هل تكفي ثمانية أيام لتعديل جغرافيا العمر؟ – محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

لا أرتاد مقهى «ليناس» بحثًا عن الناس، بل هربًا نحو تخوم خلواتي.. وأحيانا يحملني الهروب بحثا عن نفسي حين تضيق بي.
في الجهة الشرقية لجارة وادينا- القنيطرة- بحي أزهرون، تمتد هذه المقهى كفاصلٍ زمنيٍّ بين ما كنته وما يمكن أن أصير إليه. فضاؤها الواسع يمنح الجالس إحساسًا بأن اختناق ملتقى الطرق يخفّ قليلًا، خاصة في الصباحات. أما واجهتها الزجاجية فهي منفتحة على شارعٍ طويل ينحدر شمالا في اتجاه نهرنا العظيم- سبو- عند استدارته. إن هذه المقهى تبدو لي وكأنها نافذةً أراقب- من موقعها- زمني وهو يسير، لا زمن المدينة وحدها.
هناك، أشعر أن جارة وادينا تمضي، بينما أبقى شاهدًا على عبورها، أراقب المارة وهم يسيرون على أقدامهم أو على ظهور مركباتهم، كأنهم فصول قصيرة من سيرةٍ كبرى لا يعرف أحد منهم خواتمها.
طقسي الصباحي لا يتغير: فنجان قهوتي لتعديل المزاج، سيجارتي الأولى لتصفية ما تبقّى من عتمة الليل، ودفتر صغير أدوّن فيه ما يتفتّق في رأسي من أفكار. بعضها يولد مكتمل الهيئة، وبعضها يتلاشى قبل أن يتعلّم التنفس. ما يولد أعمل على تحويله إلى نصّ فكري أو إبداعي، وما يتبخر أتركه يعود إلى العدم الليلي الذي جاء منه. أغادر المقهى- عادة- قبل الزوال بساعة أو ساعتين، ولا أعود إليها إلا في صباح اليوم الموالي، وفي التوقيت نفسه تقريبًا. أقدر بأن الأماكن- مثل الذاكرة- لها أوقات صفائها وأوقات ضجيجها، وأنا كنت أبحث عن الصفاء لا غير!
(…)
في صباح اليوم الأول من تلك الأيام الثمانية، جلس قبالتي رجل لم أره من قبل. لم يستأذن في الجلوس، لكنه جلس بهدوء من يعرف أن بعض الأمكنة تختار روّادها. كان ينظر إلى الشارع نفسه الذي كنت أحدّق فيه، كما لو أنه يحاول أن يستعيد شيئًا ضاع عند منعطفٍ بعيد. تبادلنا جملة عابرة عن الطقس، وأخرى عن حركة الشارع. كان كلامه مقتصدًا، لكنه من نوع الكلام الذي يترك خلفه أثرًا أطول من الجملة نفسها. عرّفني بنفسه:
-رشيد.
أجبت:
-محمد.
(…) اليوم الثاني:
في صباحه، وجدته جالسًا قبلي هذه المرة، يحتل المقعد المقابل كما لو أنه كان ينتظر استمرار جملةٍ لم ننهها بالأمس. ألقى تحية مقتضبة، ثم عاد ينظر عبر الواجهة الزجاجية نحو الشارع.
أشار إلى النهر البعيد، وقال بنبرة أقرب إلى حديثٍ مع ذاته:
-إن الأنهار تشبه الذاكرة؛ لا تحتفظ بالماء نفسه، لكنها تحتفظ بالشكل الذي مرّ فيه الماء.
أدركت أنه لا يتحدث عن سبو وحده، بل عن الزمن الذي يترك آثاره فينا حتى حين نظن أننا تجاوزناه.
أجبته:
-إن المدن أيضًا تفعل ذلك؛ تغيّر وجوهها، لكنها تترك داخلنا خرائط سرية لا تمحوها السنوات.
التفت نحوي بتركيز، كأنه يختبر المسافة بين ما قلته وما شعرت به.
ذكر عرضًا حيًّا قديمًا عاش فيه طفولته، وقال معلقا:
-إن البيوت هناك لم تكن متماسكة في بنائها، لكنها كانت متماسكة في قلوب ساكنيها.
أخبرته:
-أعرف تلك البيوت التي كانت الجدران فيها هشة: قش وقصدير وأخشاب.. لكن العلاقات داخلها كانت أكثر صلابة من الإسمنت.
وانتهى الحديث دون أن ينتهي معناه. لأنه نهض مودّعًا بإيماءة خفيفة، تاركًا في داخلي إحساسًا بأن اللقاء القادم لم يعد احتمالًا بل امتدادًا ضروريًا.
(…) اليوم الثالث:
بدأنا نختصر الحكايات أكثر. كان يكفي أن يشير إلى اسم حيٍّ قديم حتى تتصاعد في رأسي رائحة البيوت المشكّلة من التهميش، أو أن أذكر له اسم معلّمٍ من زمن مضى، فيبتسم ابتسامة من عاش الحكاية أو كاد. لم يكن التلاقي في الوقائع وحدها، بل في طريقة سكناها بداخل كل منا.
(…) اليوم الرابع:
بدا حديثنا أكثر هدوءًا، لكنه أكثر عمقًا. جلسنا بصمتٍ أطول من المعتاد، كأن العلاقة كانت تنتقل من مرحلة التعارف إلى مرحلة الإصغاء.
سألني:
-هل تكتب لتتذكر أم لتنسى؟
لم يكن السؤال استفسارًا بقدر ما كان محاولة لفهم المسافة التي أضعها بيني وبين حياتي عبر الكتابة.
أجبت:
-الكتابة في فهمي لها، تشبه إعادة ترتيب الفوضى، لكنها لا تُلغيها، بل تمنحها شكلًا يمكن احتماله.
ابتسم ابتسامة قصيرة، وقال:
-إن الإنسان لا يبحث في الآخرين عن التشابه في الأحداث، بل عن التشابه في طريقة تحمّلها.
شعرت أن الجملة كانت اعترافًا غير معلن بأن شيئا ما يجمعنا دون أن نسمّيه. تحدّث عن علاقاته القديمة بصيغة توحي بأنه كان يقيس المسافات بينه وبين الناس بدرجة قدرتهم على الصمت معه لا على الكلام.
أخبرته أنني كنت أظن الصمت فراغًا، قبل أن أكتشف أنه أحيانًا يكون أكثر امتلاءً من اللغة.
مرّ صمت قصير بدا أطول من زمنه الحقيقي. كان صمتًا مريحًا، كأننا اختبرنا فيه إمكانية أن تستمر لقاءاتنا القصيرة دون أن تحتاج إلى تبرير وجودها.
وقبل أن يغادر، قال:
-إن بعض العلاقات لا تُبنى على ما نعرفه عن بعضنا، بل على ما نشعر أننا كنّا سنعرفه لو كان اللقاء منذ زمن بعيد.
(…) اليوم الخامس:
بدأت أحدس أن «ليناس» نفسها أصبحت كائنًا ثالثًا في لقاءاتنا الخاطفة. المقاعد، والواجهة الزجاجية، ورنين الملاعق في فناجين القهوة، كانت تكسر صمتنا أكثر مما تشاركنا الكلام. شعرت أن المكان يحتفظ بآثار جلوسنا كما تحتفظ الأرض ببصمات العابرين حتى بعد رحيلهم.
(…) اليوم السادس:
لم أسأله عن تفاصيل كثيرة، ولم يسألني. ومع ذلك، بدا لي أننا كنّا نستعيد عبر كلمات مقتضبة حيواتٍ كاملة. كان يلمّح إلى طفولةٍ بعيدة، فأستحضر طفولتي كأنها تستيقظ على صوته. كان يذكر ما علق بذاكرته من أزقة أو مدارس قديمة أو وجهًا من وجوه جارة وادينا من ماضيها البعيد، فتفتح ذاكرتي المشهد ذاته ولكن من جهةٍ أخرى، كأننا عشنا العمر نفسه على ضفّتين مختلفتين من النهر ذاته.
(…) اليوم السابع:
اقترب حديثنا من تخوم الاعتراف. لمح رشيد، دون أن يلتفت نحوي، أن بعض الصداقات لا تحتاج إلى زمن طويل، بل إلى لحظة صفاء تعترف فيها الروح بقرينها. أجبته بأن بعض اللقاءات تتأخر في العمر، لكنها تبدو كأنها كانت تنتظرنا منذ الصرخة الأولى التي أعلنّا بها حضورنا في هذا العالم. بعد ذلك، سكتنا طويلًا، وكأن الجملتين كانتا توقيعًا على عهدٍ لا يحتاج إلى شهود.
(…) اليوم الثامن:
وصلت إلى «ليناس» في التوقيت المعتاد. وضعت دفتري على الطاولة، طلبت قهوتي، وأشعلت سيجارتي الأولى. نظرت إلى المقعد المقابل لي، فوجدته فارغًا. لم أقلق. قدّرت أن الزمن ربما تأخر عنه قليلًا. انتظرت حتى انتهيت من قهوتي. لكن المقعد ظل فارغًا.
عدت إلى البيت وأنا أشعر أنني لا أحمل صدى تلك اللقاءات، بل أحمل مرايا رأيت فيها وجهي كما لم أره من قبل. حاولت أن أستعيد ملامحه بدقة، فكانت تتلاشى كلما اقتربت منها، بينما ظل صوته حاضرًا في ذاكرتي، يختصر الحكايات ويترك صداها ممتدًا.
(…) وبعد أيام:
رنّ هاتفي. كان صوت رشيد هادئًا كما عرفته. أخبرني أنه عاد إلى حياته في الديار الفرنسية، وأن السفر- كما قال- ليس انتقالًا في الجغرافيا بقدر ما هو اختبار لما يبقى في القلب بعد الرحيل.
منذ لحظة هذا الاتصال، استمرت لقاءاتنا عبر الهاتف. كنّا نقتنص الدقائق نفسها التي كانت تجمعنا في «ليناس»، نتحدث قليلًا ونترك للصمت بعد انتهاء المكالمة أن يُكمل الحكاية.
فاكتشفت أن بعض الصداقات لا تحتاج إلى مكان لتستمر، لأن مكانها الحقيقي يسكن في طبيعة اللغة التي يتقاسمها قلبان. حتى لو لم تكن اللقاءات سوى لحظات، وامتدادها الحي لا يتجاوز بضعة أيام! وأن مثل هذه الطينة من العلاقات يمكن أن تعدل جغرافيا العمر أحياناً!
لم أكن وحدي من تعدلت خرائطه. فرشيد أيضًا عاد إلى فرنسا وكأن تلك اللقاءات القصيرة بيننا أعادت ترتيب جهاته الداخلية. أخبرني بعد عودته إلى فرنسا بأنه تقدّم فورا إلى مباراةٍ كان يؤجلها، لتعلّم قيادة حافلة.. كما لو أنه يتدرّب على قيادة زمنه الخاص من جديد. وحين نجح، هاتفني بصوتٍ يبتسم أكثر مما يتكلم، وقال:
-بعض العلاقات لا تطيل البقاء في الوقت.. لكنها تطيل البقاء فينا.
ثم صمت قليلًا، وأضاف:
-أحيانًا يكفي أن يعبرنا إنسانٌ واحد.. لكي لا نعبر العمر بالطريقة نفسها. وهذا ما حصل لي معك!
أما أنا، فقد أضفت لنفسي بعد أن أغلقت الهاتف:
-بعض الصداقات الحقيقية لا تُقاس بطول زمنها، بل بقدرتها على أن تغيّر اتجاه السير!



