عرفاء الصف / جواني عبدال

تأفف الولد ذو السنوات الإحدى عشر من والده الذي ينتقل بين القنوات التلفازية بالرموت (جهاز المغير) من قناة إخبارية إلى أخرى, وكلها تخبر عن الحروب, أو تدور حول الصراعات وما ينتج عنها من قتل ودمار، ويتجنب أغاني الحب والمسلسلات المسلية الذي يهواه, وهو ما يود أن يشاهده ويتابعه بعد انتهاء وظائفه المدرسية, يرمق الأب بين الحين والآخر وينقل نظراته بينه وبين والدته التي يريد منها معاضدة.. التي تبدو ساكتة مكتوفة الأيدي, لا تعرف شيئا أو تتجاهل كل ما يجري.
الوالد لاهٍ عما يعتمل في الصدور, متنرفزا متكدرا مما يشاهد من الأخبار والحوادث المفجعة, التي تجري وقد أصبحت عادية من كثرة تكرار حدوثها بنفس السوية, وبين الحين والآخر ينفخ الولد بضجر ويتمدد بملل.. يصدر صوتا ويعلق على موقف, يلعن ويسب محتدا.
وأخيرا.. تقدم الولد ذو السنوات الإحدى عشر من والده, وتجرا أن يكسر الرتم التي يسير عليه, وسأل:
- ماهذا يا أبي..؟.
- هذا ماذا..؟.
- الأخبار إياها, أحب أن اسأل لماذا هذه الصراعات والمنازعات.
- كل ذلك من أجل الكرسي.. أي المناصب.
- الكرسي والمناصب..! لأجلها يتنازعون ولأجلها تهدر دماء وتزهق أرواح كثيرة.
– نعم.. يا حسون..
- – حسنا.. ليأتي كل واحد منهم بكرسيه..
- لا.. يا بني ليست الأمور بهذه البساطة, بل هناك كرسي واحد, والكل يطمح إلى نيله.
- ولماذا هذا ..ال..
- حسنا..
وخطرت للوالد فكرة ان يقرب لولده المعنى, وقد أعجبه تواردها على ذهنه, كانه جهبذ.. قال:
- اسمع يا بني سأبسط لك الأمر, هناك عندكم في صف المدرسة عريف وعليه أن يضبط هؤلاء التلاميذ .. فلماذا..؟.
- نعم عندنا عريف صف, يضبط الأولاد كي يستقروا، يراقب ويكتب أسماء التلاميذ الذين يشاكسوا , ويشاغبوا.. الذين يتعاركوا ويصدر صوتا وضجيجا.
- وأيضا بعد.
- ليحافظ على الهدوء, ويراقب مفتعلي الصخب والضجيج ليتم كبحهم ومعاقبتهم.
- حسنا .. الناس في العادة شرسين ويلزمهم عرفاء, وهؤلاء الذين تراهم في التلفاز, يتمثلون بالكراسي, يلزمهم عريف كبير..
- نعم .. هذا جيد, إذن فلماذا الصراع والمنازعات والقتل والخراب.
- كل واحد منهم يريد أن يكون عريفا, وليس غيره.
- ليكن احدهم عريفا وما المانع؟.
- هنا العقدة, وهنا اللعنة, في المدرسة المعلم يعين الأفضل دراسة واجتهادا, والمقتدر شخصية، والأقوى جسما ليحفظ ذلك, أي أن هناك صفات يجب أن يتحلى بها ذاك.
- نعم.. هذا صحيح, فليكن كذلك.
- عندكم في الصف يـُــفرض من فوق ويتم التعين من قبل المعلم الذي يرى ويختار, اما هؤلاء !!..
- أما هؤلاء!!..
- من يعينهم, وإلى من يحتكمون, وكل يدعي بأنه الأفضل والاشطر والأقوى, فيتقاتلون ميدانيا / على الواقع ليبرهنوا انهم الأفضل والاشطر والأقوى، وأنهم الأحق بمنصب الكرسي.
- الا ينتقون من بينهم الأفضل والأقوى إلا أن يتناعوا الحروب بالسلاح فتهدر فيها الدماء والأرواح والممتلكات..
- نعم للأسف.. المشكلة الكل يدعي بأنه الأفضل والأقوى لفرض الأمر.
- وهؤلاء الذين تهدر باسمهم كل ما يملكون. ألا يفعلون شيئا؟.
- إنهم ضعفاء وليس لهم سطوة أو قدرة، وإلا لأصبحوا طرفا مثلهم.
- إذن وبعد. فمن يعينهم يعينهم, ومن المصالحة من ألا تهدر الدماء والأرواح والممتلكات..
- هنا مربط الفرس, الشعب, واليه يعود القرار, للمحافظة على مصالحهم، وكل ما يتعلق الأمر بهم.
- نعم الشعب، وهو المغيب ليختار من بينه عرفاء عليهم ويفضوا المشكلة. هو القعد الأجتماعي بان يضخي الناس بحريتهم. طواعيه ليسود الامن والعدل..
- حسنا الشعب يختار بانتخابات من يولونهم مقاليد الأمور.
تقدم الولد، وفهم بأن الأخبار انتهت, فمد يديه إلى الرموت ليقلب القناة إلى أخرى، لمتابعة مسلسل السهرة الذي يتابعه مع إخوته, وكان يلاحظ تمللهم وضجرهم، وقد ارتاحوا لمشاغلة والده وما اسند إليه من دور, فمد يديه ليـأخذ الجهاز, فما كان من الوالد أن زجره وسحبها منه:
– يا حسون.. كفى زقزقة.. لم أكمل مشاهدة تحليل الأخبار بعد, ابقَ بعيدا.. لا بل اذهب واحمل كتابا وطالع دروسك.
– ههع.. هكذااا.



