مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

بين حبر و بحر.. محمد الجلايدي- المغرب

5E0377D6 E4EB 11EC 811C 0EEA65513999

كان الصبح نديا وهو يتحرك راقصا على إيقاع زمنه اليومي. أما قرص الشمس المتوهّج، فقد أخذته حركته نحو التموقع في قلب قبة السماء الزرقاء. البحر بمدِّه يندفع بحركته إلى الأمام ، ليغمر أقصى مدى لليابسة بجواره. سرب من طيور الكروان يتحرك مغادراً مضجعه شمال الشاطئ متوجها إلى المرجة الزرقاء، بحثا عن المأكل في مكان آمن فيها. وأنا أيضا أتحرك بخطو بطيء على رمال الشاطئ وقد اشْقَـرَّ لونها بفعل التفاعل الضوئي..

انسلت الغيوم السوداء من دواخلي لتغادر، فغمرني الهدير بالطرب! تحركت دواخلي لتنفصل عن حال وتتصل بحال مناقض تماماً. وعلى إيقاع عزف البحر، اشتعل هذا السؤال في ظلمة مخيلتي:-«إذا كانت الحركة سيدة الوجود في هذا الكون، فما هو الناظم الذي تتبلور على إيقاعه؟!» 

وفي الجهة المقابلة لاشتعال هذا السؤال، بان لي ضوء جواب كالوميض، في ظلمة مخيلتي نفسها، فاستجلبَ ضوء السؤال وميضَ ضوءٍ ك«مشروع جواب». أمسكت به وصغته لغةً في دماغي مؤقتا، كالآتي:
-«كل حركة في الوجود الطبيعي والبشري يؤطرها الاندفاع نحو الانفصال!» 
ثم أضفت لنفسي عن هذا الجواب:
-«ربما»
وأردفت لأمنح جوابي المؤقت بعض ما يعززه من أمثلة:
-«كحال هذا الصبح ! وحال قرص الشمس! وسرب الكروان! وأيضا كحركتي ماشيا، وانفصالي عن الغيوم بدواخلي لأتصل بالهدير الذي يطربني!» 

ولأحمل مخيلتي على الاشتغال، كي تُبْعِد عني (ربما) الشكية، شرعت في تأمل بعض الموجودات على قياس الحركة و إيقاع الاتصال و الانفصال. فبدأت بحبة القمح. وعنها قلت لنفسي:
-«ألا تنفصل الحبة عن ذاتها لتصير نبتة؟!» 
وعن هذا السؤال أجبت ب «بلى»!
وغيرت السؤال المنفي إلى حكم مثبت:
-«إن حبة القمح تتحرك نحو الانفصال عن ذاتها لتصير نبتة! والنبتة تتحرك نحو الانفصال عن ذاتها لتصير حبات!» 
ومن النبتة إلى شبل الأسد! وعنه قلت لنفسي:
-«ألا ينفصل الشبل عن أمه وأبيه ليصير أسداً؟!» 
وعن هذا السؤال أجبت أيضا ب «بلى»! فغيرت السؤال المنفي إلى حكم مثبت:
-«إن الشبل يتحرك نحو الانفصال عن أمه وأبيه، ليستقل بوجوده كأسد، وهو ينطلق في دورته الحياتية الخاصة به!» 

ومن النبتة وشبل الأسد، إلى تجربتي الحياتية في هذا الوجود. تذكرتها من ألفها إلى حاضر يائها، فصغت ملخصها لنفسي قائلا:
-«عشت مع أبي وأمي زمنا، ثم انفصلت عنهما لتأسيس أسرتي. وهاهم أبنائي ينفصلون عني لكي يؤسسوا أسرهم. وهذا حال كل الناس! لأن (حالة الانفصال) منسجمة مع الطبيعة الطبيعية  ومع الطبيعة البشرية!» 

وباستحضار أبنائي ابتسم الفناء في دواخلي! واشتعل الشوق لهم كاللظى الحارق! ولألطف لظاي في فؤادي، قررت أن أرتمي في ماء البحر وأسبح. نزعت ملابسي فانفصلت عنها، ورميت بها على رمل الشاطئ. ولما ارتميت في الماء انفصلت عن اليابسة. ولما غادرت الماء انفصلت عنه، ثم جلست قبالة البحر وجها لوجه، أتأمل!

(…)
رن جرس هاتفي على حين غرة. تشتت انتباهي ثم تبعثر فانفصلتُ عن تأملي! صديق عزيز يتصل وباتصاله انفصلنا معا عن النوى! شغّلت الهاتف ووضعت السماعتين على أذنيّ. امتلأتا بصوت الصديق، فانفصلتا عن صوت الهدير!
صوت الصديق:
-«أين أنت؟»
صوتي:
-«أنا بين حبر و بحر..»
صوت الصديق يسأل؟
-«هل أحوالك بخير؟»
صوتي يجيب:
-«بخير بين (نعم) و (لا).»
-«وما باعث حضور (لا) بجانب (نعم)؟!»
-«حرن القلم.»
صوت الصديق يحفز:
-«روضه ليطاوع.»
-«سأفعل ما استطعت إلى ذلك سبيلا.»
سألته عن أحواله. طمأنني وشكر. انتهت المكالمة فانفصلت أذناي عن صوت صديقي. أزلت السماعتين فاتصلت أذناي بالهدير! ثم عاد دماغي ليتصل بتأملي!
(…)

قلت لنفسي بعقلي:
-«الحركة انتقال من حال إلى حال. لذلك فهي تحول. والتحول تغير. وأثناء تفاعلي مع التغير أحقق الاتصال، فينجم عنه الانفصال.»

فكرت هنيهة ثم أضفت بوحي من المنطق(والمنطق ينظم الفكر كي يبعد عنه السقوط في التناقض):
-«يبدو لي أن حركية الانتقال مني أو من البيئة التي حولي:- سبب، أما ثنائية (اتصال- انفصال):- فهي نتيجة. وإذا كان الأمر كذلك، وجمعتُ السبب بالنتيجة، فلربما تمنحني فهما أعمق ل (دورة الحياة)!»

لحظتها قال لي البحر:
-«إياك أن تنسى محرك (الدورة الحياتية)»!
ارتبك تأملي. ولما فكرت في معنى (إياك)-من البحر، وجدت المعنى توجيها إيجابيا. شغلت دماغي بحصر الذهن بحثا عن محرك (الدورة الحياتية) فانزاح بي الظن نحو:- اللذة!

ولأتأكد سألت البحر عن قصده.
فأجابني بكلمة واحدة، لكنها بعيدة عن ظني:
-«الحب»!!
ولأزيل الغشاوة عن دماغي قلت له:
-«واللذة؟!»

ابتسم بشيب الوقار الذي يغمر أمواجه المتكسرة على الشاطىء، ثم أجاب بعمق خبرته بأسرار الوجود والحياة:

-«الحب شعور عميق بالاتصال العاطفي والروحي في العلاقات بين الناس، وأيضا في علاقتهم بالأمكنة والأشياء.. وهو شعور يتميز بالاستمرار ما أمكن. أما اللذة فهي شعور مؤقت بالمتعة الناتج عن إشباع رغبة جسدية أو نفسية أو هما معا. ومن خصائصها الجوهرية القصر في الأمد! وفي الكثير من الأحوال تتداخل اللذة مع الحب. فأنت تلتذّ ب (من) تحب وتلتذ أيضا ب (ما) تحب. لذلك فاللذة تجلٍّ للحب في العديد من صورها العلائقية في الحياة! وبما أنها كذلك فهي وقود الحب..»

(…)

لحظتها ارتفع الإيقاع السمفوني لهدير البحر ليغمر دواخلي بالطرب! فأرسل لي البحر موجة محملة بنسيمٍ من «الظن»! فهمت الإشارة منه. ولأحافظ على ما توصل إليه تأملي بين «ظن و يقين»، اخترت له عنوانا شكيا:-«هلوسات بين حبر و بحر..» وغايتي أن أبقي على العنوان كالومضة في ظلمة المخيلة:- إن توهجت أكثر فمن المحتمل أن يتراجع منسوب «الظن»! وإن انطفأت فلم أخسر الجولة.. وكيف أخسر الجولة وأنا أواصل المشي ببطء على «شاطىء الحروف» بين حبر و بحر؟!!

(…)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading