7- التظاهر بالحب / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

7- اتخاذ الحب مطية:
ليس كل ما يتبدّى في صورة الحب حبًّا، وليس كل تعبير عن الحب صادرًا عن عاطفة الحب؛ فقد يتظاهر الإنسان بالحب وهو خالٍ منه، يستعير لغته، ويستحضر إشاراته، ويقلّد تعبيراته، لا لأن الحب هو الدافع إلى سلوكه، وإنما لأنه يراه وسيلةً يمكن أن تُوظَّف لقضاء مآرب أخرى. هنا ينفصل مظهر الحب عن جوهره، ويصبح الحب المعلن مجرد صورة مصنوعة تستهدف استمالة الآخر، وكسب ثقته، وفتح الطريق إلى ما يراد منه.
وفي هذه الحالة لا يكون الحب هو الذي يقود العقل، وإنما يكون العقل هو الذي يوظف صورة الحب. فإذا كان الأنا يتكون من عضوي ووجداني وعاقل، فإن الأنا العاقل يستطيع أن يدرك ما يحتاج إليه الآخر من كلمات وإشارات ومواقف، ثم يعيد تركيبها في خطاب يبدو عاطفيًا، بينما هو في حقيقته خطاب نفعي. وهنا يتبدى العقل في صورة الأنا الماكر؛ لا لأنه عاجز عن الحب، بل لأنه قادر على إنتاج ما يشبه الحب دون أن يكون الحب حاضرًا بوصفه دافعًا وجدانيًا.
ولهذا فإن أخطر ما في التظاهر بالحب أنه لا يأتي إلينا عادةً من خارج دائرة الثقة؛ فالغدر يأتينا دوما من قلبها. فكلما اطمأن الإنسان إلى أن ما يتلقاه حبًّا صادقًا، خفّ احترازه، وفتح للآخر مساحة أوسع في ذاته وحياته، فإذا بالصورة التي وثق بها تتحول إلى مطية لغاية لم يكن يتوقعها. ومن هنا تكون الخديعة في جوهرها ليست مجرد كذب في التعبير، وإنما توظيفًا للثقة التي ينتجها الحب المعلن من أجل غرض لا علاقة له بالحب.
وتزداد المفارقة عمقًا حين يكون الطرف الماكر واعيًا بهذه الآلية؛ فهو لا يكتفي بإخفاء غياب الحب، بل يصنع حضورًا بديلًا له: كلمة في موضعها، واهتمام في وقته، وابتسامة محسوبة، وقرب حين تكون الحاجة إلى القرب، وابتعاد حين يصبح الابتعاد أكثر نفعًا. وهكذا يصبح الجسد واللغة والسلوك جميعًا أدواتٍ في بناء مسرحية الحب.
وهنا نكتشف أن الحب يمكن أن يكون عاطفةً مصطنعة، ويمكن أن يكون لغةً كاذبة، ويمكن أن يكون صورةً مزيفة، ويمكن أن يتحول، في يد الأنا الماكر، إلى أداة توظيف.
إن التمييز بين الحالتين يعيدنا إلى جوهر المسألة: الحب الحقيقي دافعٌ إلى الفعل، أما الحب المتظاهر به فقد يكون الفعل نفسه هو الذي صُنع لإيهامنا بوجود الحب. وفي المسافة الفاصلة بين الاثنين تقع الخديعة؛ لأننا لا نتلقى مجرد كلمات كاذبة، بل نتلقى عاطفةً مصطنعة في صورة عاطفة حقيقية، فنمنح الثقة لمن لم يكن جديرًا بها.
ولأن الغدر يأتينا من قلب الثقة العمياء دائمًا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد انكشاف الخديعة لا يجوز أن يتوقف عند: كيف استطاع الآخر أن يخدعنا؟ فهذا السؤال يضع كل المسؤولية في حنكة الغدار وقدرته على التمثيل، ويجعلنا نراه فاعلًا وحيدًا في مشهد الخديعة. لكن ثمة سؤالًا آخر لا يقل أهمية، بل ربما يكون أكثر إيلامًا وعمقًا: كيف خُدعنا ولم ننتبه؟
فالغدار، مهما بلغت حنكته في تدبير التمثيل، ومهما أحسن الأنا الماكر توظيف العقل في صناعة صورة الحب، لا يستطيع أن يضمن انسجامًا كاملًا بين ما يُظهره وما يضمره. إذ إن الإنسان قد يخطط للكلمة، ويحسب الموقف، ويتعمد الابتسامة، ويختار لحظة الاقتراب والابتعاد، لكنه لا يملك دائمًا السيطرة الكاملة على كل ما يصدر عنه. فهناك ما ينفلت من التخطيط، وما يتسرب من وراء القناع، وما يظهر في لحظة غفلة أو ارتباك أو تناقض بين القول والفعل.
وقد تكون هذه العلامات قولية: كلمة زائدة، أو تناقض في الرواية، أو وعد لا ينسجم مع سلوك سابق، أو تغير في طريقة الحديث حين يتغير السياق. وقد تكون جسدية: نظرة لا تنسجم مع الكلام، أو ملامح تتغير عند سؤال معين، أو حركة تكشف توترًا أو نفورًا أو استعجالًا، أو مسافة جسدية تناقض خطاب القرب. وقد تكون سلوكية، وهي الأهم ربما: فرق بين ما يقال وما يُفعل، بين الحضور في لحظة المصلحة والغياب حين تنتفي الحاجة، بين الاهتمام المعلن والاستجابة الفعلية، وبين الوعود المتكررة والسلوك الذي لا يؤكدها.
غير أن العلامة لا تصبح دليلًا بمجرد ظهورها؛ فليس كل تناقض خداعًا، ولا كل ارتباك غدرًا، ولا كل إشارة جسدية تعني قصدًا خفيًا. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن علامة واحدة تفضح الآخر، وإنما عن نسق من العلامات يتكرر ويتآزر، وعن فجوة تتسع بين القول والجسد والسلوك. وهنا يتحول النظر إلى التجربة من انفعال إلى قراءة، ومن الثقة العمياء إلى الانتباه، ومن التسليم بالصورة إلى اختبارها.
8-كيف يأتينا الغدر في الحب من قلب الثقة؟
والأهم أن السؤال: كيف خُدعنا ولم ننتبه؟ لا ينبغي أن يتحول إلى جلد للذات أو تحميلها ذنب الغدر الذي وقع عليها؛ فالثقة في ذاتها ليست خطأ، والحب ليس خطأ، وحسن الظن ليس سذاجة بالضرورة. إنما المقصود أن نتعلم كيف نمنح الثقة دون أن نعطل قدرتنا على الملاحظة، وكيف نحب دون أن نفقد المسافة التي تسمح لنا بأن نرى، وكيف نصغي إلى الكلمات دون أن نعفي الأفعال من حقها في أن تتكلم.
ومن هنا تصبح المراجعة اللاحقة للتجربة فعلًا معرفيًا. فما لم ننتبه إليه ونحن داخل التجربة قد نراه بوضوح حين نخرج منها. نعيد ترتيب الوقائع، ونقارن بين القول والفعل، ونستحضر الإشارات التي مررنا عليها سابقًا، ونلاحظ التناقضات التي غطتها الرغبة في التصديق. وقد نكتشف أن بعض العلامات كانت موجودة، لا لأنها كانت تصرخ بالحقيقة، وإنما لأننا نحن كنا نملك أسبابًا وجدانية جعلتنا نؤوّلها لصالح الصورة التي أحببنا أن نصدقها.
وهنا تكمن المفارقة: قد لا يكون الخداع كله في ما أخفاه الآخر، بل قد يكون بعضه في ما كنا نحن مستعدين لتصديقه. فالرغبة في استمرار الحب قد تجعلنا نمنح التناقض تفسيرًا بريئًا، والثقة قد تجعلنا نتجاوز علامة مقلقة، والتعلق قد يجعلنا نرى الوعد بدل أن نرى السلوك. ولذلك فإن مراجعة التجربة لا تكشف فقط حنكة الأنا الماكر، بل تكشف أيضًا كيف اشتغل الأنا العاطفي والأنا العاقل داخلنا، وكيف يمكن للعاطفة أن تؤثر في القراءة التي يقوم بها العقل للواقع.
وبذلك لا تنتهي التجربة عند لحظة اكتشاف الغدر. فبعد الألم تأتي المراجعة، وبعد المراجعة يأتي الفهم، وبعد الفهم يمكن أن تأتي الحكمة. وما كان في لحظته تجربةً موجعة قد يتحول، إذا أُعيدت قراءته بوعي، إلى معرفة جديدة بالذات وبالآخر وبحدود الثقة وبعلامات التناقض بين الحب المعلن والحب الموجود فعلًا.
وهكذا نكون قد نقلنا التجربة من مجرد الألم والمعاناة إلى درس حياتي؛ لا درسًا في الشك بالآخرين، ولا دعوة إلى إغلاق القلب، وإنما درسًا في أن الثقة تحتاج إلى وعي، وأن الحب لا يعفينا من الملاحظة، وأن أجمل ما يمكن أن نخرج به من الخديعة ليس أن نتعلم كيف لا نحب، بل أن نتعلم كيف نحب ونحن أكثر انتباهًا، وكيف نثق دون أن نتنازل عن حقنا في رؤية الحقيقة.
فلا شيء أجمل في هذا العالم من أن يلتقي الإنسان (رجلا أو امرأة) بحبه الحقيقي! وما أفضع أن يعيش المرء مسرحية حب مزيف! وما أكثر ذلك! لأن العشب الضار ينمو دوما بشكل متأجج! مثل هذه الفضاعة، ترجمها أبو فراس الحمداني في رائعة شعرية، منها هذه الأبيات (١)
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر
تكاد تضيء النار بين جوانحي إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلة لآنسة في الحي شيمتها الغدر
———
(١) قصيدة «أراك عصي الدمع» من أشهر قصائد أبي فراس الحمداني، وهي من شعره الذي ارتبط بتجربة الأسر، وتندرج ضمن ما عرف بـ «الروميات»، وهي القصائد التي نظمها خلال أسره لدى الروم. وقد نظمها على البحر الطويل، وتمتاز بمزجها بين الاعتداد بالنفس ورقة العاطفة والشكوى والحنين. وقد انتقلت القصيدة من فضاء الشعر إلى فضاء الغناء، فغنتها أم كلثوم في أكثر من مرحلة فنية.
يتبع



