حِراسَةُ وَعْيٍ مِنَ العَمَى – محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

-ليلة أولى من زمن بعيد:
(مِشْنَقَةِ السُّؤَال..)
هذه الجملة ليست من توليفي. أول علاقة لي بها أتتني من روائينا العظيم حنا.. أذكر إن لم تخنِّي الذاكرة، أنني قرأتها- ربما- في كتابة «هواجس في التجربة الروائية».. وعلى الأرجح قرأتها في ليلة من ليالي الثمانينات من القرن الماضي.. وما بقي عالقا في ذاكرتي بوضوح الشمس في هجير يوم صيفي أنني حدست في الجملة شحنة رمزية كثيفة، وليست مجرد زينة لغوية: فسرتها في فهمي وتمثلي كأداة تفكير في طبيعة الوعي و علاقته بتحول البيئة.
-كيف تفتق في دماغي هذا الفهم؟-سؤال مشنقة جديد الآن يضعني فيه دماغي الأهوج..
قلت ذلك لصورتي المنعكسة في المرآة أمامي. ثم رحلت عبر متوالية من الاستفهامات الإنكارية لا لأشنق نفسي، بل لأقودها نحو التحرر:
-أوليس السؤال لحظة اختبار للصدق؟-أوليس السؤال لحظة قوة دافعة نحو التحول؟-أوليس السؤال لحظة بحث عن حرية مفقودة؟-أوليس السؤال لحظة صدام داخلي بين الأنا وصورتها المنعكسة في المرآة؟-أوليس السؤال قيادة نحو لحظة ملامسة الرؤى؟-أوليس السؤال لحظة توتر الوعي بين الشك واليقين؟ بين المسؤولية أمام الحقيقة؟ بين الألم المعرفي والنضج؟ وهل الحرية المفقودة تولد من الجرأة أم من الخضوع؟
وعبر هذه الكوكبة من «مشانق السؤال» الإنكارية وقفت بدماغي على حافة هذا المشروع في الفهم والتمثل: «مشنقة السؤال» استعارة عن اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن المعرفة ليست طريقًا آمنًا، بل مغامرة تتطلب شجاعة الوقوف أمام الاستفهام دون خوف من نتائجه!
وأنا أستعيد تلك الليلة من ذاك الزمن العيد، تشجعت الآن. فاستأذنتُ صورتي المنعكسة في المرآة أمامي:-هل أواصل حكاياتي مع زمني الاستفهامي؟ أجابتني صورتي المنعكسة، بتهكم مبطن بدا لي عبر ردها على سؤالي بسؤال، وهي تصدر ضحكات رددت صداها حيطان غرفتي:-وما المانع آ سي الفيلسوف الذي يحار في الحصول على خبزة؟!
تماسكت لان الأمر جدي، وليس لي من وقت للمزاح..
(…)
-ليلة ثانية من زمن مضى:
(زاوية الغرفة.. وسؤال المكان..)
منكفىء في زاويتي من غرفة الجلوس. لا أختار هذه النقطة المكانية صدفة. هذه الزاوية تمنحني ظهرًا يحتمي بالجدار، وعينًا تمتد نحو النافذة، ويدًا تصل إلى الطاولة حيث تستريح لوحتي الإلكترونية.
لكنني لا أستطيع دفع شعور ضيق المكان بي.. أو ربما أنا الذي يتّسع أكثر مما يحتمل مكان وجودي. حين ألمس الشاشة، أخرج من الزاوية دون أن أنهض منها. أغادر الجدران، وأدخل فضاء بلا سقف وبدون حدود. ينتابني شعور مناقض تماما:- الخفة الغريبة، كأنني أتحرّر من ثقل الموضع رغم أني لا أحمله على كلتا كتفي، بل هو الذي يحملني بقدر ما يضمني!
بعد برهة زمنية قصيرة، لاحظت أنني كلما خرجت من موقعي المكاني، أفقد شيئًا من إحساسي بالجلوس فيه! فتصير زاوية انكفائي مجرد نقطة تنتظر.. بدل أن تكون موطنًا لوجودي المرجعي الحي.
أنهض. أقف أمام المرآة المعلقة بجانب باب الخروج. أنظر إلى صورتي، وأهمس دون أن أزعج زوجتي:-هل أهرب من مكاني.. أم أهرب من نفسي حين تكون في هذا المكان الحي؟
أفكر لعلني أفهم. فيتفتق السؤال ليعد لي مقصلته نكاية:- ألا أنفي ضيق المكان عبر فضاء لوحتي الإلكترونية؟-ألا أقترب من نفي إحساسي بالانتماء إلى مكاني؟
أعود إلى الزاوية، أجلس فيها ببطء، و كأنني أكتشفها من جديد. لحظتها ينفتح أمام بصيرتي هذا الفهم كمشروع فهم:-ربما لا يضيق المكان.. بل ينتظر أن أعود إليه واعيًا.
(…)
-ليلة ثالثة من زمن مضى:
(صوت الزوجة.. وسؤال القرب..)
تناديني زوجتي من المطبخ. أجيبها دون أن أرفع عيني عن الشاشة. يصل صوتها إليّ، لكنه يمرّ بصعوبة عبر طبقة ثلجية سميكة تشكلت من الانشغال المندمج في خضم ضوء أثيري. أشعر فجأة أنني حاضر وغائب في اللحظة نفسها. أتحدّث مع العالم، وأكاد أفقد الحوار مع أقرب صوت إلى حياتي.
أنهض. أقف أمام المرآة:-هل أبحث عن الآخرين، لأنني بدأت أفقد القدرة على التفاعل الحي والدافىء بمشاعر الحب والعشرة.. مع من يعيشون معي وأعيش معهم، وهم الأقرب، وفي مقدمة هؤلاء جميعا: زوجتي؟!
أعود إلى الزاوية من جديد، أجلس فيها ببطء من جديد، و كأنني أكتشفها مرة أخرى و من جديد. لحظتها ينفتح هذا الفهم في مداركي كمشروع فهم:
-عندما أنفي بغير وعي العلاقات القريبة بشبكة واسعة من التواصل، أقترب من نفي دفء القرب نفسه.
أمد أصبعي أعود إلى شاشة لوحتي لأغلقها قليلًا. وأستمع لصوتها وهي تتحدث دفاعا عن نفسها. فأشعر من دون أن أستطيع تفسير ذلك بعقلي لعقلي:-ألا تملك الكلمات القريبة وزنًا وشحنات حرارية لا تمنحهما المسافات!
(…)
-ليلة رابعة من زمن مضى:
(ساعة الحائط.. وسؤال الزمن..)
أسمع صوت ساعة الحائط بجانب المرآة. كانت قديمًا تقيس يومي. الآن، تقيسني أنا، وليس زمني المتصل كإحساس!
داخل الشاشة، الزمن لا يمشي. الزمن يتكاثر. أتنقّل بين أخبار الأمس وصور اللحظة وتوقعات الغد في الدقيقة نفسها. أشعر أنني أمتلك الزمن.. لكنني لا أستطيع الإمساك بأي لحظة منه.
أتوقف. أتجه نحو المرآة.-هل أصبحتُ أسرع.. أم أصبحتُ مشتّتًا ومتشظيا بين أزمنة لا تعيش في دواخلي معي وأعيش في سيرورتها دون أن أكون جزءا منها؟!
أعود إلى الزاوية هذه المرة ، أجلس فيها ببطء إرادي من جديد، و كأنني أكتشفها مرة رابعة و من جديد. لحظتها ينفتح هذا الفهم في مداركي كمشروع فهم يحتاج إلى كثير من التعليل وسيل جارف من القرائن:-ألا أنفي بطء زمني الحسي في واقعي المرجعي الحي، وأنا أدخل زمنًا سريعًا، يسرق مني عمق تجاربي الحياتية؟! أعود إلى الساعة. أتابع حركة عقربها البطيئة. أشعر أن البطء ليس تأخرًا، بل فرصة -ربما- للمعنى كي يتكوّن.
(…)
-ليلة خامسة من زمن مضى:
(الكتاب.. وسؤال نفي النفي..)
تركتُ اللوحة، وقمتُ لأتفقد حمّالة كتبي. كانت تضيق بأجود الأبحاث الفكرية وأروع الإبداعات القصصية والروائية والنقدية واللغوية.. الكثير منها يحيلني على حيوات أصحابها وهم يقتطعون من أعمارهم بسخاء لخط الكتب وطبعها.. أساتذة أجلاء ما بخلوا وما بدلوا تبديلا.. منهم عرب ومنهم عجم .. ومنهم أوائل ومنهم لاحقون، وآخرون إما عاصرتهم، أو كنت قريبا من عصورهم.. أنظر إلى الحمّالة، فأجدها تكاد تكون فارغة.. بضعة كتب مصطفة على رف يتيم. تبدو كآخر جنود تقاعدوا من حرب المعرفة. أمدّ يدي إلى واحد. أتأمل غلافه وأوراقه. ألمسها. فأشعر بخشونة خفيفة تشبه ذاكرة ملموسة. أعود إلى الشاشة. وبنقرة واحدة تطلع آلاف الكتب الرقمية التي تظهر في لحظات وجيزة. أفهم أو أكاد أفهم، لماذا وكيف ضاعت كتبي في غفلة مني خلال عمري البالغ تسع سنوات من التعاطي مع لوحتي. أشعر بنشوة الوفرة، ولا أستطيع دفع الحزن والأسى على ما تبقى مما تبقى من كتبي التي علمتني كيف أمسك بتلابيب إنسيتي.. أتذكر ذلك الحماس المندفع، وأنا أقتسم رغيف أسرتي مع عالم الكتب، رغم ضنك الحال وقساوة عيشي! لكن الشعور بالنشوة أمام الوفرة لا يمنحني ذلك العبير الذي أشمه وأنا أتنقل بين النصوص، لأنني لا أسكنها! كنت مع النصوص الورقية أخال نفسي وسط نبتة حلالة وهي تزين حقول الضواحي بمدينتي، ومعي روعات الفراشات الحائرة وهي تطير وتحط، وتطير ثم تحط، دون أن تستقر على تيجان المعنى!
أتجه نحو المرآة. لأسألني:-هل أنفي محدودية الكتاب الورقي فقط، أم أنني أنفي معها أيضا علاقتي الحميمة بالقراءة نفسها وبالشوق الجارف نحوها وبمشاعر الزهو وأنا في غمارها؟!
أعود إلى الزاوية، لحظتها ينفتح هذا الفهم في مداركي كمشروع فهم ليس إلا:-الكتاب الورقي يفرض عليّ بطئه، والبطء يمنحني فرصا كثيرة للتعمّق. أضع الكتاب على الطاولة. فأشعر من دون تعليل، أنه لا يطالبني بالعودة إليه.. بل ينتظرني فقط.
(…)
-ليلة سادسة من زمن مضى:
(الصفحة.. وسؤال القراءة..)
أقرأ كثيرًا الآن- نعم. أقرأ أكثر من أي وقت مضى- نعم. مقالات، تعليقات، شذرات، أخبار، معلومات، كتب بحثية، كتب إبداعية.. أتابع صورا، فيديوهات، أفلاما، مسرحيات، نكتا، شتائم، احتجاجات، مطابخ من مختلف الثقافات، أماكن مذهلة في مختلف القارات.. وسيل جارف من التفاهات وبأرقام فلكية لا تتوقف..
لكنني:
لا أستطيع دفع هذا الإحساس بأن القراءة أصبحت تعبر بي بسرعة البرق فوق المعاني، ولا تمنحني الإقامة بداخلها.
أقف أمام المرآة.-هل أبحث عن المعرفة؟ أم أهرب من مواجهة فكرة واحدة حتى نهايتها؟
لذلك:
أكاد أدرك بأنني حين أنفي محدودية القراءة العميقة عبر القراءة المتعددة، أفقد القدرة على الإنصات للنص. أعود إلى كتاب مفتوح. أقرأ صفحة واحدة ببطء. أشعر أن الصفحة تصبح مكانًا.. لا مجرد معلومة.
أسأل صورتي المنعكسة:-كيف لي أن أحظى بالتوازن الدقيق بين نفي الضد لضده، والعكس، دون أن أضيع؟
(…)
-الليلة السابعة من زمن مضى:
(الكتابة.. وسؤال النص..)
أكتب بسهولة الآن. الكلمات تنساب بسرعة مذهلة. أستطيع أن أحذف وأعيد وأعدّل بلا خوف. لكنني أشعر أحيانًا أن النص أصبح سريع التشكّل وسريع التلاشي في الآن نفسه. أقف أمام المرآة.-هل أصبحت أكتب أكثر.. أم أصبحت أكتب دون أن أعيش ما أكتب؟
أكاد أدرك أن سهولة الكتـابة على لوحتي، تنفي الخوف من بياض الصفحة، لكنها قد تنفي رهبة الكلمة أيضًا. أبطئ الكتابة. أترك الجملة تنضج قبل أن أدوّنها. ومع ذلك، لا أسترد الخوف عبر الحياد البياضي مثلما لا أسترجع رهبة الكلمات!
(…)
-الليلة الثامنة من زمن مضى:
(ذاكرة اللوحة.. وسؤال التوثيق)
كل شيء محفوظ: الصور، الملاحظات، النصوص، الرسائل.. وكل أنشطتي على اللوحة، بل حتى ما ألغيه يُحفظ ضمن خانة المرفوضات، وإن احتجه أسترده بنقرة.. أشعر أن ذاكرتي أصبحت بلا حدود. نعم. لكنني ألاحظ أنني أقلّ قدرة على التذكّر. فيوما بعد يوم، وليلة بعد أخرى، أفقد بعضا من قدراتي التي كانت تنشط أعصاب ذاكرتي! فأسأل نفسي بيني وبينها:-هل سلّمت ذاكرتي إلى آلة لا تنسى.. لأنني أنسى أكثر؟! أم الآلة سلبتني من ذاكرتي لأنسى أكثر؟!
أقف أمام المرآة. وأسأل صورتي أمامي بالصوت المسموع لا بالهمس:-هل أوثّق حياتي.. أم أبتعد عن عيشها ما دمت أكتفي بحفظها؟!
أكاد أدرك أيضا وبهذا الخصوص:- أن التوثيق حين يصبح بديلاً عن التجربة، يتحوّل إلى أرشيف بلا روح. أترك عمدا بعض اللحظات تمرّ دون أن ألتقطها. فأشعر بالفعل، أن الذاكرة الحيّة تبدأ حيث ينتهي التسجيل.
(…)
-الليلة التاسعة من زمن مضى:
(النشر.. وسؤال الظهور..)
أنشر نصوصي بضغطة زر. تصل إلى أماكن لم أتخيّلها يومًا. أشعر أنني حاضر في فضاءات كثيرة. لكنني ألاحظ أن النص حين يخرج سريعًا.. قد لا ينضج بما يكفي ليعود إليّ.
أقف أمام المرآة.-هل أبحث عن أن أُقرأ؟ أم أبحث عن أن أقول ما يستحق القراءة؟
أدرك أن النشر السريع ينفي عزلتي، لكنه قد ينفي صبر النص على الاكتمال. أترك بعض النصوص تنتظر عمدا. فأتعلم أن الصمت جزء من الكتابة.
(تعليقات القارئ.. وسؤال التفاعل)
تصلني تعليقات كثيرة. إعجابات، ردود، حوارات. أشعر أن النص صار حيًا بين الناس. لكنني ألاحظ أن التفاعل السريع قد يدفعني أحيانًا إلى الكتابة لإرضاء التوقّع، لا لقول الحقيقة.
أقف أمام المرآة للمرة الأخيرة.-هل أتحاور مع القارئ؟ أم أبحث عن صورتي في عينيه؟
أدرك جيدا، هذه المرة، أن القارئ ليس مرآة أرى فيها نفسي، بل أفق أختبر فيه صدق نصوصي. فالتفاعل يمنح الحياة للكلمة.. لكنه لا يجب أن يكتبها بدلًا عني.
(…)
-الليلة العاشرة: الآن!
(المشروع ونفي النفي)
أعود إلى زاويتي. أنظر إلى الشاشة، ثم إلى الكتب، ثم إلى المرآة. أفهم أن كل ما عشته لم يكن صراعًا بين عالمين.. بل سلسلة من النفي الذي يقود إلى نفيه. كل انتقال كنت أظنه تحرّرًا مطلقًا، كان يعلّمني أن الحرية لا تولد بالهروب من شيء أو أمر.. بل من الوعي بهما. أشعر أن السؤال لم يعد فخًا.. لم يعد مشنقة.. بل أصبح طريقًا.
أدوّن أول سطر في مشروع رؤيتي:
-إن الإنسان اليوم لا يعيش بين الواقع والافتراض، بل يعيش بين غياب الوعي.. ويقظة السؤال. ثم أنظر إلى صورتي في المرآة، وأدرك أن المشانق التي كنت أخافها لم تكن إلا أسئلة تنتظر أن أتعلّم الوقوف تحتها دون خوف.
(…)
ليالي المقمرات: بعد الآن!
سأهمس لنفسي كل ليلة قبل بدء العمل:-ليست الأسئلة هي التي تشنق رقبة عقل الإنسان.. بل الهروب من النظر في عيون الأسئلة، هو الذي يحول الحبل إلى مقصلة تكنولوجية سريعة البتر! فتحدث ما يسمى ب:
الموت الرحيم!





