بين «تيك» و «توك» صحراء نيفادا.. محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

تمددتُ على اللحاف في صالة الجلوس. أطفأت التلفزيون كي لا أكدر صفو خلوتي بأخبار الدم. أطفأت المصباح وأشعلت شمعة. أركز لأتابع محتوى البرنامج الإذاعي «مشكلةٌ وحلُّها ليس مشكلة»، وهو برنامج شهري تُشرف عليه السيدة ليلى. تدعو فيه ضيفًا ليطرح مشكلة خاصة تتعلق بقضايا عامة أو شائعة، وكيفية توصُّله إلى حل ناجع لها. هذه المذيعة الشهيرة في إذاعة طنجة تختار أسئلتها بعناية ولا تكثر من الثرثرة، كي تتيح لضيفها مساحة كافية للحديث.
(…)
[موسيقى افتتاحية هادئة من تراثنا الأصيل، صوت المذيعة ليلى]:
مرحبًا بكم، مستمعينا الأفاضل، بكل مكان، في برنامجنا الإذاعي «مشكلةٌ وحلُّها ليس مشكلة»، حيث نشارك قصصكم الملهمة ونتعرف إلى تجاربكم. اليوم معنا نجيب المرتجي، ليشاركنا تجربة عن الحب في زمن التكنولوجيا. مرحبًا سي نجيب، لمَ اخترت لقصتك عنوان «بين (تيك) و (توك) صحراء نيفادا»؟ لكن قبل ذلك، تفضل بتقديم نفسك لمن يسمعنا عبر الأثير، مع الإشارة إلى المشكلة التي تود طرحها قبل استعراض تفاصيلها.
[نجيب]:
شكرًا السيدة ليلى على قبول دعوتي. أنا نجيب المرتجي، ابن اثنين وثلاثين سنة، من مواليد فاس، عاصمتنا العلمية، التي تحتضن جامعة القرويين، تلك المنارة المشعة في تاريخنا منذ قرون، أقدم مؤسسة تعليمية في العالم، تأسست عام 859 على يد فاطمة الفهرية، وتُعتبر رمزًا تاريخيًا وعلميًا في بلادنا. أستاذ جامعي في كلية الآداب، قسم التاريخ، التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، التي تأسست في مدينتنا عام 1975، وتُعد من أعرق وأكبر الجامعات في المغرب. متزوج من السيدة علية عامر منذ خمس سنوات. علية نور حياتي. لكن قبل سنة، بدأت أشعر أننا نتيهُ في مفازة رملية، وكأننا نلج دون وعي منا تضاريس صحراوية قاسية، قد تكون كصحراء نيفادا بالولايات المتحدة، أو صحراء جوبي بالصين، أو الصحراء الكبرى بإفريقيا. فالقاسم المشترك بين صحاري الأرض قساوة طبيعتها، فالداخل إليها دون عقل يعرف مسالكها الوعرة، ودون جسد تكيَّف سلفًا مع تحمل قساوتها، ينطبق عليه مثلنا القولي: «الداخل إليها مفقود، والخارج منها سالمًا مولود.»
[ليلى]:
ولمَ اخترت «تيك» و«توك» تحديدًا؟
[نجيب]:
إذا تأملنا سلوكنا في التعامل مع هذه المنصة أو ما يماثلها من المنصات، فإن توك أقصد بها أن نقرة واحدة تفتح المنصة، وتوك استجابتها الفورية. وبينهما يمضي عقلنا إلى المحتوى المنسكب بأرقام فلكية، فتحاصرنا مفازات رملية وتقذف بنا إلى جوف الهجير والرمال، يتلوه هجير ورمال بلا توقف. نبصر وعقولنا لا ترى، نتابع وقلوبنا يتغير نبضها بين الرضى والإعجاب أو التقزز والقرف، خاصة إذا كان المستخدِم يمارس الكسل الرقمي. اخترت هذه المنصة كمثال للعبير بالجزء عن الكل، وفضلتها عن غيرها لأنها كادت تعصف بزواجي. وقولكِ، السيدة ليلى، في مستهل الحلقة بأن حضوري معكم لمشاركة «تجربة حب في زمن التكنولوجيا»، قول دقيق وعنوان شامل لقضيتي، وربما تكون هذه القضية مشتركة مع المسمعين، وإن لم تشملهم جميعهم فأنني أقدر بإنها تطال الأغلبية العظمى منهم.
[ليلى]:
استعملت عبارة «الكسل الرقمي»، أستاذ نجيب، ولا أخفيكِ أنني أسمعها لأول مرة. فماذا تقصد بها؟
[نجيب]:
هو ببساطة كل إبحار من مستخدِم لهذه المنصات بلا هدف محدد. تجدين المرء ممسكًا بهاتفه في قلب هذه المفازة الرملية، يحرك بإصبعه صعودًا، فيتوق عقله إلى ما يظهر له على الشاشة الصغيرة. يقضي وقتًا طويلًا دون أن يحس بانسكاب سيولة الزمن. يتعب، يتوقف، ينظر إلى الساعة على شاشة الهاتف، فيقول لنفسه أو لغيره مستغربًا: لقد مر الوقت بسرعة! آخر ينسى صديقه إلى جانبه، وهكذا على هذا النحو من الأمثلة التي تجعل القريب بعيدًا والبعيد قريبًا.
[ليلى]:
تنفجر ضاحكة، ثم تقول بعذوبة صوتية وكأنها تحدث نفسها: كم من مرة كنتِ كسولة يا ليلى! يضحك نجيب. ثم تسأل: أخبرتني ونحن نعد الحلقة أنك أجريت أبحاثًا اتجهت بها نحو الميكانيزمات الخوارزمية الداخلية التي تعمل بها هذه المنصات وغيرها من الأدوات التكنولوجية. فهل يمكن أن تضعنا في صورة أهم الخلاصات التي توصلت إليها؟
[نجيب]:
خلاصتان أساسيتان: الأولى تتعلق بأسلوب التسويق المبرمج داخل كل منتج ليحقق رواجًا أوسع وبشكل دائم ومستمر. والثانية تتعلق ببناء الخوارزميات على قاعدة تنشيط مركز اللذة في الدماغ، الذي يؤدي إلى الإدمان.
[ليلى]:
«واحدة واحدة» آسي نجيب، حتى أتمكن من فهم ما تقصد. وحبذا لو وضحت بأمثلة ملموسة من تجربتك وأنت تتعامل مع هذه الأدوات في عملك، كما أخبرتني.
[نجيب]:
بالنسبة للتسويق، ورد في مقال بمجلة علمية ذات مصداقية أن موت المنتج مبرمج في خوارزميته. فمثلما يُمنح المنتج شهادة ميلاد، يحمل معه موته المبرمج أيضًا. لكن المقال لم يوضح كيفية موت المنتج بين أيدينا. ولما راجعت علاقتي بالهاتف منذ ظهوره إلى اليوم الذي اشتريت فيه هاتفي الحالي، أصبت بالذهول. في البداية، كان الاستخدام يُضعِف البطارية. أغيرها، فتعمل مدة أقل. أغيرها مجددًا، فأرمي الهاتف وأشتري غيره. يعمل الجديد مدة أطول من سابقه، لكن البرمجيات تتسارع بسرعة مهولة. أجد برنامجًا مفيدًا لعملي، أحاول تحميله، فيجيبني «متجر التطبيقات» بأن هذه النسخة من هاتفي غير ملائمة لهذا البرنامج. أبحث عن هاتف ملائم من الشركة نفسها، فأجده ينتمي إلى الطراز الذي صدر بعد شرائي لهاتفي ببضعة أشهر فقط. وإن كنت في حاجة ماسة إلى البرامج، أضطر إلى شراء الطراز الجديد. معنى ذلك أن هاتفي السابق صار في يدي تراثًا قديمًا في مدة وجيزة. خذي مثالًا آخر يذهل الناس مؤخرًا ويثير جدلًا حول مصير العقل البشري.
[ليلى]:
[تقاطع نجيب لتفهم انتقاله في الكلام]: تقصد الذكاء الصناعي؟
[نجيب]:
نعم، أختي ليلى، ذلك ما أقصد بهذا المثال تحديدًا. نعلم جميعًا أن البرنامج الأمريكي ومنافسه الصيني، كلاهما متنوع بالترتيب: برنامج رقم 1، رقم 2، رقم 3، رقم 4… الأول مجاني، يستخدمه الناس، فيألفون مساعدته التي توفر عليهم جهدًا ومالًا ووقتًا. لكن عندما يطلبون منه إنجاز عمل أكبر من الأعمال السابقة، يجيبهم بأن المطلوب يقتضي الانتقال إلى البرنامج رقم 2، وهذا ليس مجانيًا، بل يُشترى بسومة شهرية طيلة مدة الاستخدام. وإذا كان الراغب مجبرًا بفعل عمله الأكبر، سيضطر إلى الشراء.
[ليلى]:
هذه فهمتها. وماذا عن الخلاصة الثانية المرتبطة بتنشيط مركز اللذة في الدماغ؟
[نجيب]:
بحثت عن كيفية حصول اللذة في أجسامنا، فوجدت أن المسافة بين اللذة والإدمان قصيرة جدًا. وضعت لائحة لما يبعث اللذة لدى المستخدم، فوجدت على رأسها تقنية الاستجابة للرغبة فيما يُعرض على المنصة. وهي تعمل خوارزميًا بمنطق مثلنا الشعبي البليغ: «كل زرع له كيّاله». ينطلق المرء في كسله الرقمي مسترخيًا، يحرك إصبعه إلى أعلى، وفي لحظة يتوقف. يتابع مقطعًا، يضحك، ثم يعيد تشغيله، يضحك من جديد، ثم يحفظه في هاتفه. يستمر، وعند التوقف يفكر في إرسال المقطع إلى أصدقائه، قد يضيف تعليقًا لغويًا مثيرًا وقد لا يضيف. وإذا انهمك في عمل مغاير وضروري في حياته اليومية، تجده يسرع كي يتفرغ ويربح الوقت لممارسة اللذة على المنصة. ومع تزايد الرغبة في الحصول على «اللذة الرقمية»، يندرج المستخدم رويدًا رويدًا نحو الإدمان. وأنتِ تعرفين مظاهر الإدمان، والسادة المستمعون يعرفون ذلك أيضًا من خلال الإدمان على محفزات اللذة الأخرى، كالسجائر والأفيون والخمر وما إلى ذلك.
[ليلى]:
الآن سننتقل إلى حكايتك الرائعة التي وضعتني في صورتها ونحن نعد الحلقة. طلبي لك، سي نجيب، أن تحكيها لمستمعينا الأفاضل بقلب مفتوح، كما حكيتها لي.
[نجيب]:
بدأت الحكاية في ليلة عادية. كنت جالسًا على الأريكة بعد يوم عمل طويل. نظرت إلى علية، كانت غارقة في تيك توك، تضحك على مقطع أو تُعلق على وصفة طعام. وكثير من الفيديوهات كانت تتجاوزها بسرعة عبر تمرير إصبعها. أردت أن أُعيد ذكرى أيامنا الجميلة، فقلت:
أحبك يا علية.
توقعت ابتسامتها التي أعشقها، لكنها، دون أن ترفع رأسها، أجابت ببرود لم أعهده طيلة فترة زواجنا:
وحتى أنا.
قالتها وظل إصبعها يمرر المقاطع، كأنني شبح. شعرت وكأن كلماتي تاهت بين كثبان رملية. انكسر قلبي. بدأت أفكار سوداء تتسلل إليَّ: هل هناك شخص آخر على تيك توك يجذبها؟ وإن لم يكن شخصًا، فماذا يكون؟ هل أصبحت حياتنا مملة؟ هل ما أفكر فيه سوء ظن؟ استحضر عقلي أن بعض الظن إثم، ثم عاد محاججًا: «إن كان بعض الظن إثمًا، فإن أكثره ليس كذلك، لأنه من حسن الفطن.» فكرت في إيقافها ووضعها في صورة وساوسي، لكنني تذكرت وصايا أبي، رحمه الله، لما كنت أتهيأ للزواج بعلية. فأرغمت نفسي على التريث حتى أسترد توازني النفسي، ثم أفكر بهدوء وعقلانية.
[ليلى]:
ما هي وصايا الوالد، رحمه الله، التي ساقها لك قبل أن تغادر بيت العائلة إلى بيت الزوجية؟ أرى أنها مهمة للسامع.
[نجيب:]قال لي الكثير من الوصايا، أهمها، على سبيل المثال:
«لا تتخذ قرارًا وأنت غاضب يا ولدي.»
«لا تَعِد وأنت فرح.»
«إن وعدت فلا تُخلف الوعد.»
«لا تستسلم للأفكار السوداء.»
«لا تتخذ أي قرار لا تحسن الدفاع عنه.»
[ليلى]:
وهل طالت مدة استردادك لتوازنك؟
[نجيب]:
لا، لم تطل أكثر من تلك الليلة. ففي الغد، رحت إلى الكلية، وقبل أن أبدأ عملي، فكرت أن أتصل بصديق عزيز تربطني به علاقة عمل وحميمية. نتقاسم الحديث عن همومنا العامة والخاصة بانفتاح ودون تحفظ. يعمل في تخصص تحليل الخطاب والنقد الثقافي. حددنا موعدًا بعد العمل. في جلستنا، وضعته في صورة الحدث وظنوني التي واكبته. ضحك أولًا، ثم هدأني قائلًا:
ابعد عنك هذه الظنون. لست وحدك يا نجيب.
سألته على الفور:
هل حصل معك مثل ما حصل معي؟
ضحك وقال: لست وحدك، ولست أنا الوحيد الذي عانى من قبل، ولن نكون أنا وأنت نهاية هذه المعاناة. فكل من يمتلك هاتفًا في يده يبعده عن قريب منه ما بعدت السماء عن الأرض كلما حركه للاشتغال به. لكن الناس لا تتكلم.
وما العمل؟
جرب ما فعلته.
وقبل أن يحكي، قال إن ما قام به كان بسيطًا ولا تعقيد فيه. ثم حكى:
كان عائدًا من العمل، وزوجته في المنزل. لما اقترب من الباب، هتف لها بتعابير عشقية صادقة. لم يتوقف حتى وجدته أمامه. اهتزت بالضحك، خالته بعيدًا عن المنزل. لم يتوقف عن الكلام. أمسك بيدها ودخلا المطبخ معًا. سألته إن كان جائعًا، فأجاب بنعم. ساعدها في إعداد المائدة، ولم يتوقف عن الكلام. ومن المطبخ إليه مرة أخرى لمساعدتها في غسل الصحون. بعد ذلك، اقترح عليها فيلمًا. وهكذا قضيا قسطًا من ليلتهما بلا هاتف.
سألته:
لمَ بدأت بمكالمة وأنت قرب الباب؟
قال وهو يضحك:
إذا كان عقل زوجتي منشغلًا بمقاطع المنصة على شاشة الهاتف، فبالهاتف يمكن فصل عقلها عن المنصة بإغلاقها كي تجيبني. ومع الكلام، تبقى بعيدة عن الوضع السابق. وعندما بدأت التواصل المباشر معها، أبدعت في هذا المنحى، كي أبقي التواصل مستمرًا.
فهمت.
قال:
عليك أن تكون فعلًا في لحظة وجدانية حقيقية، كي تكون صادقًا في الكلام.
لماذا؟
لأن الصدق في الحب له رائحة خاصة.
سأفعل.
ومتى نجحت في الخطوة الأولى لفك ارتباط زوجتك عن هاتفها، فبعدها أنت وشطارتك.
ثم أضاف محذرًا:
تذكر المثل العربي الشائع: «غلطة الشاطر بألف.»
[ليلى]:
هل حاولت تنفيذ هذه الخطة مع علية؟
وهل نجحت؟
[نجيب]:
نعم، نجحت، والصدفة أيضًا ساعدت.
[ليلى]:
وما الذي حصل صدفة؟
[نجيب]:
لما دخلت، شممت رائحة احتراق. فسألتها إن كان في المطبخ ما يُطبخ. صاحت: «ويلي ويلي»، نسيت الطاجين على النار! ثم أسرعت نحو المطبخ. تبعتها. كان العشاء قد احترق فعلًا. وضعت يدها على خدها. أزلت يدها، احتضنتها، وقلت:
حصل خير.
وعشاؤك، عزيزي؟
سنأكله معًا خارجًا. البسي وأنا أنتظرك.
[ليلى]:
احكِ لنا عن جلسة العشاء.
[نجيب]:
توجهنا إلى مطعم متواضع يقع على ربوة تمنح البصر مشهدًا بانوراميًّا لفاس. ليلاً، تظهر المدينة كما لو أنها كوكب فضائي يشع بالأنوار. لنا ذكريات مع هذا المطعم في سنوات زواجنا الأولى. علية تفضله عن غيره، واختياري له كان لهذا السبب تحديدًا، عسى أن نحفز الذاكرة على استحضار جمالية المكان في ارتباطها بجماليات العلاقة. جلسنا متقابلين على المائدة التي ألِفَتْنا. طلبت من علية أن تطفئ الهاتف. نظرت إليَّ باستفهام. أضفت وأنا أبتسم:
لكي لا يفعل بجلستنا الجميلة هذه ما فعله بالطاجين.
انفجرت ضاحكة، أطفأت الهاتف، ورمته في حقيبتها.
علية لبيبة، بالإشارة تفهم. التواصل بيننا كثيرًا ما يحصل بنظرة فابتسامة. جسدها ينبض بالرسائل الموحية، وقد دربت حواسي على هذه اللغة كي ألتقط بحس مرهف الإشارة والدلالة، وأحسن الإيحاء بالإشارة أيضًا.
بعد أن أحضر لنا النادل ما طلبناه، شكرته وراح. ثم وقفت.
سألتني:
ما بك؟
سأغير سلطة النيسواز بالسلطة المغربية.
قالت:
وأنا أيضًا.
لم أشر إلى النادل، بل رحت إليه. أخبرته بتغيير الطلب، وأضفت:
سأكون شاكرًا لو تفضلت بتشغيل أغنية طربية.
رحب بذلك وسألني عن عنوانها، فاخترت «أنا بعشقك» لميادة الحناوي. وسألته إن كانت متوفرة، فأجابني:
التكنولوجيا وفرت لنا في مطعمنا كل أغاني الطرب في العالم.
في هذه الأجواء، قضينا قسطًا من ليلنا. ولما عدنا إلى البيت، زدنا سهرتنا رونقًا حميميًا.
[ليلى]:
ومن بعد؟
[نجيب]:
في الغد، جالست صديقي ووضعته في صورة ما حصل.
قال وهو في غاية الفرح:
رغم أن هذا الحل أولي، فعليك أن تفكر في تقليص وقت الفراغ لعلية. ولكي تفعل ذلك، عليك أن تجتهد لجعل فراغك مطابقًا لوقت فراغها، وأن تبدع ما أمكنك من لحظات تواصلية مباشرة، كأن تقترح زيارة لأمها، أو لأمك، أو جولة استراحة، أو رياضة المشي معًا. شاركها الحديث عن أعمالك، واهتم بأعمالها في الشغل. وإن حصل وأنتما معًا في لحظة تواصلية ورن الهاتف، اشتمه بما يضحكها، وكأنه مسيرة تحمل صاروخًا ذكيًا ليمارس غارة جوية على خلوتكما، وهكذا.
هذه المرة، أنا الذي ضحكت، ثم قلت:
هل تريدني أن أتحول إلى فدائي؟
ضحك لضحكي وتورية سؤالي:
فداء الحبيب للحبيب امتحان عشق.
ثم أضاف:
لو كنت في وضع علية، لفدتك بعقلها وبكل ما تملك من قدرات لتخرجك من صحراء القحط الوجداني، أليس كذلك؟
أجبت:
بلى، هو كذلك. وأنا متأكد من هذا، وقد لمسته بالتجربة طيلة فترة زواجنا بأيامها ولياليها وشهورها وسنواتها.
قال:
إذن، تحمل مسؤوليتك.
قلت واعدًا:
سأتحملها والله المعين.
شكرته، فأجابني مازحًا:
لا شكر على واجب، صديقي «قيس بن الملوح بن مزاحم العامري».
[ليلى]:
هل علية تشتغل خارج البيت؟ (رغم أنني أعرف، أسأل ليأخذ السامع فكرة).
[نجيب]:
نعم، معلمة بمدرسة زينب النفزاوية، مختصة بالقسم الأول. ماهرة في التدريس، تعلم الحروف للصغار بالطريقة التركيبية التحليلية ليربطوا الصوت بصورته الخطية. تنتقل بهم من الجملة إلى الكلمة ثم الحرف، ثم تعود بهم بشكل عكسي، مع تمييز الحرف المدروس بلون مغاير. وفي الدورة الثالثة، تنتقل بهم من الجملة إلى النص. أثنى عليها كل المؤطرين الذين زاروها، وكانوا يختارونها لتأطير اللقاءات التربوية المختصة بتعليم الصغار.
[ليلى]:
وماذا بعد أن عدلت برنامج عملك ليطابق وقت فراغكما؟
[نجيب]:
خططنا معًا لتجزية وقت فراغنا ببرنامج ننفذه معًا. ومع الأيام، تحول هاتفها إلى وظائفه الاستعمالية، فصار ملكًا لها بدل أن يستمر تحت رحمته مالكًا لها ولعقلها ووجدانها.
[ليلى]:
قصة ملهمة! ما النصيحة التي تود مشاركتها مع المستمعين؟
[نجيب]:
حاشا لله أن أمنح نفسي حق النصح للمستمعين الأفاضل. فتجربتي تبقى خاصة، حتى لو تقاطعت مع تجاربهم. صحيح أنني وزوجتي نجونا من صحراء نيفادا ووجدنا واحة حبنا المشتركة، لكن ذلك لا يعني أن ما قمت به هو حل ينطبق على جميع المشكلات المماثلة. فلكل منا خصائصه. وأقصى ما أطمح إليه هو إثارة الانتباه. لا ننظر إلى البيت على أنه مجرد مكان للنوم واسترداد الطاقة لمواجهة الحياة خارجه. إن البيت هو المكان الذي نتخلص فيه من الصدمات التي نحملها من المجتمع. ولو لم يكن كذلك، لما تغنى به الشعراء منذ القدم. وكل آلة نفكر في إدخالها إليه، علينا أن ننتبه إلى ما ستحدثه من تغيير في علاقتنا به وبداخله. إن كان التغيير سيُيسّر حياتنا، فلا بأس. وإن كان العكس، فعلينا أن نروض الوسيلة إذا كانت قابلة للترويض. أما إذا كانت غير قابلة، فيجب رفضها. وقصتي هذه أهديها إليكم، أحبتي وأسركم، في كل مكان. إذا حل بينكم هجير ورمال، أو أرخبيل زلزالي، أو أتتكم برودة الأصقاع الشمالية من الكرة الأرضية، فاحذروا. واعتمدوا على أنفسكم وإبداعكم. فنخبنا بين «تيك» و «توك» ابتلعتهم «صحراء نيفادا»!
[موسيقى ختامية هادئة](…)
جاءتني زوجتي إلى خلوتي في الصالة.
أحبك.
قالتها بنبرة تختزل تراثنا العشقي العربي الذي خلد قصص الحب المبهرة شعرًا. ركزت بصري على وجهها الوضاء المتناغم مع شعلة الشمعة، فرأيت فيها ليلى قيس وليلى الأخيلية وقصيدة الليل يا ليلى. همست لها وأنا أحضنها:
أحبك حبين، كما أنشدت رابعة العدوية.
قالت معلقة على البرنامج الإذاعي:
نسى والد الضيف أن يوصيه وصية.
سألتها:
وما هي يا عزيزتي؟!
أجابت ونحن نتجه إلى غرفة نومنا:
كم من أرض قتلت جاهلها!





