مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

الإنسان المعاصر وسؤال الوجود والهوية-محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

رجل يرتدي نظارات شمسية وفستان شتوي، يقف أمام البحر في يوم مشمس.

١- أي منهج في عالم يتحول؟

عالمٌ يرتجّ ولا يهدأ. تلاطمٌ موجيٌّ صداميّ، يعلو ويخفت، لكنه لا ينقطع. عالمٌ يُمجِّد الإنسان ويقتله بفظاعة؛ يكتب مواثيق الحقوق ويمزّقها في الميدان؛ يرفع شعارات الحرية ويضيّق الخناق عليها؛ يعدُ بالكرامة ويُهينها في التفاصيل؛ ويتحدث عن العدالة ثم يُدير ظهره لها عند أول اختبار. يُجرِّم العنف ويمارسه بأشكال أكثر تنظيمًا، وبأدوات أشد فتكًا. مقاومٌ يكافح من أجل أرضه يُعاد توصيفه بسرديات الإرهاب، يُجرَّم ويُدان؛ والمعتدي يُعيد كتابة نفسه في خطاب الدفاع عن شرعية استيطانه.

في هذا العالم، إنسانٌ في المكان وليس فيه: جسدٌ حاضر ووعيٌ غائب. القريبُ قريبٌ في المسافة، بعيدٌ في المعنى؛ والبعيدُ بعيدٌ في الجغرافيا، أقربُ في التأثير. تواصلٌ بلا حدود، واغترابٌ بلا نهاية. شبكاتٌ تربط الجميع، والأرض تفصل بينهم. كلامٌ يتكاثر، وصمتٌ يتسع في الدواخل.

تحت سماءٍ مضطربة، يُعلن العالم المصالحة مع الطبيعة ويُمعن في تدميرها؛ يحميها بشعاراته ويستنزفها بممارساته. تتمدد المدن وتختنق البيئات. يتقدم الزمن التقني ويتراجع التوازن الطبيعي، حتى صار الإنسان يعيش الفصول الأربعة في يوم واحد: حرارة وبرودة، مطر وجفاف؛ استقرارٌ مؤقت، واضطرابٌ مفاجئ ومهول.

وفي عمق الاجتماع، قيمٌ تنشأ وأخرى تتشظى. ثوابتُ تُراجع، ومسلماتٌ تُفكك. أخلاقٌ تُرفع، وأخرى تُسقِطها الوقائع. علاقاتٌ تُبنى بسرعة وتنهار بسرعة أكبر. روابطٌ افتراضية تتمدد، وروابط واقعية تتقلص.

وفي قلب التحول، تُبدع الآلة وتتعلم وتقرّر. تتقدّم الخوارزميات وتتراجع الطمأنينة. عقلٌ بشري يتأمل، وعقلٌ آلي ينجز كل شيء لملايين المستعملين في وقت واحد، ويعرض النتائج بومضة برق. مخلوقاتٌ آلية تحل محل الإنسان، وأعمالٌ كانت حكرًا عليه تُنجز بدونه. عملٌ عن قرب وآخر عن بعد. مكتبٌ بلا جدران، ووظيفةٌ بلا موقع. زمنٌ متصل، وإيقاعٌ متفكك.

وفي السياسة، تتحول القوة إلى ابتزاز، وتُمارس الهيمنة باسم القانون، وتُعاد صياغة الأخلاق وفق موازين المصالح.

وفي الإدارة، تُدبَّر التفاصيل وتُفقد الرؤية؛ يُسيَّر اليومي ويغيب الاستراتيجي. تُعلن القرارات، وتتعثر الإنجازات. تتضخم الهياكل، ويتقلص الأثر. وفي أحوال الناس، غنىً فاحش، وفقرٌ ممتد؛ وفرةٌ في الإنتاج، وتمايزٌ واسع في التوزيع.

دولةٌ تتخلى عن أدوارها التي شكّلت شرط وجودها وتُسمّي ذلك تحريرًا؛ تنسحب وتُسمي ذلك إصلاحًا؛ تنخر من الداخل وتتحول إلى إدارة حراسة: قويةٌ في الشكل، هشةٌ في العمق؛ حاضرةٌ في الرمز، غائبةٌ في الفعل. تُوسّع أجهزتها وتُقلّص أثرها؛ تُشرّع ولا تُنفّذ؛ تُعلن ولا تُنجز؛ تُفرغ السيادة من مضمونها وتحتفظ بشكلها. دولةٌ تُدار من داخلها، وأخرى تُدار من خارجها؛ قرارٌ وطني وتأثيرٌ عابر للحدود. رأسمالٌ يُفترض أنه في خدمتها ويُعيد تشكيلها، لكنه يُحوّلها إلى خدومٍ مطيع. دولةٌ تدّعي أنها تقود السوق، والسوق يقودها. دولةٌ تبني، وأخرى تُفكّك؛ وثالثةٌ تُنتج القرار، وأخرى تستهلكه.

تبادلٌ تجاريٌّ صفريّ (رابح- رابح)، وآخر قائم على الابتزاز. سوقٌ مفتوحة، وأبوابٌ موصدة. تعاونٌ معلن، وصراعٌ مضمر. انفتاحٌ اقتصادي، وانغلاقٌ سياسي. حدودٌ تُلغى رقميًا، وتُشدّد ميدانيًا.

إمبراطورياتٌ كبرى تنفرط كحبات مسبحة، لا بتآمرٍ خارجي، بل من داخلها؛ تتفكك بهدوء. بلدانٌ تعود إلى الوراء لتقفز إلى الأمام؛ تتراجع لتتقدم، وتفكك ذاتها لتعيد بناءها. عظمةٌ مزهوة بقدرتها وبنظامها الدولي المتماسك وبمؤسساتها المتراصة، يُربكها كائنٌ فيروسي مجهري لا يُرى.

إنه عالم الصورة ونقيضها؛ عالمٌ يتجاور فيه كل شيء مع ضده، كل يقين مع ارتباكه، وكل معنى على حافة نقيضه.

ويتجدد السؤال بإلحاح: إلى أين نحن ذاهبون؟ أإلى تراجيديا كبرى تتراكم فيها المفارقات حتى تبلغ ذروتها، حيث القوة تحمل بذور انكسارها، والوفرة تُفضي إلى فراغ، والتقدم يوقظ أشكالًا جديدة من العجز؟ أم أنه يمضي نحوهما معًا، حيث تتقاطع الدراما مع التراجيديا في مسرح كوني تتداخل فيه الأدوار، فلا يعود الإنسان مجرد فاعل في الحكاية، بل يصير في الآن نفسه كاتبها وضحيتها؟ عالمٌ يكتب مصيره بيديه ويفلت منه في الآن ذاته؛ يبحث عن خلاصه في أدواته ويعيد إنتاج مآزقه عبرها. فهل نحن بإزاء زمنٍ يختبر فيه الإنسان حدود ذاته، أم زمنٍ ينكشف فيه عجزه عن امتلاك ما صنعه؟ أم أن ما يحدث ليس إلا طورًا من أطوار التحول، حيث لا تكون الدراما ولا التراجيديا نهاية، بل ممرًّا قاسيًا نحو تشكّل معنى آخر لم تتضح ملامحه بعد؟

تتباين المواقف؛ كأن العالم لا يُرى من زاوية واحدة، بل من شظايا متفرقة لمرآة مكسورة. جماعاتٌ تتهم العالم بالجنون فتنكفئ، ثم تنسحب إلى الداخل؛ تُغلق منافذها وتُطفئ أسئلتها، كأن العزلة خلاص، وكأن الانسحاب نجاة من صخبٍ لا يُحتمل. وجماعاتٌ تُحمِّل «مركب الآلة» وزر ما يحدث؛ ترى في هذا الامتداد التكنولوجي اغترابًا مُضاعفًا، فتميل إلى نجوى الطبيعة، إلى جمالها الصامت، إلى إيقاعها الهادئ الذي لم تفسده السرعة، كأنها تبحث في الأصل عن توازنٍ مفقود. وجماعاتٌ تُدين الساسة، ترى فيهم صُنّاع الاختلال ومهندسي الفوضى؛ وأخرى تُدين المال، ترى فيه القوة الخفية التي تُعيد تشكيل العالم وفق منطقها الخاص، فتختزل المعنى وتُعيد ترتيب القيم، ثم سرعان ما تعصف بها. وتتوزع الاتهامات بين عالمٍ مختل، وآلةٍ جارفة، وسلطةٍ مضطربة، ورأسمالٍ مهيمن.

لكن الحقيقة التي تظل تتوارى خلف هذا كله، أن العقل ذاته، أمام هذا التسارع المذهل، تغشاه ضبابية الرؤية؛ يتردد بين الفهم والعجز عن الفهم. يمسك بالخيط ثم يفلت منه؛ يقترب من المعنى ثم يتشظى بين يديه. فلا العالم يُختزل في جنونه، ولا الآلة تختزل كل الحكاية، ولا السياسة ولا المال وحدهما مفاتيح التفسير؛ بل إن ما يحدث أعمق: حيث يقف العقل على تخوم مرحلة جديدة لم تتشكل مفاهيمها بعد، ولم تستقر أدوات إدراكها؛ فيحاول أن يرى بأدواتٍ لم تعد كافية للرؤية، فلا ينتج سوى اختزالٍ يعصف بالشمولية.

وفي خضمّ هذا الضباب الكثيف، حيث تضطرب الرؤية وتختلط المسارات، تتكاثر الطفيليات في الهوامش، وتنشط فلسفات البؤس، وتجد فكرة «موت الإنسان» بريقها، كما تجد أطروحات تفكيك الإنسان عن إرادته أريجها المضلِّل.

تنزلق نخبٌ نحو بريق الإعلام والسلطة والمال؛ تُغريها الواجهة وتستنزفها الصورة. بينما تختار نخبٌ أخرى المنفى الإرادي، تلوذ بالصمت أو بالمسافة، وتترك عامة الناس يسندون ظهورهم إلى الحائط، يواجهون ثقل التحولات دون عُدّة كافية للفهم.

وفي هذا المشهد المرتبك، يبدو السؤال عن المصير مشروعًا؛ لكن الأشد إلحاحًا هو ما يتوارى خلفه. فالعقل، حين تعترضه حالة انحباس، لا يكتفي بأن يسأل: إلى أين أخطو؟ بل يرتدّ إلى ذاته بسؤالٍ أعمق: كيف أخطو؟ كيف أفكر؟ بأي أدوات أُدرك؟ وبأي مناهج أُمسك بخيوط هذا العالم المتشظي؟

هنا، لا يكون الخلل في الطريق وحده، بل في أدوات السير نفسها. ومن هذا المنعطف، يبدأ العقل في إعادة تقييم ترسانته المعرفية؛ يفكك أدواته القديمة، ويبحث عن بدائل أكثر قدرة على الإحاطة، وأكثر مرونة في الفهم، وأكثر نفاذًا إلى تعقيد الواقع.

ولعلّ تاريخ البشرية، في مسيرته الطويلة، ليس إلا سجلًا متراكمًا لهذه المراجعات؛ حيث لم يتقدم الإنسان فقط عبر الأفكار، بل عبر تجديد طرائق التفكير ذاتها، عبر صقل المناهج وتدقيقها وتجاوزها. حتى غدت المناهج نفسها موضوعًا لعلم متخصص، يراقبها ويفحصها ويعيد بناءها، فأبدع التاريخ الفكري ما سمي ب «الميتودولوجيا».

ومن ثمّ، فإن الاكتفاء بسؤال: إلى أين يمضي بنا هذا العالم؟ يظل سؤالًا أعزل، إن لم يُسند بسؤالٍ موازٍ: كيف نشحذ العُدّة المناسبة للفهم؟ كيف نُنتج أدوات رؤية قادرة على استيعاب هذا التحول؟ كيف نبني مشروعًا معرفيًا لا يكتفي بوصف العالم، بل يُمكّن من فهمه، ويؤسس لوعيٍ يُوجّه السلوك، ويُعين على اتخاذ قرارات ناضجة في كل مناحي الحياة؟

غير أن كل ذلك لا يستقيم، ولا ينهض على أرض صلبة، ما لم تُحسم الخطوة الأولى قبل كل خطوة: سؤال المنهج. أيُّ منهجٍ نختار؟ وبأي عقلٍ نقرأ؟ وأيُّ زاويةٍ نعتمد لالتقاط نبض هذا العالم المتحوّل، وإيقاع هذا النبض؟

هنا يتفرّع السؤال، ويتعمّق: أَنَعتمد زاويةَ التخصّص، كما استقرّت في المقاربات العلمية الحديثة، حيث تُجزّأ الظواهر وتُدرس في حدودها الدقيقة، ويُطلب الإحكام عبر الضبط والاختزال؟ أم نميل إلى زاوية الشمولية البنائية، التي تربط جدليًا بين سيميائية العلامة والدلالة، بحثًا عن ناظمٍ جامع، يُعيد ترتيب العناصر داخل نسقٍ دلالي يتراوح بين الكلّي والجزئي، ذهابًا وإيابًا؟

إن الأمر لا يتعلّق باختيارٍ تقنيٍّ بين منهجين، بقدر ما هو رهانٌ على نمطٍ في الرؤية: رؤيةٍ تكتفي بالتقاط المفرد في عزله، أم رؤيةٍ تسعى إلى وصل المفرد بما يتجاوزه، في أفقٍ رؤيويٍّ يقتنص الحبة، لا ليثبّت معناها في حدودها، بل ليربطها بأختها في خيط، يحوّل دلالة المفرد إلى معنى العقد، أو إلى نظام المسبحة.

فالحبة هي حبة في ذاتها ودلالتها، ولا تصير جزءا من عقد أو مسبحة إلا إذا تجاورت مع مثيلاتها في الشكل والمعنى.. ذلك أن الحبة، وإن كانت قائمةً بذاتها شكلًا ودلالة، فإنها لا تصير جزءًا من عقدٍ أو مسبحة، إلا حين تدخل في علاقة انتظام مع مثيلاتها؛ حيث لا يعود المعنى حبيس المفرد، بل يتولّد من التآلف، ومن نسق الترتيب، ومن خيطٍ خفيٍّ يربط الأجزاء إلى كلٍّ يتجاوزها، دون أن يُلغي فرادتها. ولتحقيق ذلك، فلا مناص من الشمولية البنائية العابرة للتخصصات لبناء الرؤى.

———

(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading