قراءة نقدية في ق.ق.ج «خداع الدفء» للقاص حسين بن قرين درمشاكي/ د. محمد عيسى مهنا

النص:
ق.ق.ج/خداع الدفء
على رصيف الصقيع، يلتحف الشيخ أسماله. ألقى إليه ثريٌّ معطف فرو فاخر، والتقط صورة “سيلفي” ومضى.
لم يهنأ الشيخ بالدفء الطارئ؛ إذ لَمَحَ طفلاً يرتجف في الزاوية المقابلة. دَثَّرَ الصغيرَ بالمعطف.. ومات دافئاً.حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبيثمة نصوص قصيرة لا تنتهي عند آخر سطر فيها، بل تبدأ منه. وهذا النص واحدٌ منها؛ إذ يكتب القاص حسين بن قرين درمشاكي حكايةً بالغة القِصر، لكنها تفتح في القلب نافذةً على أسئلة الفقر، والكرامة، والرحمة، وذلك التناقض الموجع بين دفء الصورة وبرودة الواقع.
«خداع الدفء» عنوانٌ ذكيّ، لا يصف حالةً حسية فحسب، بل يضع القارئ منذ البداية أمام مفارقةٍ أخلاقية: دفءٌ يُمنح في الظاهر، لكنه لا يلبث أن ينكشف عن برودةٍ إنسانية عميقة.
رصيف الصقيع… مسرحٌ للإنسان
يفتتح الكاتب نصه بقوله:
«على رصيف الصقيع، يلتحف الشيخ أسماله.»
يا لها من بدايةٍ مقتصدة، مشحونة بالدلالة!
فالرصيف ليس مجرد مكان، والصقيع ليس مجرد طقس؛ إنهما فضاءٌ تتعرّى فيه هشاشة الإنسان، حين لا يجد من يحميه من قسوة العالم. أما الشيخ، فيظهر محاطاً بأسماله، وكأن الفقر قد سلبه حتى أبسط شروط الدفء.
وفي لفظة «يلتحف» شيء من المفارقة المؤلمة؛ فالالتحاف فعلٌ يوحي بالستر والطمأنينة، غير أن ما يلتف به الشيخ ليس سوى أسمال، فلا يستر جسده من البرد، ولا يستر المجتمع من عجزه الأخلاقي.
المعطف… حين تتحول الرحمة إلى صورة
ثم يأتي الثري:
«ألقى إليه ثريٌّ معطف فرو فاخر، والتقط صورة “سيلفي” ومضى.»
هنا يبلغ النص ذروةً أولى من المفارقة.
فالفعل «ألقى» لا «ألبسه» ولا «غطّاه»؛ وكأن المعطف قد صار شيئاً يُلقى إلى الفقير، لا عنايةً تُمنح للإنسان. ثم تأتي صورة السيلفي لتكشف الدافع الذي يظل مستتراً خلف المشهد الإنساني.
ليس المعطف هو موضع الإدانة، بل تلك اللحظة التي تتحول فيها معاناة الآخر إلى خلفيةٍ لصورة، ويغدو فعل الخير قابلاً للعرض أكثر من قابليته لأن يكون رحمة.
والأجمل أن الكاتب لم يشرح لنا نية الثري، ولم يصفه بالبخل أو الرياء، بل ترك الصورة نفسها تتكلم. وهذه من علامات الكتابة القصصية الناضجة: أن يترك السلوكُ القارئَ أمام دلالته، دون أن يثقل النص بتعليقٍ أخلاقي مباشر.
«الدفء الطارئ»… مفارقة العنوان
يقول القاص:
«لم يهنأ الشيخ بالدفء الطارئ؛ إذ لَمَحَ طفلاً يرتجف في الزاوية المقابلة.»
هنا ينتقل النص من نقد السلوك الاجتماعي إلى الكشف عن جوهر الشخصية الإنسانية.
فالشيخ، الذي كان قبل لحظات ضحيةً للبرد، لم يتحول إلى مستهلكٍ للدفء، بل ظل يرى وجع الآخرين. لقد امتلك المعطف، لكنه لم يمتلك القدرة على تجاهل طفلٍ يرتجف.
وصف الدفء بأنه «طارئ» بالغ الأهمية؛ فهو دفءٌ مؤقت في حياةٍ لا تزال باردة، ودفءٌ جسدي لا يستطيع أن يطمس الوعي بآلام الآخرين.
إن الشيخ هنا لا يُقدَّم بوصفه فقيراً فحسب، بل بوصفه صاحب غنى داخلي، يملك من الإحساس ما قد يفتقده من يملك الفرو والمال.
المعطف في يد الفقير… الرحمة حين تستعيد معناها
ثم تأتي الجملة الحاسمة:
«دَثَّرَ الصغيرَ بالمعطف.. ومات دافئاً.»
هذه النهاية هي قلب النص وروحه.
فالمعطف الذي ظهر أولاً في مشهدٍ يختلط فيه العطاء بالاستعراض، ينتهي في مشهدٍ خالصٍ من كل صورة. لم يعد المعطف وسيلةً لصناعة الانطباع، بل صار وسيلةً لإنقاذ جسدٍ صغير من الصقيع.
وفي انتقال المعطف من الشيخ إلى الطفل، يعيد الكاتب ترتيب القيم: ما عجز المال عن أن يمنحه من دفءٍ إنساني، منحته الرحمة في صمت.
أما عبارة «ومات دافئاً»، فهي خاتمة موجعة، لأنها تجمع بين فعل الموت وفعل الدفء في تركيبٍ واحد. وكأن الشيخ لم يجد خلاصه من البرد إلا في أن يمنح خلاصاً لغيره.
لكن هذه النهاية، مع قوتها العاطفية، لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تمجيداً للموت أو دعوةً إلى أن يدفع الفقراء ثمن رحمتهم. إنما هي مفارقة قصصية تكشف كيف يمكن للإنسان أن يهب ما يحتاج إليه، حتى في أقسى لحظات احتياجه.
البنية القصصية: اقتصادٌ لغوي واتساعٌ دلالي
ينتمي النص إلى فضاء القصة القصيرة جداً، حيث لا تُقاس القيمة بعدد الكلمات، بل بقدرتها على بناء حدثٍ مكتمل، وشخصياتٍ قابلة للتأويل، ونهايةٍ تعيد قراءة ما سبقها.
وقد نجح الكاتب في بناء النص عبر ثلاث حركات متتابعة:
البرد: شيخٌ يلتحف أسماله.
الدفء: ثريٌّ يمنحه معطفاً ويلتقط صورة.
المفارقة: الشيخ يمنح المعطف لطفلٍ ويموت دافئاً.
هذه الحركة البسيطة تخفي وراءها بناءً محكماً؛ فالمعطف ليس مجرد غرضٍ سردي، بل هو محور انتقال المعنى من الاستعراض إلى التضحية.
كما أن حضور «الشيخ» و«الثري» و«الطفل» يخلق ثلاث حالات إنسانية متقابلة: الحاجة، والقدرة، والبراءة. غير أن الكاتب يقلب التوقعات؛ فصاحب المال لا يمنح إلا ما يمكن تصويره، وصاحب الحاجة يمنح ما لا يستطيع الاستغناء عنه.
هل العنوان خداعٌ أم كشف؟
قد يبدو عنوان «خداع الدفء» للوهلة الأولى عنواناً عن معطفٍ لا يدفئ، أو عن إحساسٍ عابر بالنجاة. لكنه في العمق أكثر اتساعاً.
فالدفء الخادع هو ذلك الذي تمنحه الصورة دون أن تمنحه الرحمة، وذلك الذي يلمع أمام الكاميرا ثم ينطفئ عند أول زاويةٍ مظلمة.
أما الدفء الحقيقي، فلا يحتاج إلى شاهدٍ ولا إلى عدسة؛ يكفيه أن يصل إلى جسدٍ يرتجف.
وهنا تكمن براعة العنوان: إنه لا يشرح الحكاية، بل يضع القارئ في مواجهة سؤالها الأخلاقي.
ملاحظة فنية حول النهاية
النهاية شديدة التأثير، غير أن عبارة «ومات دافئاً» تذهب بالنص إلى أقصى درجات المأساة، وتمنحه طابعاً رمزياً واضحاً.
ويمكن أن يختلف القراء في تلقيها: فمنهم من يراها ذروةً تراجيدية تجعل التضحية كاملة، ومنهم من قد يشعر بأن موت الشيخ يحمّل الرحمة ثمناً قاسياً، ويترك السؤال الاجتماعي مفتوحاً: لماذا كان على شيخٍ فقير أن يمنح معطفه كي ينجو طفل؟
وهذا الاختلاف ليس عيباً في النص، بل جزء من طاقته التأويلية؛ إذ إن القصة لا تغلق باب الأسئلة، بل تتركه مفتوحاً على مجتمعٍ يحتاج إلى دفءٍ لا ينتهي بموت صاحبه.
خاتمة: حين يكون الفقير أكثر غنى
«خداع الدفء» نصٌّ صغير في حجمه، كبيرٌ في دلالته. كتب فيه حسين بن قرين درمشاكي عن الفقر دون أن يحوّله إلى شكوى، وعن الثراء دون أن يحوّله إلى محاكمة مباشرة، وعن الرحمة دون أن يسقطها في الوعظ..
تحية للكاتب والقاص الليبي حسين بن قرين درمشاكي، الذي استطاع في مساحةٍ سردية ضيقة أن يفتح جرحاً واسعاً في الوعي، وأن يجعل من القصة القصيرة جداً مرآةً لبرودة العالم، ونبضاً لما تبقى فيه من رحمة.



