مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»: فكر أم إيديولوجيا؟محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

رجل يقف مبتسمًا أمام خلفية طبيعية مع الأشجار والخشب.

عرفت فلسفة التاريخ ، في سياق تطور الفكر الغربي، ذروتها المفهومية مع مشاريع شمولية حاولت فهم التاريخ البشري بوصفه صيرورة عقلانية تحمل في بنيتها اتجاهاً غائيًا نحو الحرية أو التقدم. وقد تبلورت هذه الرؤية بقوة في كتابات هيغل وماركس وكانط.. حيث جرى تصور التاريخ باعتباره نظامًا كليًا منتظمًا، تحكمه قوانين عقلانية وتتخلله بنية غائية نهائية.

غير أن هذه المشاريع فقدت بريقها خلال القرن العشرين، بفعل سلسلة من الانهيارات العنيفة، تجسدت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، صعود الأنظمة التوتاليتارية، معسكرات الإبادة، الأزمات الاقتصادية، وانهيار الوعود الكبرى.. لقد بدا، كما يشير فوكوياما نفسه، أن التاريخ لم يعد يحمل معنى شاملًا، وأن فكرة التقدم ذاتها صارت محل شك عميق.

في هذا السياق من فقدان الثقة، جاء مشروع «اجتهاد» فوكوياما ليراهن على التفكير في معنى التاريخ من منظوره، لا كعودة إلى الفلسفات الشمولية القديمة، بل كمحاولة ل «تجديدها» على أسس مختلفة. وقد اقترح في سبيل ذلك أواليتين تفسيريتين مركزيتين لاسترجاع الثقة في فلسفة التاريخ:

أولًا:-«أوالية الفيزياء الحديثة»، حيث استعار من منطق الفيزياء الكوانتية تصورًا للتاريخ كزمن خطي يتجه إلى الأمام بفعل التراكم واللاتراجع.

ثانيًا:-«أوالية الرغبة الإنسانية في الاعتراف»، التي استعادها من هيغل وكوجيف، بوصفها «المحرك الأنثروبولوجي» للصراع التاريخي بين الذوات الساعية إلى الاعتراف المتبادل.

هاتان الأواليتان سيعتمدهما فوكوياما ليقترح إعادة تقييمه لفلسفة التاريخ، بطريقة تُعيد الاعتبار للفاعلية البشرية، ولمعقولية المسار التاريخي، دون الوقوع في الحتمية الماركسية، أو العبثية النيتشوية.

-فكيف سيحدد فوكوياما أوالية الفزياء الحديثة في علاقتها بالتاريخ الشمولي للبشرية؟ -وكيف سيحدد أوالية الرغبة في علاقتها بالإنسان التاريخي والإنسان ماقبل تاريخي؟

١- مفهوم «أوالية الفزياء الحديثة»:

يطرح فوكوياما السؤال:- لماذا نحتاج لإن نذكر مجدداً في إمكانية التعاطي مع موضوع «التاريخ الشامل»؟ ثم ينطلق في بلورة الإجابة عليه بشرح منطق الفزياء الحديثة كأوالية (أي كأداة تفسيرية وإطار مفهومي للتحليل) في علاقتها بمنطق التاريخ الشامل. فالفيزياء كأوالية (تفسيرية وإطار مرجعي للتحليل) توضح اتجاه تماسك التاريخ. وهي نقطة ارتكاز ممتازة لأنها:

-النشاط الاجتماعي الوحيد الذي يتوافق عليه الجميع على أنه «تراكمي» و «موجه». فالغزو التدريجي للطبيعة قد أصبح ممكناً بفضل تطور المنهج العلمي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وهو ما دفع إلى النجاح في استخلاص بعض القواعد الدقيقة التي تحددها قوانين الطبيعة.

-لذلك فأثر الفزياء الحديثة متناسق على جميع المجتمعات التي عرفت أنشطتها استقطاب الحاجة إلى التفوق العسكري باعتماد التحديث الدفاعي.

-كما أن العلوم الحديثة توحد إمكانية الإنتاج الاقتصادي. فالتكنولوجيا تسمح وتتيح مراكمة الثروات بلا حدود أمام الرغبات التي تتسع على الدوام.

-إن الفزياء الحديثة والعلوم كلاهما يضمن تماثل التجنيس المتكامل لكل المجتمعات البشرية رغم تنوع الأصول والمقتنيات الثقافية.

-فكل البلدان التي تتجه نحو تحديث اقتصادها تتشابه شيئاً فشيئاً، فتجد نفسها تتوحد في اتباع قواعد مركزية:- تنظيم بناء المدن- إبعاد العشيرة، الطائفة والقبيلة..- اعتماد التثقيف- الانخراط في أسواق عالمية بما يبلور ثقافة استهلاكية شمولية.

لذلك، فمنطق العلوم الفزيائية عينه قد يبدو أنه يفرض تطوراً عاماً باتجاه الرأسمالية. كيف؟ لنسلم بالمعرفة كمفتاح لاتجاه التاريخ، خاصة معرفة العالم الطبيعي عبر العلم. وباستعراض مجمل الاكتشافات الإنسانية في هذا المجال، يحضر علم الفزياء الحديث.-«فالفهم العلمي للطبيعة ليس دورياً ولا صدفوياً، لأن الإنسانية لا تعود دورياً إلى حالة الجهل البدائية.. ونتائج علم الفزياء الحديث لا تخضع لنزوات الإنسان وحدها.. لقد تراكمت المعرفة العلمية خلال زمن طويل جداً وكان لها تأثير على تكوين الطابع الأساسي للمجتمعات الإنسانية، وحتى وإن لم نتبين ذلك دائماً.» (١) هذا بالإضافة إلى ما أحدثه علم الفزياء الحديث المتقدم، من تغير نوعي في العلاقة بين المعرفة العلمية والصيرورة التاريخية.-«فعلم الفزياء يمنح تفوقاً عسكرياً حاسماً للمجتمعات التي تستطيع تطوير و إنتاج تكنولوجيتها (العسكرية) بالطريقة الأكثر فعالية.. (وهذا الامتلاك) كان السبب الذي مكن أوروبا من غزو القسم الأكبر مما يشكل حالياً العالم الثالث، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وانتشار هذا العلم نفسه انطلاقاً من أوروبا سمح للعالم الثالث باستعادة شيء من سيادته في القرن العشرين.» (٢)

لذلك- يقول فوكوياما- اخترنا الفزياء الحديثة «كأوالية» محتملة لتشمل تغيرات التوجيه للتاريخ، لأنها النشاط الاجتماعي الوحيد المنتشر على نطاق واسع والمعترف به بشكل شمولي على أنه تراكمي، إذن فهو موجه. إن التطور التدريجي لعلم الفزياء الحديث يمكن من فهم تفاصيل كثيرة خاصة بالتطور التاريخي. -فلماذا (مثلا) تنقّل الناس بواسطة الحصان والقطار قبل استخدام السيارة والطائرة؟- أو لماذا تبدو المجتمعات الحالية أكثر تجمعاً في المدن من المجتمعات القديمة؟- أو لماذا حلت الأحزاب السياسية والنقابات والدولة- الأمة محل العشيرة أو القبيلة كمحور أساسي لولاء الجماعة في المجتمعات الصناعية؟

ويستدرك فوكوياما، بأداة الاستدراك (لكن) فيقول:- إذا كانت الفزياء الحديثة تستطيع تفسير بعض الظواهر مباشرة، فهناك ظواهر أخرى- بدءاً بشكل الحكم المختار من قبل مجتمع معين- لا تستطيع تفسيرها إلا بصعوبة كبرى. فضلا عن ذلك، حتى ولو اعتُبِرت «كضابط» معياري محتمل لتغيرات اتجاه التاريخ، فإن ذلك لا يُمكِّن من النظر إليها على أنها السبب الأهم لهذا التغيير. لأننا سوف نتساءل:- لماذا يكون السبب هو الفزياء الحديثة؟ إن المنطق الداخلي للعلم يستطيع أن يفسر لماذا تتطور المعرفة العلمية على هذا النحو الذي تتطور عليه، ولكن العلم ذاته لا يقول لنا :- لماذا يطلب الناس العلم والفيزياء الحديثة؟ -«فالعلم باعتباره ظاهرة اجتماعية لا يتطور فقط لأن الناس فضوليون لمعرفة الكون، بل لأن العلم يمكنهم من إشباع رغباتهم في الأمن وفي الاكتساب اللامحدود للسلع المادية. فالشركات الحديثة لا تُعنى بفِرَق البحث والتطوير حباً بالمعرفة المجردة، وإنما لكسب المال.» (٣)

والسؤال الاحتمالي الذي يجب استحضاره يتجاوز المنطق التراكمي الموجه للمجتمعات في العالم، إلى:- «هل يمكن للمنهج العلمي أن يتوقف عن السيطرة على حياتنا، وهل من الممكن للمجتمعات الصناعية أن تعود إلى دول ما قبل الحديثة وما قبل العلمية؟ وبالاختصار، هل اتجاه التاريخ قابل للارتداد؟» (٤)

هنا يطرح فوكوياما إجابته على السؤال في الفصل السابع من مقاربته، تحت عنوان مثير على مستوى القناعة الحاسمة:-«ليس البرابرة على أبوابنا» (٥) فيقول:-« لنأخذ المسألة التالية: هل يمكن للإنسانية بمجملها أن تعكس اتجاه التاريخ برفض أو فقدان الطريقة العلمية؟ هذه المشكلة يمكن أن تتفرع إلى قسمين: أولا، هل يمكن للعلم الحديث أن يُرفَض من قبل المجتمعات القائمة بشكل مقصود؟ ثانياً، هل يمكن لكارثة عالمية أن تفضي إلى خسارة علم الفزياء الحديث بشكل إرادي؟» (٦)

يجيب على السؤال بأن الرفض للتكنولوجيا وللمجتمع العقلاني قد حصل من قبل عدد معين من الجماعات المنظمة في العصور الحديثة. ويستعرض منها:- جماعة الرومانسيين في أوائل القرن التاسع عشر. ثم يضيف إليهم الأصوليين الإسلاميين الحاليين مروراً بالحركة الهيبية. وحالياً فإن الحركة المعارضة الأكثر تنظيماً ضد الحضارة التقنية تأتي من أوساط حماة البيئة (الأيديولوجيين). فالأيكولوجيا المعاصرة تحتوي على تيارات وجماعات مختلفة، ولكن الأكثر جدية منها هي تلك التي تهاجم المشروع الحديث للسيطرة على الطبيعة بواسطة العلم. وقد فُهِم منها أن الإنسان قد يكون أكثر سعادة إذا لم يجر التلاعب بالطبيعة، ولكنه يعود إلى حالة أقرب من حالته الأصلية قبل العصر الصناعي. لذلك فالسؤال بخصوص هؤلاء تحديداً:-«هل من الممكن أن نتصور حركة إيكولوجية جذرية تعمل على رفض مشروع الغزو الحديث للطبيعة بمجمله وكذلك رفض الحضارة التقنية التي ترتكز عليه؟» (٧) الجواب بالنسبة لفوكوياما يبدو سلبياً لأسباب كثيرة ومتنوعة. وفي طليعتها فكرتهم بعدم السماح بالتجديدات التكنولوجية إلا على أساس انتقائي جداً. وأيضاً «فإن انتقاء التجديدات يثير.. مشاكل كثيرة: ما هي السلطة التي سوف تقرر بشأن التقنيات المقبولة؟» (٨) ويقدر بأن «التيار الرئيسي الأيكولوجي يعترف أن الحل الأكثر واقعية لمشاكل البيئة يكمن فعلا في خلق تكنولوجية بديلة، أو تكنولوجيا خاصة لحماية العالم الذي يحيط بنا.. فإن أسوأ أعداء الطبيعة، إن كان من ناحية نشر الفضلات السامة أو قطع الغابات في الأدغال الاستوائية، هي حالياً البلدان المتخلفة التي لا يوفر لها فقرها النسبي حلولا غير استغلال مواردها الطبيعية الذاتية، أو التي لا تمتلك النظام الاجتماعي الضروري لفرض القوانين حول احترام البيئة.» (٩)

لذلك فرفض الدور الذي لعبته الفزياء الحديثة في الحياة الاقتصادية، يبدو غير واقعي لأن تختاره حضارتنا إرادياً. ويبقى السؤال الذي يجب معالجته يتعلق بالحالة القصوى افتراضياً- حيث لا يكون القرار برفض الفزياء والعلوم إرادياً- كالحرب النووية العالمية أو الكارثة الأيكولوجية الشاملة- اللتان يمكن أن تطالا، رغم كل جهودنا، الأسس الفزيائية لحياتنا المعاصرة.

هنا يدعونا فوكوياما لنتصور حرباً شاملة نستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل. فمنذ هيروشيما وصورة الحرب النووية تبرز لنا. و «لنفترض أن هذه الحرب.. تجعل الأرض غير قابلة للسكن كلياً من قبل الإنسان: ماذا سيحدث؟ قد يقضى على قسم كبير من السكان بالتأكيد وكذلك القسم الأكبر من المتحاربين وثروتهم وكذلك على قوة وثروة حلفائهم الرئيسيين، بالإضافة إلى نتائج ماحقة محتملة تصيب المحايدين المجاورين لهم.. (وقتها) تجري تغيرات كبيرة في التشكيلة السياسية للعالم؛ قد ينتهي المتقاتلون كقوى عظمى، ويجري تقاسم واحتلال أراضيهم من قبل بلدان قد نجحت في البقاء بعيدة عن النزاع.. فالحرب (النووية) قد تورط جميع البلدان المتقدمة تكنولوجياً والقادرة على إنتاج أسلحة الدمار الشامل، فتحتاج مصانعها ومختبراتها وجامعاتها لإلغاء معرفة طرق صنع هذه الأسلحة الرهيبة.. فالباقون على قيد الحياة قد يقررون بشكل مباشر رفض سياسات الرعب التي تكون قد فشلت بشكل واضح في حماية الإنسانية من الحرب والدمار؛ وبما أنهم سيصبحون أكثر حكمة وأكثر اتزاناً سوف يمكنهم العمل على مراقبة التقنيات الجديدة بشكل أكثر دقة مما يجري حالياً في العالم.» (١٠)

ومع ذلك، فحتى هذه الظروف القصوى تبدو- بالنسبة لفوكوياما- غير كافية لإيقاف:«سيطرة التقنية على الحضارات الإنسانية وقدرة العلم على إنتاج ذاته. والأسباب تكمن في العلاقة بين العلم والحرب: حتى لو استطعنا تدمير الأسلحة الحديثة والمعرفة الخاصة بالطرق المستخدمة لإنتاجها، فإننا لا نستطيع أن نلغي من الذاكرة الطريقة العلمية العامة التي جهّزتها وجعلت إنتاجها ممكناً.» (١١) فنحن- يقول فوكوياما- لسنا مهددين من قبل برابرة حقيقيين يجهلون قدرة علم الفزياء الحديثة. فالدول «الصالحة» التي استخلصت دروساً في الاعتدال من النكبات الي عانتها وعملت على مراقبة التقنيات التي سببتها، تعيش دائماً في عالم ملئ أيضاً بدول (شريرة) ترى في النكبة فرصة لتحقق فيها طموحاتها. وكما علّم ماكيافيلي في بداية العصور الحديثة، فإن على الدول (الصالحة) أن تسلك مسلك الدول (السيئة) إذا أرادت تبقى وتستمر دولا بكل ما للكلمة من معنى. فهي ستكون بحاجة للإبقاء على تقدم تكنولوجي معين، على الأقل للدفاع عن نفسها، وربما تعود وتشجع التقدم في المجال العسكري إذا تبين أن أعداءها يجددون في هذا المجال، فإنها مضطرة لأن تفتح مجدداً أبواب المختبرات.» (١٢)

بناء عليه يستنتج فوكوياما بخصوص إبعاد احتمالية التاريخ الدائري، في علاقته بأوالية منطق الفيزياء الحديثة ومنطق العلوم، بالقول:-«إن التاريخ الدائري حقاً ليس قابلا للتصور إلا إذا قبلنا بإمكانية الزوال الكلي لحضارة معينة دون أن تترك أي أثر مهما اختلف نوعُه على الحضارات التي تليها.» (١٣) و «إذا كان تأثير علوم الطبيعة الحديثة أمراً لا يمكن العودة عنه، فإن اتجاه التاريخ كذلك ونتائجه المتنوعة كلها في المجال الاقتصادي أو الإجتماعي أو السياسي ليست أقل قابلية للارتداد بالمعنى الأساسي للكلمة.» (١٤)

وتبقى- بالنسبة لفوكوياما- البرهنة على ما إذا كان أن العلم وفي طليعته الفيزياء الحديثة، أن يقود إلى الرأسمالية في المجال الاقتصادي، أو إلى الديمقراطية في المجال السياسي. ففي الفصل الثامن تحت عنوان «تراكم بلا حدود» يقول:-«ما.. بيناه حتى الآن هو أن التطور التدريجي للعلوم الفزيائية الحديثة يحدد اتجاهاً للتاريخ ونوعاً من التماثلية في التغيير داخل مجتمعات مختلف الأمم والثقافات. فالتكنولوجيا والتنظيم العقلاني للعمل يشكلان الشرطين المسبقين لأي تصنيع يولد بدوره ظواهر اجتماعية مثل التمدين والبيروقراطية وقطع الروابط فيما بين العلاقات الكبيرة أو الروابط العشائرية والوصول إلى مستوى مرتفع من الإعداد والتعليم. وقد بينا أيضاً كيف أن سيطرة العلوم الفيزيائية الحديثة على الحياة الإنسانية لا ينبغي التشكيك بها وإخضاعها لظروف معينة غير متوقعة مهما كانت هذه الظروف، إلا أننا لم نبرهن أن العلم يقود بالضرورة إلى الرأسمالية في المجال الاقتصادي، أو إلى الديمقراطية الليبرالية في المجال السياسي.» (١٥)

هنا يستحضر فوكوياما تجارب التصنيع التي لم تصوب نحو الرأسمالية ولا نحو الديمقراطية. فيقول:-«هناك في الواقع أمثلة عن بلدان اجتازت المراحل الأولى للتصنيع، وهي متطورة اقتصادياً، علمانية، فيها مدن منتظمة،تمتلك دولة قوية وصلبة، كما أن سكانها مؤهلون جيداً نسبياً- ومع ذلك ليست بلداناً رأسمالية ولاديموقراطية.» (١٦) ويسوق أفضل مثال بالنسبة له:- روسيا أيام ستالين. فقد حققت بين العام 1928 ونهاية الثلاثينات تحولا اقتصادياً رائعاً إذ انتقلت من حالة البلد الزراعي بشكل أساسي، إلى حالة القوة الصناعية الكبرى، ولكن دون أن تترك لمواطنينا أية حرية اقتصادية أو سياسية. فانتهت إلى الفشل. ومرد ذلك، يعود إلى أن اقتصاديات «التخطيط المركزي» تمتلك القدرة على مجاراة الاقتصاديات الرأسمالية فقط في مرحلة الفحم والفولاذ والصناعة الثقيلة. إلا أنها تفتقد إلى هذه القدرة عندما يتطلب الأمر الاستجابة لمتطلبات الاقتصاد الرقمي. «وفي نهاية التحليل يرتبط فشل التخطيط المركزي بمشكلة التجديد التكنولوجي، فإن البحث العلمي أكثر إنتاجاً في جو من الحرية، حيث يُسمح للناس أن يفكروا ويتصلوا ببعضهم بحرية، وأكثر من ذلك، عندما يُكافأ الباحثون على اختراعاتهم.» (١٧)

إلا أن الاتحاد السوفياتي (ويضيف الصين) قد شجعا كلاهما البحث العلمي، خاصة في القطاعات «الهادئة» من البحث النظري الجوهري، واستخدما الحوافز المادية لتشجيع الاكتشافات في بعض القطاعات مثل الفضاء والتسلح. ولكن الاقتصاد الحديث يجب أن يجدد في جميع المجالات دون استثناء، ليس فقط في التقنية العالية، وإنما أيضاً في القطاعات التي تبدو أكثر ابتذالا.

وإجمالا يختم أوالية العلم والفيزياء الحديثة، كأداة تفسيرية وإطار مدعم لفكرة التاريخ الشمولي الموجه، من خلال معيار التراكمية في المنجزات العلمية، بالقول:-«إن منطق علم الفيزياء الحديثة.. لايهيئ المجتمعات الإنسانية مسبقاً إلى الرأسمالية إلا إذا استطاع الناس أن يدركوا بوضوح مصلحتهم الاقتصادية.. إن العالم الاقتصادي، المنتج والدينامي، الذي ولدته التكنولوجيا المتقدمة والتنظيم العقلاني للعمل، يملك قدرة هائلة على المجانسة والاستيعاب. فهو بإستطاعته أن يربط مادياً مجتمعات مختلفة عبر العالم كله من خلال خلق الأسواق العالمية وإثارة التطلعات والآمال الاقتصادية الموازنة لها في عدد كبير من المجتمعات المختلفة.» (١٨)

——

(١) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 94

(٢) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها

(٣) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 100

(٤) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 101

(٥) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 102

(٦) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها

(٧) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 104

(٨) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 104 والصفحة 105

(٩) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 105

(١٠) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 106

(١١) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها

(١٢) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 106 والصفحة 107

(١٣) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 107

(١٤) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها

(١٥) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 108

(١٦) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة نفسها

(١٧) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 111

(١٨) فرانسيس فوكوياما- نهاية التاريخ والإنسان الأخير- المرجع نفسه- الصفحة 123

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading