مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الإنسان المعاصر وسؤال الوجود والهوية في عالم يتحول:-(علاقة الإنسان بالذاكرة)✍محمد الجلايدي-المغرب

صورة سيلفي لرجل يرتدي نظارات شمسية وقميص أحمر، مع البحر الأزرق في الخلفية.

لقد شهدت علاقة الإنسان بالذاكرة تحولات عميقة عبر المراحل التاريخية، بحيث انتقلت من كونها ملكة إنسانية داخلية تحفظ التجربة والمعرفة، إلى منظومة خارجية مدعومة بالتقنية، تعيد تشكيل معنى التذكر والنسيان معًا.

ففي العصر الزراعي، كانت الذاكرة ذات طابع شفهي حي، تقوم على الحفظ والتناقل المباشر، حيث تُختزن المعرفة في العقول وتُمرَّر عبر الرواية والتجربة، مما جعلها مرتبطة بالجماعة وبالزمان الممتد، وقائمة على التكرار والاستعادة المستمرة ضمانًا للاستمرارية. وكانت القدرة على التذكر بهذه الصيغة شرطًا وجوديًا لحفظ المعرفة، الأمر الذي منح الذاكرة بعدًا اجتماعيًا عميقًا.

ومع العصر الصناعي، شهدت الذاكرة تحولًا نوعيًا مع ظهور وترسخ الكتابة والطباعة واتساع الأرشفة، حيث لم تعد المعرفة حبيسة الذهن، بل أصبحت موثقة في وسائط خارجية، كالكتب والسجلات. وقد أتاح ذلك حفظًا أدق وأكثر استقرارًا للمعلومة، لكنه في المقابل خفف العبء عن الذاكرة الفردية، وأعاد توزيع العلاقة بين التذكر والوسيط.

وهكذا انتقل الإنسان من ذاكرة حية قائمة على الحفظ المباشر، إلى ذاكرة موثقة تقوم على الاسترجاع عبر أدوات خارجية، مما جعل المعرفة أكثر قابلية للتراكم والتنظيم.

يقف توفلر عند موضوعة «الذاكرة الاجتماعية الحيوية» في كتابه «حضارة .. الموجة الثالثة» بتقسيم الذاكرة إلى :-ذاكرة شخصية محضة – ذاكرة مشتركة أو اجتماعية. الذاكرة الشخصية تموت بموت صاحبها ، بينما تبقى الذاكرة الاجتماعية حية. كما أن القدرة على تخزين الذكريات المشتركة واستردادها هو سر نجاح التطور الذي يصنعه الإنسان. وقد حقق الكائن البشري ثورة في ذاكرته الاجتماعية مرتين في التاريخ، ونحن اليوم على مشارف تحول ثوري مماثل آخر.

ويضيف لتوضيح هاتين الثورتين باعتماد التقابل القياسي في قراءة التاريخ، بأن الجماعات البشرية كانت- في البدء- تخزن ذكرياتها المشتركة في المكان نفسه الذي تحفظ فيه الذكريات الخاصة- أي في عقول الأفراد. وكان شيوخ القبائل والحكماء يحملون هذه الذكريات معهم على صورة تاريخ وأساطير ومعارف، ثم ينقلونها إلى الناشئة عبر جملة من الأنشطة، كالأحاديث والأغاني والأناشيد والأمثال.

وجاءت الموجة الثانية- يقصد حضارة المصنع- فحطمت حاجز الذاكرة، بانتشار التعليم ( قراءة وكتابة )، وحفظت سجلات العمل النظامية، وشيدت صروح آلاف المكتبات والمتاحف، وابتكرت غرف الملفات.

ليستخلص ما معناه بقوله:- «باختصار فقد نقلت الذاكرة الاجتماعية من الجمجمة ووجدت سبيلا لحفظها ، وبالتالي وسعت من حدودها.» (١) وبازدياد حفظ المعرفة التراكمية، سرّعت الموجة الثانية من عمليات الاختراع والتحول الاجتماعي. مقدمة بذلك، أسرع تطور وتحول ثقافي عرفه التاريخ. واليوم، فنحن على أعتاب مرحلة جديدة من مراحل الذاكرة الاجتماعية.

إن ما اعتبره توفلر أعتاب «مرحلة جديدة» من الذاكرة الاجتماعية، كان منسجما مع المكون التنبؤي في مؤلفاته عن التغيرات المتسارعة التي عرفها عصر التكنولوجيا في بداياته. أما اليوم، فإن اختبار هذه الاحتمالية، صار واقعا، يمكن التدليل عليه بتحريك معيار التحقق التنبؤي، من خلال رصد علاماته السيميائية في عصر تقدمت فيه التحولات التكنولوجية إلى مستويات عالية. بحيث لم تعد الذاكرة مجرد أرشيف خارجي، بل أصبحت نظامًا رقميًا ذكيًا، قادرًا على التخزين اللامحدود، والاسترجاع الفوري، والتنظيم الآلي للمعطيات.

لقد تحولت الذاكرة إلى «ذاكرة شبكية» موزعة عبر الأجهزة  والمنصات الذكية، بحيث لم يعد الإنسان محتاجًا إلى التذكر بقدر حاجته إلى الوصول السريع إلى المعلومة. وهنا يتغير سؤال الإنسان لنفسه، من: «ماذا أتذكر؟» إلى: «كيف أصل إلى ما أحتاجه؟»، وهو ما يعكس انتقالًا حاسمًا من منطق «الحفظ» إلى منطق «الوصول».

وتتجلى هذه التحولات في اعتماد الإنسان على أدوات الاتصال والتواصل الذكية ومحركات البحث والتخزين السحابي الحافظ باستمرار ولو تغيرت أدوات الاتصال أو تعطلت، حيث أصبحت الذاكرة موزعة بين الإنسان والآلة بشكل مركب وليس أحاديا، وتُدار عبر أنظمة قادرة على التذكير والتنظيم والتصفية، بل وحتى اقتراح ما ينبغي تذكره. ولم يعد هذا التحول تقنيًا فقط، بل مسّ علاقة الإنسان بالزمن أيضا، إذ أصبح الماضي محفوظًا بشكل دائم وقابلًا للاسترجاع في أي لحظة، مما يقلص مساحة النسيان، ويجعل الذاكرة أكثر كثافة وتشعبا.

وتكشف هذه التحولات عن دلالات عميقة؛ إذ لم تعد الذاكرة ملكة داخلية خالصة فحسب، بل أصبحت وظيفة موزعة بين الإنسان والتقنية الذكية. كما يدل ذلك على الانتقال من ذاكرة قائمة على الجهد والتكرار، إلى ذاكرة قائمة على التخزين والوصول الفوري.

غير أن هذا التحول يطرح في الآن ذاته إشكالات جديدة، تتعلق بتراجع قدرة الذاكرة على الحفظ، وتزايد الاعتماد على الوسائط التقنية، فضلًا عن إعادة تعريف معنى النسيان في عالم يكاد لا ينسى. وفي هذا الإطار، يبرز السؤال المفهومي: هل علاقة الإنسان بالذاكرة كما تشكلت في العصر الزراعي والصناعي، القائمة على الاستبطان بالحفظ أو التوثيق المدون، هي نفسها في العصر الرقمي، أم أنها تعرضت لإعادة تشكيل عميقة لتصبح علاقة قائمة على التخزين الشبكي والوصول الفوري، مع ما يرافق ذلك من تحول في معنى 

«التذكر» و معنى «النسيان»؟

(…)

الخلاصة:- التحول في علاقة الإنسان بالذاكرة كأفق جديد للهوية:

١- التحرر من.. والارتهان إلى:

لم تعد الذاكرة تُفهم بوصفها خزانًا داخليًا للتجارب والمعاني، يُبنى عبر التراكم والتذكر، بل تحرر الوعي المعاصر من هذا التصور المرتبط بالاستبطان الذاتي والاستحضار الموثق. غير أن هذا التحرر أفضى إلى ارتهان جديد، حيث أصبحت الذاكرة مُسندة إلى وسائط خارجية: رقمية، أرشيفية، فورية. وهكذا انتقل الإنسان من تذكّر يعيشه في الداخل، إلى ذاكرة مُخزّنة في الخارج، تُستدعى عند الحاجة بدل أن تُستبطن كجزء من التجربة الحية قولا أو تدوينا.

٢- نظرية المفاهيم:تحوّل الدلالة شرط مواكبة التحول

مفهوم «الذاكرة المستجد»:

لم يعد «مفهوم الذاكرة» يحيل فقط إلى قدرة ذهنية فردية على استرجاع الماضي، بل أصبح بنية مركّبة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والتقنية والثقافية. فالذاكرة اليوم لم تعد ملكًا حصريًا للذات، بل تحوّلت إلى نظام هجين يجمع بين ما هو داخلي (ذهني-تجريبي) وما هو خارجي (رقمي- أرشيفي).

في السياق الرقمي، انتقلت الذاكرة من كونها نشاطًا انتقائيًا يقوم على التذكّر والنسيان، إلى منظومة تراكمية قائمة على الحفظ المستمر. فالصور، الفيديوهات، البيانات، وسجلات التفاعل اليومي تُخزَّن بشكل شبه دائم داخل وسائط رقمية، مما يجعل الذاكرة أقرب إلى «أرشيف مفتوح» بدل كونها تجربة ذاتية قابلة لإعادة التشكيل.

تقليديًا، كانت الذاكرة تُبنى عبر آليتين أساسيتين: الانتقاء: اختيار ما يستحق البقاء في الوعي- النسيان: محو ما لا يخدم تماسك الهوية.

أما اليوم، فقد تراجع دور النسيان لصالح التراكم غير القابل للمحو، حيث تحتفظ الوسائط الرقمية بكل شيء تقريبًا. وهذا التحول يغيّر طبيعة العلاقة مع الماضي: من ماضٍ يُعاد بناؤه، إلى ماضٍ محفوظ بكثافة يصعب إعادة استرجاعه بغاية تأويله.

ويمكن التمييز في المفهوم المعاصر للذاكرة بين مستويين متداخلين: –ذاكرة داخلية (تأويلية): وهي ذاكرة الذات، التي تعيد بناء الماضي وفق الحاجات النفسية والسياقات الراهنة، وتخضع لإعادة السرد والتخييل.

ذاكرة خارجية (أرشيفية): وهي الذاكرة الرقمية التي تحفظ الوقائع كما تم تسجيلها أو تمثيلها، دون خضوع مباشر لعملتي النسيان أو التذكر.

هذا التعايش بين النمطين يخلق توترًا دلاليًا: بين ما نتذكّره كما نعيشه، وما يُعرض علينا كما تم تسجيله.

نتيجة لهذا التحول، لم تعد وظيفة الذاكرة مقتصرة على حفظ الماضي، بل أصبحت:- وسيلة لإعادة عرض الحياة (إعادة التمثيل)- أداة لبناء الهوية الرقمية- فضاءً للصراع بين السرد الذاتي والتوثيق التقني.

وعليه، فإن الذاكرة لم تعد مجرد استعادة للماضي، بل أصبحت مجالًا ديناميًا تتقاطع فيه:- الذات والتقنية- السرد والتوثيق-النسيان والتراكم.

٣- الوعي بالمفهوم المستجد كشرط للقرار الناضج:

ينطوي هذا التحول على مخاطر دقيقة، أبرزها تآكل الذاكرة الحية لصالح الذاكرة الرقمية، مما يُضعف قدرة الإنسان على إعادة بناء المعنى من خلال التذكر. كما يؤدي فائض التوثيق إلى نوع من التجميد، حيث تُحبس التجارب داخل صور لا تتغير، بدل أن تُعاد صياغتها في ضوء الحاضر. ومن جهة أخرى، قد يتحول النسيان – بوصفه وظيفة إنسانية ضرورية- إلى عجز، في ظل حضور دائم للماضي. إن الخطر الأعمق يكمن في فقدان العلاقة التأويلية مع الذاكرة، لصالح علاقة استرجاع آلي.

إن استيعاب الطبيعة المركبة للذاكرة يمكّن الإنسان من إعادة التوازن بين ما يُحفظ وما يُعاش. فإدراك الفرق بين التوثيق الرقمي والتذكر، وبين الحفظ ومعنى المحفوظ، يساعد على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا في كيفية التعامل مع الماضي.

بهذا المعنى، لا يكون المطلوب التخلي عن أدوات الذاكرة الحديثة، بل إعادة توجيهها: من التكديس إلى الانتقاء، ومن الأرشفة إلى التأمل. وهكذا تستعيد الذاكرة وظيفتها الحيوية، لا كمجرد سجل للأحداث، بل ك «فضاء لإعادة بناء الذات»، تُصان فيه القدرة على النسيان كما تُحفظ فيه لحظات المعنى، في توازن يُبقي الهوية حيّة وقابلة للتجدد.

——

(1) المرجع : كتاب – حضارة ..الموجة الثالثة- ألفن توفلر- ترجمة عصام الشيخ قاسم – الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ( علي مولا ) – الطبعة الأولى – 1990-الصفحة 192

(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading