مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

لماذا «تبتهج» المناديل الورقية عند «التخلص» منها – محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

صورة سيلفي لرجل يرتدي نظارات شمسية وقميص أزرق، في مكان خارجي تظهر فيه السماء الزرقاء وبعض الأشجار في الخلفية.

قرأتُ قصيدة صديقي الحميم ياسر: («ابتهاج المناديل الورقية عند التخلص منها!») عدة مرات، فأذهلني انزياحها اللغوي الذي تبلور في صور شعرية كنسمات منعشة في طقس ضاغط بحرارته المفرطة. تخيلتها كجرس ناقوس ينبه إلى «غدر عصرٍ» جعل «التخلص» جوهرًا. كل بيتٍ فيها يحمل أنينًا مكتومًا لا ابتهاجًا مصرحًا به. حضَّرتُ له سؤالين، وذهبت بهما لألتقي به في مقهانا الذي نعشقه.
جدران مقهانا خشبية متشققة تحمل أصداء أحاديث مضت. رائحة البن تتسلل إلى الأنف، ممزوجةً بعبق الكتب الصفراء المرتبة على رفوف متهالكة. أضواء المصابيح ترقص على الطاولات العتيقة، كأنها تعزف لحنًا ناعمًا للذكريات. نوافذ مشبَّكة تطل على زقاق ضيق، تدخل منها نسمات تحمل همس مدينة ناعسة. الأرضية الحجرية، المصقولة بأقدام العابرين، تردد رجع صدى خطوات خافتة. كأن المكان يتنفس حياة من نسيته الأيام وبقي منشَدًّا إلى زمن جوهره الباطني وهويته الثقافية. هو مقهى- نعم- لكنه وثيقة تاريخيّة أيضا، إنما بعين مؤرخ!
بعد قولي «السلام عليكم» وضعت السؤالين على الفور ومن دون مقدمات: «لمَ اخترتَ يا صديقي ياسر النظم العمودي وأنت المولع بالشعر الحديث؟ ولمَ قلبْتَ أنينك إلى ابتهاج كـ«ذات مبدعة» ولمَ أسقطْتَ ابتهاجك على المناديل الورقية عند التخلص منها؟»
رماني بابتسامة ودودة، وطوَّقني بعناق اللقاء بعد فراق شهر كامل فرضته ظروف سفري. ثم قال، ونبرته تخفي ألمًا عميقًا: «اخترتُ الشعر العمودي لتأكيد جذور انتمائي الأصيلة. أما عن باعث قلب الأنين ابتهاجًا وإسقاط الابتهاج على المناديل الورقية، فله قصة واقعية عشتها أثناء غيابك.»
وعن هذا الباعث الذي حمله على نظم قصيدته، حدثني ياسر فقال:
كنت جالسًا هنا على هذا الكرسي أرتشف قهوتي الصباحية وأدخن سيجارتي الأولى لأسترد صحوي وأصفي مزاجي. فإذا بامرأةٍ تقف على حين غرة قبالتي. نظرت إليها بحيادية واحترام. قدمت لي نفسها باسم «ليلى» وطلبت بأدب الإذن بمشاركتي الجلسة إن كان ممكنًا. رحبت بها فجلست. امرأة في أوج نضج أنوثتها، أنيقة، جميلة، شعرها يتماوج، وإذا ضحكت، ترتسم الغمازتان على وجهها المتناسق، وتكشف أسنانها المصفوفة عن بياض لامع. تتحدث بدقة وتحسن اختيار كلماتها. أخذنا النقاش إلى الشعر والشعراء وواقع الحال الإبداعي بالبلد. وجدتها مهتمة وملمة بالكثير من معطيات المتن الشعري المشرقي والمغاربي قديمه وحديثه. ولما علقتُ على سعة معرفتها بإيجابية، أخبرتني بأنها تنظم شعرًا ولها محاولاتٌ موضوعاتُها قضايا نسائية. فهمت أنها في بداية الطريق، لذلك انفتحت عليها لتقديم الدعم لها كلما كان ذلك ممكنًا. شجعها ذلك فأخرجت من حقيبتها ديواني الأخير، فتحته وأخرجت من بين أوراقه مسودة لقصيدة لها، وطلبت مني مراجعتها وإبداء ملاحظاتي عليها. قمت بالواجب كما رغبت. ولما انتهينا من العمل على قصيدتها خلقَتْ مسربًا ليأخذنا نحو مزيد من الكلام. قالت بنبرة رخيمة كأنغام عود:
«ياسر»
«نعم»
«أي بيتٍ يمسّ قلبك؟»
«الوفاء، يا ليلى.»
«وأنتِ؟»
«ما يحفز على الرحيل.»
ثم ترنمت بابتهاج:
«أنتَ صديقي الذي بحثت عنه زمنًا طويلًا.»
صدقتها.
طلبت رقم هاتفي، وبعد أن سجلته راحت.
عُدتُ إلى المقهى في صباح اليوم الموالي. دخلت ليلى. لم تخبر بقدومها عبر الهاتف. فهمت أنها تعرف أنني لا أكون صباحًا إلا هنا. نظرت إليها بحيادية واحترام. شعرها يتماوج مع كل خطوة على الأرضية الحجرية. صوتها الرخيم يملأ الفضاء بنبرة واثقة ونحن نتبادل تحية الصباح. جلست على الكرسي الخشبي قبالتي. وبعد أحاديث في موضوعات متنوعة عن الحياة والناس، قلبَت صفحات كتاب في النقد الشعري بأصابع رشيقة، أخرجت منه القصيدة التي كتبتْها وصححتُها، ثم مَدَّتْها لي وعلى جانب من الصفحة خطت كلمات في صيغة إهداء بقلم حبر أسود. أمالت رأسها، ألقت ابتسامة خفيفة، وقالت:
«هذه قصيدتي الأولى من ديواني الأول، أهديها لك.»
شكرتها.
ثم استأنفت:
«ياسر»
«نعم»
«هل تكتب الشعر لتهرب من الواقع؟»
أجبتُ:
«أكتبه لأعيش واقعًا أجمل.»
«وأنتِ؟»
ضحكت ضحكة ناعمة، أظهرت جمال أسنانها، وقالت:
«أكتب الشعر لأترك أثرًا.»
رفعت عينيها، ثم أردفت:
«ياسر»
«نعم»
«هل تؤمن أن القلوب تخلِّد الذكريات؟»
أجبتُ:
«إن كانت صادقة يا ليلى.»
«وأنتِ؟»
«الذكريات كالكتب، لا نختار منها ما يلزمنا، بل ما يستهوينا.»
أشارت بيديها، كأنها ترسم الكلمات في الهواء. فهمت أنها ترغب في المغادرة. فقلت بنبرة متفهمة:
«إلى اللقاء»
«إلى اللقاء»
نهضت، مشت بخطوات متمهلة نحو الباب. ألقت نظرة على الزقاق، عدَّلت نظارتها. ألقت وشاحًا حريريًا على كتفيها. لم تخرج بل عادت لتقترح أن نلتقي في الغد بمعرض الفنون التشكيلية بقاعة دار الثقافة على الساعة الحادية عشرة. وافقت. ثم غادرت تاركةً صدى خطواتها. وفي الغد لم تحضر. وهاتفتُها، فكان هاتفها خارج الخدمة.
قلت لنفسي:
«الغائب حجته معه.»
(…)
دخلت إلى المعرض.
بدا لي كمعبد للألوان: جدرانه البيضاء تحتضن لوحاتٍ كأنها أحلام معلقة. أضواء خافتة تتساقط كقطرات مطر، تكشف عن خطوط وألوان تحكي آمالًا وأشواقًا. رائحة الألوان الزيتية تملأ الفضاء، ممزوجةً بنسيم خفيف يتسلل من نافذة مفتوحة، كأنها دعوة للأرواح كي تتنفس. كل لوحة مرآة تنتظر من يرى فيها نفسه.
وقفت امرأة أمام لوحة، شعرها القصير الكستنائي يتأرجح كأوراق الخريف، عيناها ناعستين كغيمة صيف. بشرتها بيضاء كريشة يمامة، قامتها نحيلة كجدول ماء. لمست إطار اللوحة بأصابع دقيقة مزينة بطلاء أظافر باهت، التفتت إلي، ابتسمت ثم قدمت نفسها باسم «سارة». قدمت نفسي باسمي فقط. قالت: أعرفك وأقرأ لك. بعد جولة في أروقة اللوحات المعروضة، وقفنا عند الرواق الأخير قرب باب الخروج. قالت:
«هذه لوحاتي»
«اللهم بارك»
«ياسر»
«نعم»
«أي لوحة تُشبه قلبك؟»
أجبتُ:
«تلك التي تحمل ألوان الصدق.»
«وأنتِ؟»
ارتسمت على محياها ابتسامة خجولة، كشفت عن خدين متورّدين، وقالت:
«تلك التي تخفي سرًّا.»
مشت ببطء، توقفت، ثم قالت:
«أنتَ تفهمني.»
بعد صمت واصلت:
«هل الفن يُحيي الروح؟»
أجبتُ:
«إن كان صادقًا»
«وأنتِ كيف ترينه؟»
قالت:
«الفن يُخفي الجراح.»
«هل القلوب تُرسم كاللوحات؟»
أجبتُ:
«إن نبضت بإخلاص»
«وأنتِ كيف ترينها ترسم؟»
ابتسمت، وقالت:
«تُرسم للحظة.»
«ياسر»
«نعم»
«أي لوحة من لوحاتي أعجبتك؟»
أشرت إلى واحدة وقلت:
«هذه شدتني إليها»
أخرجت كاتالوج اللوحة وقالت:
«أخي ياسر»
«نعم»
«هل يمكنك أن تتفضل بتوقيع اسمك الكامل دعمًا لي؟»
أجبتُ:
«بكل فرح.»
طلبتْ رقم هاتفي، وبعد أن سجلتْه وعدتْ بأن تتصل بعد نهاية المعرض. لكنها لم تفعل.
قلت لنفسي:
«الغائب حجته معه.»
نسيت القصة التي حكيتها لك كما حصلت، لأنني انخرطت في مراجعة ديواني الذي سلمه لي الناشر قبل برمجته للطبع النهائي. وكنت أشتغل على المراجعة بمكتب مريح في دار النشر. لا ضوضاء ولا مشتتات للانتباه. أنهيت العمل فترجلت نحو النهر لأملأ العين بسحر ألوانه التشكيلية قبيل الغروب. ولأجعل ذلك أكثر إمتاعًا فكرت في الجلوس بمقهى «مارينا» التي تجعلني أخال نهرنا شاعرًا بالطبيعة. دخلت من الباب الخلفي للمقهى لأتجه نحو واجهته الأمامية. ومن خلف الزجاج بصرت عيناي بـ«ليلى» و«سارة» جالستين هناك في جو يبدو وكأنه احتفالي. لم أكن أعلم أنهما مرتبطتان. ولم تصرحا بذلك. فكبر سؤال عنهما في دماغي، وأعاد قصتي معهما إلى الحضور مجددًا. غمرني الفضول، فتخفيت عنهما بالقرب منهما لا تفصل جلستي عن جلستهما سوى جدار إسمنتي قصير يحمل نافذة زجاجية نصف مفتوحة. أسخيت السمع كما أفعل مع خرير الماء. كان حديثهما بوحًا صادقًا. لا كذب فيه. وكان اسمي حاضرًا بينهما بسخرية لاذعة. تحكمتُ في غضبي وكتمتُ غيظي كي لا أوقف هذه السيولة التعبيرية التي أعلت الباطن على الظاهر.
أوقف ياسر حكيه، أشعل سيجارة، وطلب فنجان قهوة آخر. أمهلته لحظة حتى يسترد نفسه، ثم قلت:
«لقد أشعلتني شوقًا لمعرفة ما سمعتَ»
قال وهو يبتسم كمن يزيح ثقلًا على كتفه ويتحرر منه:
«سآتيك من الآخر وباختصار شديد»
قال:
«ليلى» اسم فني تصنعه صاحبته ليظهرها بتوب شاعرة حتى يفسح لها المجال واسعًا لممارسة «الاستعمال والتخلص» في كل علاقاتها. و«سارة» تعتمد الخطة نفسها لكن في مجال التشكيل. وهما معًا في مرحلة البداية لتنفيذ خطتهما. وبعد كل إنجاز يجلسان معًا لتقييم ما أنجزتاه بخصوص ضحاياهما. والأمر لا يتعلق بي كحالة منفردة، بل بجمع كبير من الحالات المماثلة. تشتريان معًا أعمالًا إبداعية من مبدعين يحتاجون إلى قوت يومي، وتبحثان عن دعم من آخرين بأساليب أخرى. فمثلًا لما سألت «سارة» عن الكيفية التي اعتمدتها لاستدراجي إلى مقلبها، قالت:
«ياسر من طينة من لا تنفع معهم ابتسامة موحية ولا إيماءة مرموزة، بل الذي يجذبه هو الكلمة الطيبة المختارة بعناية فائقة. فأنا استعملت الجملة (أنتَ صديقي الذي بحثت عنه زمنًا طويلًا) وأنتِ استعملتِ الجملة التي اقترحتها عليكِ (أنتَ تفهمني) ثم أضافت لها النداء ب (أخي). فأصحاب المقابل بأقل تكلفة كثُر، وأصحاب الإيحاء الأنثوي والإيماءات النسوية كثُر أيضًا. لكن أصحاب الكلمة الطيبة هم المشكلة الصعبة التي ينبغي إحكام التعامل معها.»
ولما سمعت منها هذا الكلام، قمت وخرجت من المقهى دون أن ألتفت لا يمينًا ولا يسارًا، كأنني لص سرق وراح مسرعًا محتضناً تهمته يمشي خوفًا من أن يمسك به أحد.
ضحكتُ حتى أدمعت عيناي.
طلبت أنا أيضًا فنجان قهوة آخر، وأشعلت سيجارة، وتركت صديقي ليرتاح قليلًا، قبل أن أحفزه على إكمال ما حصل له بعد هذا الاكتشاف الذي قادته إليه خطواته الرزينة بالصدفة!
«ياسر»
«نعم»
«لازال سؤالي بلا إجابة»
«ذكِّرني به.»
«لماذا قلبْتَ أنينك إلى ابتهاج ك «ذات مبدعة» ولماذا أسقطْتَ ابتهاجك على المناديل الورقية؟»
عدت إلى منزلي ومعي ما يلزم من المؤونة، وأغلقت الباب عليَّ. قررت أن أخلو بنفسي لأفكر قبل أن أخرج إلى عالم بيئتنا، حتى أعرف كيف أختار موطئ القدم.
وأنا أفكر في الاستعمال والتخلص قررت أن أهتم برمزه في عصرنا وبيئتنا: فوجدته في المناديل الورقية. وعندما اهتديت إلى ذلك حضرتني قصة جاري الميكانيكي. وسأحكيها لك باختصار شديد ما دمت تسأل عن دماغي كيف اشتغل على الانزياح في القصيدة:
حكى لي جاري الميكانيكي عن مصنع المناديل الورقية الذي يوجد في المنطقة الصناعية شمال المدينة. هذا المصنع توقف عن العمل بسبب عطل طال آلة رئيسية تحرك باقي الآلات بنظام كومبيوتري. أحضر صاحب المصنع جاري بإقتراح من أحد مستشاريه، ووعده إن أصلح الآلة في ظرف يوم سيوظفه بدوام كامل كتقني وبأجر محترم. أصلح جاري الآلة ولما انتهى من ذلك خلال نصف يوم وتحرك المصنع أخلف المالك وعده. مَدَّه برزمة من النقود فقط. ولما ذكره بالتوظيف أجابه بوقاحة لاذعة: «هل نحتفظ بالمناديل الورقية بعد استعمالها أم نتخلص منها؟» أجابه جاري: «نتخلص منها» ثم حسم تحايله بالقول: «كيف أوظّفك وأنت بدون شهادة ولا تفك الحرف؟!» وختم: «اذهب ففي حوزتك مؤونة نصف سنة، وقل الحمد لله على من أنفق».
بهذا الاستحضار أدركت بوضوح في الوعي: أننا ونحن نستلهم من ماضينا ما يصلح لفهم حاضرنا نسينا المستقبل الذي يأتينا خلسة وينمو بيننا ونحن في غيبوبة وهو يدمر كل قيمنا ويصيب علاقاتنا بالتشظي. وهذا التدمير الرهيب يقوده أمثال صاحب مصنع المناديل الورقية وبشر يلبسون توب النخبة وهم لصوص وقطاع طرق، وكل هؤلاء وأولئك يوجدون في كل المجالات. همهم أن يستعملوا ويتخلصوا ولا يهمهم بشر ولا قيم ولا وطن. وأغلبهم لا يعون بأنهم تماهوا بالمناديل الورقية وهي أقوى رمز من رموز هذا العصر في بيئتنا. وبناء عليه طرحت سؤالًا: الإبداع والمناديل الورقية: أية علاقة؟ وأية مهام؟ وهل ما أكتبه من أشعار هو شعر لقضية أم هو شعر لوهم قضية؟ وما يخصني كشاعر بهذا الخصوص يمتد إليك يا صديقي الصدوق محمد، وأنت مولع بالإبداع السردي. ومن أسئلتي رحلتُ إلى التوظيف البنائي الرمزي للمناديل الورقية، فاستقر دماغي على الانزياح من أنيني الناجم عن الألم، إلى ابتهاجي الساخر وإسقاطه على المناديل الورقية. فتبلورت الصور التي قرأتها وشدتك إليها. وأنت الأول الذي التقط رسالتي. ولو بقيت وحدك ممن سيلتقط الرسالة لن أتوقف. إن القصيدة مشروع ديوان، والديوان سيتلوه ما بعده.
توقف ياسر وسألني:
«هل بقي لديك من سؤال؟»
«نعم»
قال:
«اسأل»
«لم تبتهج المناديل الورقية بعد التخلص منها؟»
ضحك ياسر هذه المرة حتى أدمعت عيناه. مددت له منديلًا ورقيًا فازدادت ضحكاته حتى وصل صداها إلى الزقاق الضيق المجاور للمقهى.
لم يجبني، بل سألني عن تأويلي للصورة. قلت:
مما فهمته أنك وظفت إسقاط «البهجة» على المناديل الورقية توظيفًا جدليًا. ففي الوقت الذي نلقي بها في القمامة لنتخلص منها «تتخلص» منا هي أيضاً ف «تبتهج»! وبالإحالة إلى العلاقات بين الناس يمكن أن أقول بناء عليه على سبيل المثال، أنك في الوقت الذي تتخلص فيه مني تريحني فأبتهج. لأنك تريح بصري من عناء التحديق في وجهك. تريح أذني من تعب السماع إلى ضحالتك. توفر لي وقتًا كنت تأخذه مني. وهذه كلها عناصر ابتهاج. فأنا الرابح وأنت الخسران بلغة المشاعر!
ضحك ياسر وقال:
«لن أتخلص منك ولن تتخلص مني ولو كان ذلك سيبهجني أو يبهجك.»
ثم أضاف:
«لأننا لا نستعمل المناديل الورقية، بل نستعمل المناديل التي تحيكها أمهاتنا من التوب»
صحت كمن يتذكر أمرًا مهمًا فاته:
«وهل مناديل أمهاتنا لا تبتهج؟»
«بالعكس، فهي تبتهج عدة مرات وتبكي بحرقة مرة واحدة عندما نستغني عنها.»
«كيف تبتهج عدة مرات؟!»
«عندما تغسلها أمهاتنا ويعرضنها لأشعة الشمس.»
قلت بعد أن ارتشفت من فنجان قهوتي وأشعلت سيجارة:
«فعلًا كما قالت أحلام في كتابها (شهيًا كفراق): كيف يكتب من لا يقبل في رواياته إلا بأبطال شرفاء يصمدون حتى الصفحة الأخيرة. لا كاتبَ شريفًا يمكنه اليوم إدارة حياة أبطاله في عالم من النذالة لا يدري هو نفسه كيف يعيش فيه.»
ثم أضفت:
«سأنسى ما قرأت وسأمحو ما كتبت. وسأعيد النظر في أوراقي وقلمي.»
ابتهج ياسر لا كما تبتهج المناديل الورقية عند التخلص منها، بل ابتهج لهذا البوح منه الذي عنه صدر فوريا وبتلقائية:
«لقد حققت قصيدتي هدفها فيك.»
ثم ضحك بسخرية وهو يقول:
«الشعر، (آ بْنِيْتي)، لا يترك أثرًا إلا إذا كان صادقًا.»
قلت:
«الكلام لك يا (ليلى)»
وختم بالعطف:
«والفن لا يخفي الجراح، بل يحفز انفجارها لتشفى.»
قلت:
«الكلام لك يا (سارة)»

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading