.”
رفعت عينيها إليه بنظرة باسمة ويدها تواصل تحريك الملعقة في فنجانها بهدوء، ليذوب السكر في حلقه قبل اندلاع زوبعة في قلبه. كان في المقهى ضجيج خافت لا يزعج أحدًا فعليًا: ملاعق تصطدم بفناجين، باب يُفتح ويُغلق بلا اهتمام، ورجل في الزاوية يحدّق في هاتفه كأنه يقرأ حياةً لا تخصه.
“والله؟! وما معنى المحرم؟”
ابتسم وقال:
“الرجل الذي تحرم عليه المرأة تحريمًا مؤبدًا بنسب كالأب والأخ والابن أو بسبب مباح كالزوج وأبيه. ويشترط وجوده شرعًا في سفر الحج، لصيانة المرأة وحمايتها وتوفير الرعاية لها.”
وضعت الملعقة على الطبق بصوت لم يكن خافتًا تمامًا:
“أفهم من قولك أنه في غياب المحرم لا يجوز لي الحج؟!”
“هذا ما يفرضه الشرع. وأنا أحاول فقط أن أفهم كيف تتجاهلين ما هو واضح.”
نظرت إليه كأنها تمنح الجملة وزنها قبل أن تطلقها:
“الواضح؟ هلا ذكرت لي آية في كتاب الله توجب حج المرأة مع محرم؟”
أومأ، واثقًا من نفسه بالقدر الذي يعرف أنه يُغريها على الكلام:
“﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾”
“وأين المحرم في النص؟”
“القرآن لم يُشر إلى المسألة صراحةً، لكن الفقهاء أكدوا أن السبيل والاستطاعة بالنسبة للمرأة تشملان وجود الزوج أو المحرم. فإذا لم يتوفر لها محرم فهي في نظرهم غير مستطيعة شرعًا.”
أخذت رشفة من فنجانها ببطء، كأنها تمنحه فرصة أخيرة ليتراجع، لكنه ظل محدقا فيها ينتظر..
“فلنفترض أن المحرم في الأصل كان ضمانًا للأمان في طريق طويل وخطر. أما اليوم فللمرأة سبيلها الخاص، وباستطاعتها السفر إلى أنحاء العالم دون وصاية، فهل يحتاج طريقها إلى بارئها وصيًّا؟ أتدري ما مصيبتنا؟ أن كل الطرق تغيّرت، أما الفتاوى فجامدة لا تتغير.”
صمت… تلك الثانية التي يعرف فيها أن الحجة انقلبت عليه بهدوء، وهو المقتنع بها في قرارة نفسه ولكنه لا يجاريها متعمّدا..
أعاد ترتيب أصابعه حول فنجانه كمن يُعيد ترتيب أفكاره، ثم قال مبتسمًا:
“أفهم من قولك أن الفرق يكمن بين من يقرأ النص ومن يقرأ خلفه.”
“تمامًا.”
رفع حاجبه، مُعجبًا أو مُتظاهرًا بالإعجاب، ثم قال:
“حتى لو سلّمنا بذلك، فإنك مع ذلك لن يُسمح لك بالحج من غير محرم.”
رفعت رأسها كمن يضع آخر فاصل في جملة اعتراضية، وفي عينيها ابتسامة لا تُفهم:
“لله درك… ما ألطفك وأنت تهذي.”!
فاتن قمري
قاصة وشاعرة تونسية
صدر لها ديوان شعري «أكتبُ لِتَراني» سنة 2025، نشرت عددا من القصص القصيرة وتعمل حاليًا بالتوازي على إصدار مجموعة قصصية ومجموعة ثالثة تمزج بين السرد والتأمل الشعري.



