سبع دقائق – فاتن قمري-تونس

في الممر الطويل لمحكمة الحاضرة حشد ينتظر أمام قاعة في حركة متوترة أشبه بالغليان، رؤوسهم مشرئبة في فضول يحاولون استطلع ما يجري داخل القاعة.
عدد كبير من المحامين ينتظرون بعباءاتهم السوداء وصول منوّبهم المتهم في قضية إرهابية من سجن إيقافه. منوّبهم هو زميلهم، سيد أحمد، كما يحلو لهم مناداته، رجل سبعيني، التحق بضفة الدفاع بعد تقاعده من عمر قضّاه في شرح معنى الكلمة ومقاصدها وهو جالس على كرسي القضاء.
يقبع في السجن طيلة أشهر في انتظار محاكمته، حدث أن عبّر بجملة مجازيّة وحركة مسرحية سافرت به بعيدا وعادت في هيئة تهمة إرهابية
قيل إن المحاكمة ستجري عن بعد ولم يكن واضحاً تماماً ما معنى “عن بعد”، بعد بين السجن والقاعة أم بين العدالة والوقت؟
جلس القضاة يعلنون بداية الجلسة عن بعد والمحامون الرافضون في حالة استنكار واستنفار يطالبون بإحضار منوّبهم وحقه في محاكمة عادلة
بقيت الشاشة في زاوية القاعة مظلمة، كنافذة لبيت مهجور.
لن يحضروا المتهم كما اشترط لسان دفاعه، ولن يواجه قضاة يعلم أنهم سيستنطقون إدانته ولو أدلى بكل قرائن البراءة
في مكان ما، خلف جدران بعيدة، ربما كان سيد أحمد ينتظر أن يُنادى اسمه. وربما كان يتجرّع مرارته ببطء، معتقداً أن العدالة تحتاج دائماً إلى بعض الوقت.
لكن الوقت في القاعة كان قصيراً على نحو غير عادي، الفوضى عمّت المكان والتوتّر بلغ مداه، فكانت سبع دقائق كافية لترفع الجلسة
لم يحدث شيء تقريباً. لم تُسمع مرافعة واحدة و لم يظهر المتهم. فقط صدر الحكم.
خمس سنوات سجنا وثلاث سنوات مراقبة إدارية. وقف المحامون في أماكنهم في لحظة خانقة، عندما ينحبس النفس لا إراديا ولا يمكن ردّه
نظر أحدهم إلى ساعته.
سبع دقائق كانت كافية تماماً لتختصر حياة رجل في حكم مكتوب مسبقا
في الممر، بدأ الناس يتفرقون.
لم ير أحد سيد أحمد، كأن سبع دقائق لم تكن شيئاً مهماً على الإطلاق.
فاتن قمري
شاعرة تونسية
صدر لها ديوان شعري «أكتبُ لِتَراني» سنة 2025. تعمل حاليًا على إعداد إصدارها الثاني، الذي يمزج بين السرد والتأمل الشعري.



