8 – «فعل الكتابة» وموضوعة التنافس.. محمد الجلايدي – القنيطرة – المغرب
إهداء:- إلى المرحوم الراحل المبدع والناقد والباحث الأكاديمي سي عبدالرحيم مودن!
(…)
من قصتي الأولى «الكومباطا حمان» إلى قصة «الطفرة» ثم قصة «درس في الحساب».. هو ذا رصيدي الذي كان وأنا في بداية المشوار! ومع ذلك، شاركت بالنص الثالث في مسابقة للقصة القصيرة نظمها اتحاد كتاب المغرب فرع القنيطرة!
(…)
وما لم أقله، لا قبل ولا بعد مساهمتي في هذه المسابقة، بقصة «درس في الحساب» يحضرني الآن بتفاصيله كما لو فكرت فيه قبل ساعة، وأنا في غمرة هذا الرقص على إيقاع الذاكرة.. ويتعلق الأمر برسالة مرموزة، كنت أود إرسالها لسي ادريس الصغير من دون الحاجة إلى قولها والتلفظ بها عبر كلمات اللغة.. شاركت في هذه المسابقة، لا بدافع الفوز بجائزتها.. فهذا لم يحضرني بالمرة لحظة اتخاذي القرار بالمشاركة.. بل كان الباعث أمراً آخر، له قصته التي تعود إلى علاقتي بسي ادريس وبالكتابة (الما) قبل قصصية:
(…)
أتصور الآن بوضوح قصتي القصيرة:- «درس في الحساب» التي تحتل مكانة في وجداني بشكل متميز! وتميزها لاعلاقة له بالجائزة التي حصلَتْ عليها، بل بشرط وجودها وسياقه!
(…)
كان سي ادريس من أعضاء لجنة التحكيم، ومن المشرفين على تنظيم هذه التظاهرة التنافسية، بمعية المرحوم عبد الرحيم مودن، وهو رفيقه في درب الإبداع القصصي إضافة إلى اشتغاله بالنقد المرتبط بهذا الفن! وله في البحث الأكاديمي:- «الشكل القصصي في فن القصة بالمغرب» (١) ومؤلَّف حمل منه هذا العنوان:-«معجم مصطلحات القصة المغربية» (٢) بالإضافة إلى أبحاث أخرى تتعلق بأدب الرحلات، وله إبداعاته القصصية.. ولرفيقي الدرب عمل مشترك في القصة القصيرة «اللعنة والكلمات الزرقاء».. وقد كان لي شرف حضور تقديم هذا العمل المشترك للقراء بدار الشباب التي حملت اسم «رحال المسكيني» فيما بعد..
(…)
أذكر لما نشر سي ادريس قصتي «الكومباطا حمان» قال لي:
-«تحمل مسؤوليتك..»
وبنص «درس في الحساب» والمشاركة به في هذه المسابقة، كنت أود أن أجيب سي ادريس بلا صوت: -«ها أنذا أخي وصديقي ومعلمي مستمر في تحمل مسؤوليتي..»
هو ذا الباعث بالضبط، الذي حفزني على خوض غمار هذه المنافسة! أما الفوز من عدمه فلم يكن واردا في تقديري ولا في مرماي!
(…)
لست أدري ِلمَ أميل إلى التواصل بلا لغة ومن دون أصوات! يبهرني من يلتقطني في أحوالي النفسية أو السلوكية من دون كلام! وأغبط نفسي لما ألتقط بحس مرهف تعبيرات من أرتبط بهم من دون أن يتكلموا! فأرى بقلبي حزنهم وأبادر إلى المشاركة.. أو أرى بقلبي فرحهم قبل أن يعبروا عنه فأتهيأ لمشاركتهم فرحهم! وهكذا على مستوى باقي المشاعر التفاعلية.. أُوسِّع من مساحة الصمت وأرفع من درجة حس السماع! لا أتكلم إلا قليلا! وكأنني أخشى على كلماتي أن تموت وأنا أتلفظ بها؟! لا أعرف لماذا هذا الطبع يتملكني، ولا أدعي ذلك! وكم تلقيت وأتلقى من الانتقادات ممن هم «أقرب»’مني علائقيا وفي الآن نفسه هم «أبعد» ما بعُدت السماء عن الأرض! ومع ذلك لم أُعِد تقويم شخصي، ولم أراجع النظر في هذا الطبع المبهم والمكتسب!
(…)
أُعلِنَت نتائج المسابقة على صفحات جرائد وطنية، وكانت قصتي «درس في الحساب» قد فازت بالجائزة الأولى. كما أعلَن المنظمون موعدًا للتتويج ودعوة عامة لعقد اجتماع توجهوا به لعشاق القصة من أبناء المدينة وأيضا للمتهمتين بالشأن الثقافي المحلي! ولحظة الاطلاع على الخبر، أتذكر بأنني كنت ممتلئا بمشاعر الفرح، كما كنت في صغري أفرح بلباس العيد!
(…)
أما الموضوعة التي تناولتها في هذا النص بقالب قصصي، فقد كانت مرتبطة بقضية الارتشاء. والبطل الذي تخيلته كان من حراس القانون النزهاء فتحول إلى الشطط السلطوي، لما اصطدم ببنية الاعوجاج بدل الاستقامة لدى رؤسائه.. فقرر أن يكون مثلهم!
(…)
حفل بهيج! كان فيه سي ادريس فرحا بنجاح التظاهرة وهي تخرج عن مألوف الأنشطة بالمدينة! وأقدر أيضا بأنه التقط بحسه المرهف رسالتي المبطنة التي وجهتها إليه! التقطتُ ذلك من بريق الفرح في عينيه مهنئا لي فوز قصتي..
لكن سي عبدالرحيم مودن، لم يُعبِّر لي لا عن فرح ولا عن إعجاب، بل كان له رأي آخر. وهو رأي يستند إلى مرجعية الرجل في حقل النقد. قال لي بالحرف ما لم أنسه أبدا:
-«قصتك فازت بإجماع لجنة التحكيم، وأنا واحد منهم، ولو أن هذا الميل إلى هذا النمط من الكتابة القصصية لا أحبده. لذلك لا أشجعك على الاستمرار في أجوائه.»
فهمت الرسالة جيدا. وأدركت على ضوء هذا الفهم بأنني مطالب بالاتجاه في الكتابة القصصية لا إلى إحكام البناء النصي فحسب، بل وأيضا أن أُحسِن اختيار الموضوعة القصصية التي لا تكرر الواقع فتكون مجرد انعكاس له!
لذلك اخترت بعد هذا التوجيه النقدي، أن أجرب التعاطي مع الموضوعات التي تندرج ضمن دائرة العمق النفسي للناس وعلاقاتهم مع بعضهم البعض ومع البيئة الاجتماعية في شرط وجودهم ووجودي بينهم..
وطبعا دون أن أهمل القصدية النصية، لأنني كنت أرفض الجمالية لأجل الجمالية.. وأعتبر غياب القصدية في مطلق النص تُفقِد النص شرط وجوده التواصلي! هذا الاعتبار كنت مهيئا له بحكم فهمي للإبداع على أنه رسالة كفاحية منخرطة في كفاح الناس من أجل سلم القيم الإنسانية النبيلة! وأعزو هذا الفهم إلى انفتاحي على المدرسة الاشتراكية ومفهومها للأدب والإبداع..
لكن، وإن اخترت «النفس البشرية» فعلي أيضا أن أبتعد عن «الانعكاسية»، التي اهتزت بالنقد الذي تعرض له المنهج الاجتماعي لهذه المدرسة..
(…)
وبما أنني لم أضع في حسابي وأنا أشارك في هذا التنافس الإبداعي أن أفوز بالجائزة، فلذلك لم يكن فرحي بها سجنا لي.. كما حصل مع مبدعين في تجارب غيرية! بل على العكس سرعان ما تحول الفرح الوقتي إلى مسؤولية جديدة في التعاطي مع «فعل الكتابة» على مستوى الإبداع القصصي..
(…)
أما الذي فزت به حقا فقد كان أمرا آخر! فرحت به لحظتها وبقيت الفرحة تلك مشتعلة إلى اليوم! ومتى برد وهجها تشتعل مجددا عندما يحل ما يدعو إلى وهجها أو ما يدعوني إلى استحضارها:
(…)
أول الغيث قطرة..
وأول الارتباط لقاءُ نظرة! فابتسامة! تلتهما تحية، وتلت التحية تعارف، تفتقت على إثره فكرة:- أن نلتقي من بَعدُ مرة تلو المرة. لم تكن الفكرة بدافع مجاملة اقتضتها لحظة تواجدنا معا وسط هذا الحشد من عشاق القصة القصيرة بمناسبة المسابقة تلك.. بل كانت بدافع رغبة صادقة في الارتباط العلائقي النظيف حول الانشغال المشترك بهذا الفن الإبداعي. ذلك ما التقطه عقلي من وجداني ونحن نتصافح لأول مرة!
(…)
فبعض الناس، يحصل لك معهم توازن حراري غريب عند أول لقاء، فيتحول بك هذا التوازن إلى مسار علائقي ينطلق ثم يتنامى! ينفتح لهم وجدانك بلا رادع من عقلك! فيلجون إلى القلب توّاً، ويتخذون مسكنهم به! وآخرون يرفضهم قلبك رفضا قاطعا وحاسما عند أول لقاء، ولا يتحول اللقاء معهم إلى مسار علاقة ، لأن باب وجدانك انغلق في وجههم! ومثل هذه اللقاءات التي لا تتحول لتنمو هي تلك التي تحصل لك مرة لتنتهي بالمرة.
(…)
هكذا هي علاقتي بأول لقاء بالناس الذين لا أعرفهم من قبل. إذا انفتح وجداني لهم فذاك، وإذا لم ينفتح فتمة ما دفع وجداني إلى الانغلاق. وفي هذه الحالة لا أسمح لعقلي أن يجادل وجداني أو يحاججه في هذا الصد.
(…)
و سي المصطفى كليتي، من الناس الذين- عند أول مصافحة- وجدته في موطن القلب قبل أن نتبادل الكلمات الأولى! كان حاضرا في هذا اللقاء الذي جمع عشاق القصة من أبناء المدينة وهو أيضا من عشاقها قراءة وإبداعا!
(…)
فعند نهاية فقرات اللقاء، قال لي سي المصطفى بعد أن هنأني على فوز قصتي و قدم لي نفسه:
-«يجب أن نلتقي..»
أجبته:
-«سنلتقي..»
(…)
«صدفة أتاحت لقاءنا فالتقينا» (٣) تواعدنا على اللقاء ولم نخلف الوعد والموعد! فصرنا لبعضنا سندا ومشورة ودعما متبادلا وتغذية راجعة.. ولم يكن من همٍّ يشغل بالنا سوى تطوير «فعل الكتابة» بما يعززه من أسباب التنامي!
(…)
————
(١)الشكل القصصي في فن القصة بالغرب» في جزأين- عبدالرحيم مودن- منشورات دار عكاظ.
(٢) «معجم مصطلحات القصة المغربية»- عبدالرحيم مودن- الطبعة الأولى سنة 1993، والطبعة الثانية سنة 2000- منشورات دراسات سال.
(٣) الجملة من أغنية «هذه ليلتي» لأم كلثوم.






