مقالات فكرية

رقص على إيقاع الذاكرة:-1- الكتابة والحياة.. محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

783b804edae1c89f7e7b840864cc6b16 1

«لكل امرىء من دهره ما تعَوَّدَ»! هذا شطر أول من صدر قصيدة مدحية للمتنبي يستجدي فيها عطايا ممدوحه، والممدوح المقصود بخطاب النص، يمتلك سيف السلطة والمال.. وهو الشطر الوحيد الذي صدّقتُ محموله المضموني من هذا الشاعر! لأنه يترجم بالفعل الحال الذي عليه الناس في هذه الحياة! أما باقي شعره، فهو ساحر ُالنظم -نعم-لكنه يفتقد إلى صدق الكتابة الإبداعية التي تعلو ولا يعلى عليها! لذلك اعتبرت المتنبي «أكبر كذاب» من الشعراء، و«أعظم متسول» في العالم! -تماما كما وصفه عبد الله الغدامي في كتابه «النقد الثقافي» الذي أختلف معه في الكثير من مدارات مقارباته النقدية..
(…)
أصدُقُ المتني في هذا القول التنظيري، لأنه يعكس حقيقية (كل امرىء منا)! وعادات كل منا في زمننا وبيئتنا، تُفصح بالقصد منا أو من دونه، عن أسلوبنا الحياتي الذي يميزنا ونتميز به.. فلكل منا أسلوبه الحياتي الخاص.. وكل منا يختاره بشكل إرادي وحر، أمام فيضٍ من أساليب الحياة التي تضج بها البيئة التي تحتوينا.. وباختيارنا لأسلوبنا في الحياة، نعمل على تشكُّله فنتشكّل به! فتصير ذواتنا جوهراً وأسلوبنا الحياتي ماهيةً له.. 
(…)
بناء عليه، فأسلوب الحياة الذي يتبناه كل منا، هو في العمق والحصيلة كما تمثلتهما ذهنيا:-«تعبير عن الذات» كحاجة نفسية ضرورية للعيش بين الناس في هذه الحياة.. و«التعبير عن الذات» لا يخرج عن زاوية الرؤية التي تمدنا بفهم ما للحياة. هذا الفهم يرتقي بنا إلى بلورة قاعدة تؤطّر سلوكنا داخل بيئتنا، لنتخذ على هديها جملة من القرارات في حياتنا، تعلق الأمر بالقرارات الحياتية المغرقة في الجزئي، أو تلك التي ترتقي إلى مستوى القرارات الكبرى.. وكأن كل واحد منا يجيب على أسئلة، سواء أَطَرحها أم لم تخطر على باله، مثل:-«من أنا؟ وماذا أريد في هذه الحياة خلال دورتها وأشواطها ومراحلها، قبل أن تنغلق؟ وكيف أحقق هذا الذي أريد؟ وما الطرق التي تمنحني إمكانية التعبير عن أناي؟ وكيف لي من خلال كل هذا أن أكون راضيا عن نفسي قابلا لتصوري لها؟
(…)
لكن أسلوب الحياة للتعبير عن الذات، لا يعني بالضرورة أننا سنرتبط به بشكل نهائي، كما لو كان سجنا نحن فيه سجناء وحرّاس السجن.. بل بالعكس، فاختيارنا قد نلغيه ونعمل على استبداله، إن توقف الشعور بالرضى عن الذات في غمرته.. فنضطر للبحث عن الرضى في غيره من الأساليب الحياتية الأخرى.. وعند التغيير والانتقال من أسلوب حياتي إلى آخر غيره، يحضر سؤال الحالة النفسية المواكبة للتحول:- هل يكون الانتقال هادئا فيتم بيُسر وسلاسة؟ أم يتم بهزات نفسية موجعة؟
(…)
عن ذلك، يفيدنا «ألفن توفلر» بهذه القراءة للانتقال من أسلوب حياتي إلى آخر بما مضمونه:-«إننا نشعر بالقلق والتوتر والوحدة حتى نكتسب أسلوبا جديدا للحياة. وفي لحظة الانتقال من أسلوب إلى آخر نعيش حالةً من «فقد الانتماء». أما إذا تضاعف الانتقال بين أساليب الحياة، فإن المرء يتحول إلى حالة محترقة..» 
(…)
أصدُقُه القول هو أيضا، لكن بالتجربة! فأنا أيضا تنقلت من أسلوب إلى آخر، وعدت للأول بعد الابتعاد عن الثاني، لأعود إليه مجددا، ولأغادره مجددا.. وفي لحظة كل تحول وانتقال، روحةً وجيئةً، كنت أعاني لا من «فقد الانتماء» فقط، بل بفقد «الجدوى الحياتي» والامتلاء ب «الخواء الداخلي»! إنه انتقال موجع مع آلام لم تكن لي قدرة على تحملها، إلا بشحنة الصمود التي أتتني من رواية «عالم بلا خرائط» -وهي عمل مشترك للروائيين عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا- على لسان البطل (علاء) حين تلفظ بهذه الشذرة التنظيرية عن الألم والحياة: -(الألم أقوى محرك للإنسان.. وما الحزن إلا لوعة يفرضها المرء على نفسه، ولا يجني سوى الهباء..)!
(…)
أسوق هذا الكلام كتوطئة لصياغة فهمي وتمثلي للأساليب الحياتية، وغايتي من ذلك: -أن أنتقل من الفهم العام كما ورد مني، إلى تخصيصه لأواجه بمحموله المضموني، نفسي لا غيري. والمواجهة التي أتوخاها، أن أتجرأ على نفسي في بحر صفحات بيضاء، بسؤالين:- الأول يتعلق ب «سؤال الكتابة» في فهمي وتمثلي، والثاني عن «عشق الكتابة» كأسلوب حياة، اخترته عن طواعية وبوعي في القرار وبه في الاختيار. بعد أن خضت في حقل السياسة زمنا، ورحلت عن حقلها زمنا، ثم عدت إليها، ومن بعد رحلت عنها إلى غير رجعة ولست آسفا ولا نادما!
(…)
والبون شاسع بين السؤالين على مستوى الغوص من أجلهما للحصول على إجابات، أو على الأقل لملامسة مشروع إجابات! ف«سؤال الكتابة» إبحار في مداراتها، بما يواجهنا في خضمها من تلاطم موجي.. أما سؤال «عشق الكتابة» واعتمادها أسلوبَ حياةٍ، فإن الإجابات عنه توجد في خضم النفس وعلاقاتها المتشعبة والمعقدة مع البيئة مكانا ومعها زمانا وبها تفاعلا مع الناس! وبما أن سؤال «عشق الكتابة» يتجاوز «الكتابة» كأقوال وأفعال إلى اعتمادها كأسلوب حياة، فإنها تُمدُّ «الذات الكاتبة» بقناة تواصلها مع البيئة والناس والعالم، وفق رؤية تُشَكّل قاعدة لتوجيه سلوك هذه الذات تفاعلا. وقناة التواصل هذه، بالقدر الذي تتوخى أثرا في الناس، تنعكس آثارها على الذات أيضا. فتنقلها من حال إلى حال تطورا وارتقاء، أو تراجعا وتقهقرا وتخلفا!
(…)
-فالحياة جديرة بأن تعاش، من أجل قضية نبيلة يناضل المرء من أجلها! على حد تعبير حنا مينة في كتابة «هواجس في التجربة الإبداعية».. ليضيف لي عبد الرحمان منيف بُعداً آخر لهذا المعنى، بقولِ ما مضمونه في روايته «الآن هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى»:- ما أروع أن يقضي المرء يومه في الكفاح من أجل قضية نبيلة يؤمن بها، ويعود في المساء ليجد دفءَ بيتِه يحضنُه، وينام في كنفه نومة المرتاحُ ضميرُه.. وفي الصبح يستيقظ بألق المزاج، وقد ازداد عزمه إصرارًا على مواصلة المسير للقضية ومن أجلها!! 

•وهل في الحياة ما هو أجمل من قضية «الكتابة» كانتماء ومسؤولية والتزام؟! أوليست هي عنوان كل القضايا الإنسانية النبيلة، وهي المحرك لنصرتها بدءا وختاما؟! لذلك، فمع «عشق الكتابة» ومداراتها، أستطيع أن أقول لنفسي بالهمس أولا، ثم أنقل همسي كتابةً إلى الناس:
•ما أروع أيام حياتي التي قضيتها في أجواء الحبر المختَطِّ سواداً على بياض، وأنا أجوب خضم «الكتابة» بحثا عن أجوبة ل «سؤال الكتابة»!!
•وكم هو رائع ذلك اليوم من أيام حياتي، الذي اخترت فيه عن طواعية «عشق الكتابة» أسلوبا لحياتي!!
•وما أحلاها رفقة مع صنّاع الأفكار، ومع النقاد والأدباء، ومع صنّاع الفن!! هؤلاء هم الذين علموني كيف أكون إنسانا، وكيف أترجم إنسيتي بحكمة واحترام للناس وأنا بينهم!! فهؤلاء الذين علموني هم أبطالي الرمزيون، وهم زعمائي الحقيقيون، الذين اختاروا الوصول- لي ولغيري على حد سواء- عبر واقع مرجعي نصي، فكري، فني، إبداعي.. وفوق هذا وذاك، من دون اللقاء بهم وسط ضجيج الواقع المرجعي الحي في الأغلب الأعم من الأحوال التواصلية!! فأنعِم بها وأكرِم من رفقة، يكون جمالها في ذاتها ملوَّناً بسخاء الأرض وجود السماء وكرم الخصب والعطاء!!
(…) 
يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading