مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

6- الكتابة وسلطة المعرفة.. محمد الجلايدي – القنيطرة – المغرب 

5E0377D6 E4EB 11EC 811C 0EEA65513999

إهداء:- إلى روح «الكومباطا القرشي» الذي تحول في المخيلة إلى «الكومباطا حمان» مع أول نص كتبته!
(…)
ما كنت أعرفه عن «فعل الكتابة» أنها مجرد مهارة لغوية. ولم أكن أدرك مطلقا بأن هذا التعريف سطحي 

إلى درجة السذاجة، لأن ما يتجاوز سطحه هو أعمق بكثير من ذلك!

ف «فعل الكتابة» بالإضافة إلى أنها اشتغال سلوكي عملي، هي أيضا حالة وجدانية. هذه الحالة الوجدانية، تكون أثقل على النفس بما يرافقها من توترات تضاهي في الأغلب الأعم مخاض الولادة!! أخالها كبركان حارق بأسئلته وهو يتحرك في الدواخل بحثا عن مخارج لحِمَمِه الملتهبة! و«الذات الكاتبة» لا تبرد وتسترجع 

توازنها النفسي، إلا بعد التحرر من حرقات الأسئلة تلك لما تُطرَح خارجا في شكل مولود نصي!!

هذه الحالة تبدأ عادة بفكرة جنينية تتفتق في الدماغ، ثم سرعان ما تتحول إلى أسئلة تتعلق بالمولود النصي الذي سيأتي. وهي أسئلة من هذا النوع على سبيل المثال لا الحصر:- كيف يجب أن يكون شكل هذا المولود النصي؟ وكيف ستكون بنيته؟ وما هي المقومات التي يجب منحها له، كي يقوى على السفر بعيدا لملاقاة الناس؟ وما هي القصدية التي سيحملها لهم؟ وهل سيقنعهم بها وهي مندمجة في هويته، كالصفة الجوهرية التي إذا بهتت تشوهت هويتُه؟ أو إذا غابت انتفت هويتُه وانتفى معها شرط الوجود التواصلي للمولود النصي؟
(…)
فعندما تكتُب نصا قصيرا كان أم طويلا، أو تكتُب كتابا- مثلا- تترك جانبا ما عشتَه من لحظات المخاض والتعب التي واكبتك عندما كنتَ في غمرة الاشتغال.. تحتفظ بذلك لنفسك، مادام هذا التعب وهذا المخاض قد أسفر عن جهدٍ تبلور في مولود تعتز به! سواء أكان المولود ينتمي بك إلى حقل صناعة الأفكار، أم إلى حقل الإبداع الفني، أم ينتمي بك إلى حقل الاشتغال النقدي! وكم هو أروع أحيانا عندما تتحدث عن عملك الكتابي، ومسار تبلوره وما واكبه قبل أن يولد منك ويتجه نحو المتلقي لما اكتمل! فلربما يكون حديثك أكثر إثارة للمتلقي من عملك الإبداعي ذاته!
(…)
أذكر بأنني كتبت نصا مكتملا، عن شخصية من أقاربي، شارك في الحرب العالمية الثانية، ضمن الجيش الفرنسي في مواجهة ألمانيا النازية.. حالفه الحظ في النجاة من الموت والعودة إلى البلد من دون إصابة أو إعاقة.. عاد وفي رصيد مشاركته مكافأة شهرية زهيدة مقابل الخدمة.. عاش ما تبقى من عمره ب «الطول والعرض» كما يقال.. لا يحرم نفسه من الإقدام على أي فعل يبهجها.. يمارس كل ما يلتذ به، ولا يهمه لوم فردٍ ولا يكترث لنهي جماعة! وكأنه يعيش احتفاليةً مستمرةً على مدى ما قُدِّر له للبقاء على قيد الحياة!! هذا الأسلوب الحياتي الذي ميزه عن كل أقربائي، هو ما شدني إليه إعجابا وأنا طفل وقتها.. أحببته لأنه كذلك، ولأنه أهل لذاك.. لكن لما رحل إلى العالم الآخر، ترك في كياني الصغير حزنا من طينة الأحزان التي لا تنسى، ومن النوع الذي لا أقبل مشاركته مع أحد.. حزن يبقى في مكان ما مخزنا في الذاكرة، إلى أن يحصل ما يدعوه إلى الحضور مجددا ضمن سياق ما، ليغمر الدواخل للحظات، قبل أن يغادر عائدا إلى مكانه المحفوظ فيه!
(…)
كبر طيف هذا الرجل معي رغم رحيله، بتكرار حضوره. ولم أتحرر منه حبا وحزنا، إلا عندما ترجمت مشاعري تلك كتابة.. ولم يكن ذلك ممكنا أيضا، إلا عندما ابتليت ب «لعنة الكتابة»! فصب الحزن على الورق يحرر النفس من ثقل السواد الذي يغمرها ويسيطر عليها!
(…)
كانت محاولاتي الأولى في مشوار هذه «اللعنة» الجميلة، لا تخرج في شكلها البنائي عن «الخاطرة».. أنجح في بعضها لما أحس بالرضى عنها، وأفشل في الكثير منها لما أحس بعدم الرضى، فأبعدها لأبتعد عنها.. والنص الذي كتبته عن هذا الرجل، خرج مسبوكا نحويا ومحبوكا دلاليا، من أول لفظ إلى آخر كلمة تلتها نقط حذف ختامية! أذكر بأنني احتفظت بالنص في دفاتر خربشاتي مدة طويلة بمكان آمن ضمن حمّالة كتبي..

(…)
وهذا الفهم ل «فعل الكتابة» لم يتبلور في فهمي وتمثلي عبر «فعل القراءة» الذي حملني على الاحتكاك بالإنتاج النصي لمفكرين كثر ومبدعين في العديد من المجالات الفنية. بل الذي بلوره على هذا النحو هو تجربة الكتابة مع هذا النص الأول الذي خربشته واقتنعت به واحتفظت به!
(…)
لكن لما ولدته، بدل أن أسترد توازني النفسي وأبرد من حرقات الأسئلة قبل الولادة، دوخني سبع دوخات أخرى وأنا أقرأه وأعيد ذلك عشرات المرات، كلما تذكرته وأخرجته من حمّالة كتبي!! والدوخات تلك كانت ناجمة عن الأسئلة التي فجرها هذا النص في دماغي:- بماذا أسميه والاسم عتبته الموحية؟! وإن اخترت الاسم، فهل سيناسب جنسه؟! بل ما هو جنسه أصلا؟! وما نوعه ضمن جنسه بدءا؟! وهل مقوماته النصية تفصح عن هويته كلا وأجزاء؟! وهل في هويته قصدية ما؟! وهل القصدية فيه إن وجدت تستحق أن تكون رسالة؟ وهكذا!!
(…)
ولكي أختصر المساحة الزمنية لهذه الدوخات، وأحسم في التيهان الذي أوجدتني في غمرته، حملت النص للاستشارة عن نوعه:- هل هو خاطرة؟ أم قصة؟ وقصدت سي ادريس الصغير أديبنا وواحد من رواد الكتابة القصصية والروائية في بلدنا وفي مدينتنا. (وقد أشرت إلى هذه الاستشارة معه بخصوص هذا النص في المحور الأول من هذا الرقص على إيقاع الذاكرة، عندما تحدثت عن الكتابة والناس). وما لم أذكره هناك أضيفه هنا:
قال سي ادريس:
-«هذا النص قصة يجب أن تنشر.»
وبقوله هذا حسمت الدوخات السبع في دماغي!
لكن بعد أن نشر سي ادريس النص، هرولت إليه لأشكره.. لم يهتم بشكري له، لأنه كان يصوب نحو أمر مغاير! لذلك سألني ليستدرجني في ورطة جميلة، وبحس المبدع الذي يلتقط وقع الندى على الورد:
-«هل يوجد كاتب في العالم له نص واحد في مساره الإبداعي؟»
أجبته:
-«لا»
قال ثم غادر دون يلتفت إلي:
-«إذن، عليك أن تتحمل مسؤوليتك.»
(…)
فتحولت الدوخات السبع السابقة، إلى دوخات أخرى مضاعفة، لكنها كانت مؤرقة وموجعة في آن واحد!! من خلال أسئلة جديدة، تتعلق هذه المرة بمهمة التدريس لا ب «فعل الكتابة»..
-«فأن أجهل تصنيف نص أنا كاتبه أمر غير مقبول! لكنه يحصل! وإن حصل، فما خاب من استشار!»
هكذا فكرت في هذه النازلة التي حملتني إليها «لعنة الكتابة»!

لكن وأنا أستحضر مهمتي في التدريس، قلبت النازلة إلى وجع في الدماغ! فقلت أحدث نفسي بلا صوت:
-«صحيح أننا نتخذ قراراتنا في الحياة بناء على ما نعلم من معارف. لكن كم هو صعب أن ندرك بالصدفة أننا نجهل ما علينا العلم به وهو في متناول أيدينا ويتسكع حولنا ونحن غير عابئين به، ولا بمنافعه التي تنضج قراراتنا وتجعلها أكثر حكمة!!»
(…)
أذكر بأنني لم أنم ليلة الاستشارة مع سي ادريس نومة هادئة! وسيل من الأسئلة يهاجمني ويحاصرني من كل حدَب وصوْب:
(…)
-«كيف أُدرِّس تحليل النص الأدبي لتلامذتي وأنا أجهل خصائصه البنائية التي تميزه وتضعه ضمن خانة نوعه كإبداع؟! -وهل يليق بمدرس أن يصقل مهارة تلامذته التحليلية للنص الأدبي وهو يفتقد لهذه المهارة؟! وهل هذا المدرس الفاقد لهذا التأصيل المعرفي جدير بالائتمان على تلامذته؟!»
(…)
أدرك جيدا بأنني لم آت إلى حقل التدريس بالإعدادي بعد تكوين مركز التأهيل الخاص بهذه الفئة من المدرسين. وأدرك أيضا بأن مركز تكوين المعلمين الذي قضيت فيه سنة، لا يهم بتأهيله ولا صلة لذلك بشأن مهمة التدريس بالإعدادي. فذاك عالم تربوي خاص بفئة عمرية لها منهاج خاص وبرامج ووسائل ملائمة لذلك. وهذا عالم تربوي مغاير على كل هذه المستويات. كما أن الفلسفة، التي حولتني من معلم إلى أستاذ، وإن أسعفتني، فلها حدود أمام تدريس اللغة وقواعدها وتحليل النصوص ومستلزماتها!!
(…)
-«فكيف إذن، سأصنع لنفسي مركزا تربويا ومعرفيا أمارس فيه إعادة تكويني الذاتي، كي أطبق شعاري الذي اقتنعت به وأنا أواجه المشكلات التي اعترضتني أمام مهمة تدريس قواعد اللغة لتلامذتي، وهو شعار صغته في شكل معادلة على النحو التالي:- “علي أن أتعلم أكثر لأعلم أفضل” و “علي أن أعلم تلامذتي وأتعلم معهم”؟!»
(…)
إذا كان السؤال «مشنقة» على حد تعبير حنا مينة، فإن هذا السؤال الذي تبلور في دماغي يحمل هذه الصفة بالتحديد! إذ وبمجرد أن تبلور على النحو الذي صغته به، تناسل إلى تعددية استفهامية، فانتصبت أمامي «مشانق» أخرى! كبر الجهد في تصوري وعظم معه ثقل المسؤولية الذي أضطلع بها تجاه تلامذتي!! فاستنجدت بقول غرامشي عن «تفاؤل الإرادة» الذي يقود إلى إضعاف «تشاؤم العقل»! ثم بسطت أسئلتي أمامي على الورق، لأفكر في الكيفية التي بها سأهتدي إلى إجابات، كي لا تستمر أسئلتي منتصبة أمامي ك «المشانق»:
(…)
-ماهي الفنون التعبيرية التي أبدعتها البشرية؟
-ماهي مادة كل فن من هذه الفنون؟
-وماهي أدوات كل فن؟
•ومن الفنون التعبيرية كافة، إلى الأدب خاصة:
-ماهي مادته؟
-وماهي أدواته؟
-وماهي مكوناته؟
-وماهي المعايير التي تميز كل مكون؟
•ومن مكونات الفن الأدبي عامة، إلى الأدب العربي كظاهرة فرعية ضمن المسيرة الأدبية الإبداعية العالمية:
-ماهي خصائص هذا الأدب على مستوى تاريخه التراكمي والنقدي؟
(…)
ومن سؤال الفن مفهوما وحقولا، إلى سؤال الأدب مفهوما وحقولا، ومنهما إلى سؤال الخصوصية المرتبطة بالأدب العربي تأريخا ونقدا، أمسكت ببوصلة الاشتغال، ولم يعد يفصل بيني والبدء إلا ترسانة المراجع!
(…)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading