كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» لفوكوياما: فكر أم إيديولوجيا؟ محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب

II-من البنية الاستفهامية في مقاربة فوكوياما ل «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» إلى الجهاز المفاهيمي الذي اعتمده:
بعد أن حددنا البنية الاستفهامية في المقاربة، ضمن المسرب القرائي السابق المرتبط بالمدخل (I)، سننتقل في هذه اللحظة القرائية داخل- نصية؛ إلى استعلاء الجهاز المفاهيمي الذي اعتمده فوكوياما في عملية توليف المخارج النظرية الأساس. والسؤال الشائك الذي واجهناه:- ما الفرق بين الجهاز المفاهيمي الفلسفي الذي اعتمده من زاوية رؤية تنظيرية إطلاقية، والجهاز المفاهيمي الفكري الذي وظّفه لخدمة الرؤية تلك، من باب التحليل التاريخيّ للوقائع والأحداث؟
وللتغلب على صعوبات هذا التداخل بين الصنفين، كان علينا أن نستحضر نظرية المفاهيم أولا، وبناء عليها ندقق في معايير الفرز بين المفهوم الفلسفي والمفهوم الفكري؛ وذلك كي نتجنب مغبة السقوط في الخلط:
استهلال نظري: (نظرية المفاهيم)
هي مبحث معرفي يهتم بدراسة طبيعة المفاهيم، كيفية تكوّنها، وظيفتها، ودورها في التفكير واللغة. تُعرَّف المفاهيم بأنها الوحدات الأساسية للمعرفة العقلية، أي التصورات أو الأفكار المجردة التي تُستخدم لفهم الواقع وتنظيمه، سواء في النصوص الفلسفية، العلمية أو الفكرية.
الأصل المعرفي لنظرية المفاهيم: تنتمي إلى حقل الفلسفة التحليلية بشكل أساسي، مع تداخل وثيق مع علم النفس المعرفي، اللسانيات، والمنطق. تُعنى بتحليل كيفية تشكّل المفاهيم في العقل البشري، تحليل علاقتها باللغة، ودورها في بناء المعرفة والتواصل. الهدف منها: تسعى إلى فهم كيف تُبنى المفاهيم (مثل:- «العدالة»، «الديمقراطية»، «السببية»، «الجمال»..)
وكيف تُستخدم لتنظيم الأفكار، التواصل، والتفكير النقدي. طابعها النقدي: هي نظرية نقدية بطبيعتها، لأنها تحلل المفاهيم وتفككها، وتسأل عن مدى دقتها، تماسكها، وعلاقتها بالفكر وعلاقة الفكر بالواقع من خلالها. وهي لا تقتصر على دراسة الخطاب، بل تشمل أيضًا بنية التفكير البشري وبنية المنتوج المعرفي بشكل عام.
انتماؤها المعرفي: تنتمي إلى فرع الفلسفة المعرفية المسمى ب «الابستمولوجيا» و «فلسفة العقل»، مع امتدادات إلى اللسانيات (خاصة في تحليل الدلالات اللغوية) وعلم المنطق (في بناء المفاهيم المنطقية). كما تتداخل مع دراسات الخطاب، عندما يتعلق الأمر بالنصوص والمقاربات الفلسفية والفكرية.
علاقتها بالخطاب: النظرية تُعنى بالخطاب كرسالة نصية (مثل النصوص الفلسفية أو العلمية) أو كرسالة قصدية (مثل المقاربات الفكرية التي تحمل رؤية معينة). فالمفاهيم تشكل العمود الفقري للخطاب، سواء كانت معلنة (كمفاهيم مصرح بها بشكل واضح في النص) أو مضمرة (كرؤية ضمنية تحكم الخطاب).
دور المفاهيم في نسج الاتساق البنائي للنص أو المقاربة: المفاهيم هي اللبنة الأساسية التي تُشكل البنية الفكرية والمنطقية للنص أو المقاربة الفلسفية أو الفكرية. و دورها في الاتساق البنائي يتجلى في النقاط التالية:
١-تنظيم الأفكار:
المفاهيم تُشكل إطارًا منطقيًا يربط بين الأفكار المختلفة داخل النص أو المقاربة. على سبيل المثال، في مقاربة فوكوياما حول «نهاية التاريخ»، يشكل مفهوم «الديمقراطية الليبرالية» أداة موجهة للاتساق البنائي الذي يربط بين التحليل التاريخي، السياسي، والثقافي، ويمتد إلى مواجة خصوم «الديمقراطية الليبرالية» كالنازية و الفاشية والشيوعية التي طرحت بدائل للنظام الرأسمالي في الحكم. لذلك يلعب مفهوم «الديمقراطية الليبرالية» دور الريادة في قيادة العديد من المفاهيم الأخرى، إن لم يكن جلها.
٢- توجيه القصدية:
المفاهيم تحدد الغاية أو القصد من النص- المقاربة. وتعكس في الآن نفسه الرؤية الفكرية أو الفلسفية التي يسعى المؤلف لإيصالها. على سبيل المثال، مفهوم «الاغتراب» عند ماركس يوجه نقده للرأسمالية. و مثل ذلك كمثل مفهوم «نهاية التاريخ» في مقاربة فوكوياما ، يوجّه على عكس ماركس نقده لكل الأنظمة التي نافست الرأسمالية..
٣-إنشاء الترابط الدلالي:
المفاهيم تُنشئ علاقات دلالية بين عناصر النص. على سبيل المثال، في نص كانط الفلسفي، يربط مفهوم «الواجب الأخلاقي» بين الأفكار المختلفة حول الأخلاق والعقل. وفي مقاربة فوكوياما حول «نهاية التاريخ»، فإن مفهوم «نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي» يشكل بؤرة كل الأفكار الواردة في المقاربة. ومفهوم «التاريخ الشمولي الخطي والموجه» يشكل مرتكز كل المفاهيم المعتمدة في المقاربة، تعلق الأمر بالمفاهيم المدافعة عن هذا النظام أو تلك تنتقد البدائل المضادة.
٤-إنتاج التماسك المنطقي:
المفاهيم توفر الأساس المنطقي الذي يجعل النص أو المقاربة متماسكة. بدون مفاهيم واضحة، يصبح النص مشتتًا ويفقد قوته الإقناعية.
٥-إنتاج الترابط الفكري:
المفاهيم تعمل كمفاصل فكرية تربط الأجزاء المختلفة للنص أو المقاربة، مما يضمن انتقال الأفكار بسلاسة ومنطقية. بدونها، تصبح الأفكار مجرد مجموعة من الجمل أو الملاحظات غير المترابطة.
٦-شكل تبدي المفهوم:
المفهوم قد يظهر في النص أو المقاربة على شكل مصطلحات رئيسية (مثل «العدالة»، «الحرية»، «التاريخ الدوري» في الفلسفة اليونانية..) و تُستخدم بشكل صريح لتنظيم الخطاب. أو قد يكون إطارًا ضمنيًا يحكم بنية النص دون ذكره مباشرة، مثل مفهوم «التقدم» الذي يشكل أساس العديد من النصوص التاريخية الحديثة. كما يشكل خلفية أيضاً في مقاربة فوكوياما:-ف «نهاية التاريخ» تخفي في المقاربة مفهوم «التقدم الحتمي» دون ذكره بصريح اللفظ. وفي بعض الأحيان، يتجلى المفهوم في العلاقات المنطقية بين الأفكار، مثل مفهوم «السببية» الذي يربط بين الحجج النصية.- فهل يكون معلنًا أم مضمرًا بالضرورة؟ ليس بالضرورة معلنًا أو مضمرًا: المفهوم يمكن أن يكون:- معلنًا (صريحًا)، عندما يُذكر بشكل واضح كجزء من الخطاب، مثل مفهوم «الاغتراب» في نصوص ماركس، حيث يُستخدم المصطلح مباشرة لتفسير الظواهر الاجتماعية. ويمكن أن يكون:- مضمرًا (ضمنيًا)، عندما يشكل إطارًا غير معلن يحكم النص، مثل مفهوم «التقدم» في كتابات هيجل التاريخية، ومقاربة فوكوياما وفي فلسفة التاريخ مع المثالية الغربية، حيث لا يُذكر صراحةً دائمًا، لكنه ينظم الرؤية الكلية. والاختيار يعتمد على القصدية: المفاهيم المعلنة تُستخدم غالبًا لتوضيح الفكرة المركزية، بينما المفاهيم المضمرة تُستخدم لتوجيه القارئ بشكل غير مباشر، مما يعزز التأثير الضمني للنص.
٧-السياق:
في النصوص الفلسفية، غالبًا ما تكون المفاهيم معلنة لأن الفلسفة تعتمد على التحديد الدقيق (مثل «الجوهر» عند أرسطو). أما في النصوص الفكرية أو الأدبية، قد تكون مضمرة لخدمة أغراض بلاغية أو سردية.
والتبرير:
طبيعة المفهوم (معلن أو مضمر) تعتمد على استراتيجية الكاتب أو المفكر. فالمفاهيم المعلنة تُستخدم لضمان الوضوح، بينما المفاهيم المضمرة تخلق عمقًا أو تترك مجالًا للتأويل.
٨- هل نظرية المفاهيم نقدية؟ وهل اختصاصها دراسة الخطاب؟
-هل هي نقدية؟ نعم، نظرية المفاهيم نقدية بطبيعتها. فهي تحلل المفاهيم، تختبر دقتها، وتفكك العلاقات بينها وبين الواقع أو اللغة. على سبيل المثال، تحليل مفهوم «الحرية» عند كانط أو «القوة» عند نيتشه يتطلب نقدًا للمعاني المفترضة والسياقات التي تُستخدم فيها. والنقدية تظهر في التساؤل عن كيفية تشكل المفهوم، مدى تماسكه، وعلاقته بالمفاهيم الأخرى. على سبيل المثال، قد تنقد النظرية مفهوم «العدالة» من خلال فحص تناقضاته في سياقات مختلفة.
-هل اختصاصها دراسة الخطاب؟
ليس بالضرورة دراسة الخطاب فقط، فهذا واحد من المجالات الرئيسية التي تُطبق فيها نظرية المفاهيم. بل وأيضاً دراسة الخطاب كرسالة نصية: فنظرية المفاهيم تُستخدم كذلك لتحليل النصوص (مثل النصوص الفلسفية لديكارت أو النصوص السياسية لماركس أو المقاربة التي تهدف إلى كتابة التاريخ الشمولي للبشرية مع فوكوياما) من خلال فحص المفاهيم المركزية التي تُنظم هذه النصوص والمقاربات، في علاقتها بالرسالة التي من أجلها وجدت. ولا تقف النظرية عند هذا الحد، بل تدرس كذلك، الخطاب كرسالة قصدية: من خلال إعلاء الأثر المراد حصوله لدى المتلقي. وفوق هذا وذاك، تتعدى نظرية المفاهيم كل هذه المستويات التحليلية إلى دراسة «التفكير» البشري بشكل عام، بما في ذلك كيفية بناء المعرفة، تصنيف الظواهر، وتشكيل الأطر المعرفية.
(…)
لذلك، فنظرية المفاهيم بهذه الوظائف النقدية، تفكك المفاهيم وتسأل عن صحتها وتماسكها. وبالرغم من أن دراسة الخطاب جزء مهم من تطبيقاتها، إلا أنها أوسع من ذلك، حيث تشمل تحليل العقل، اللغة، والمعرفة.
إن نظرية المفاهيم إذن، هي مبحث معرفي فلسفي يهتم بدراسة طبيعة المفاهيم ودورها في التفكير والخطاب. تنتمي إلى الفلسفة المعرفية (الايبستمولوجيا) مع امتدادات إلى اللسانيات والمنطق، وهي نقدية بطبيعتها لأنها تحلل وتفكك المفاهيم، للوقوف على دور المفهوم في نسج الاتساق البنائي للنص أو المقاربة وكيفية تنظيم الأفكار، وتوجيه القصدية، وضمان التماسك المنطقي والدلالي. المفهوم قد يكون معلنًا أو مضمرًا حسب استراتيجية الكاتب أو المفكر، ولا يخضع لضرورة واحدة. أما بالنسبة للخطاب، فالنظرية تُطبق على دراسته كرسالة نصية أو قصدية، لكنها تتجاوز ذلك إلى دراسة التفكير البشري والمعرفة بشكل عام.
لذلك وبناء عليه:
لن نطرح السؤال:- هل توجد في مقاربة فوكوياما مفاهيم؟ بل السؤال السليم معرفيا هو:- أين توجد هذه المفاهيم؟- وليس هل توجد؟ وبعد توالي استعلاء هذه المفاهيم، معلنة كانت أم مضمرة تُطرح هذه المتوالية من الأسئلة:-ما طبيعته هذه المفاهيم:- فلسفية أم فكرية؟ وما دورها في الاتساق البنائي للمقاربة؟ وهل هي من إبداع فوكوياما أم مستعارة؟ وإن كانت مستعارة فما هي أصولها؟ هل هي من نسق فلسفي واحد؟ أم من تعددية نسقية فلسفية؟ وإن كانت فكرية، فهل هي من أصل واحد أم من تعددية فكرية؟ وكيف عزلها عن مجالها النظري التحليلي؟ بل وكيف عزل النسق الفلسفي أو الفكري عن شرط تبلوره التاريخي؟ وإن كانت هذه المفاهيم المستعارة من أنساق فلسفية أو فكرية متعددة، فكيف مارس فوكوياما عملية التوليف بينها؟ وهل هذا التوليف أنتج به فوكوياما فكراً أم أنتج به إيديولوجيا (كوعي زائف و تضليلي)؟
ويمكننا الآن أن نحدد تمثلنا المعرفي للفرق بين المفهوم الفلسفي والمفهوم الفكري من زاوية رؤية معرفية دقيقة وواضحة ومعللة، وتوضيح طبيعة كل منهما، ثم مقارنتهما بناءً على معايير معرفية مثل الأصل، الخصائص، المنهج، والمدى. وهذه المعايير يمكن إدراجها ضمن تعريف كل من المفهومين:
تعريف المفهوم الفلسفي:
-الأصل: المفهوم الفلسفي هو فكرة أو تصور يُنتج ضمن إطار التفكير الفلسفي، ويهدف إلى فهم الواقع أو استكشاف قضايا جوهرية عامة في شموليتها، مثل «الوجود»، «الواقع»، «الفكر»، «المعرفة»، «المعنى»، الأخلاق، أو «الحقيقة».. -الخصائص المعرفية للمفهوم الفلسفي:
١-التجريد:
وهو ذا كنهه (التجريد العالي والمدى الإطلاقي) أثناء البحث عن المبادئ الأولية أو الأسس المطلقة. فالمفاهيم الفلسفية (مثل «العدالة» عند أفلاطون أو «الوجود» عند هايدغر.. و (مفهوما «نهاية التاريخ» و «الإنسان الأخير» المعتمدان في عنوان مقاربة فوكوياما، هما من هذا النمط المفهومي الفلسفي الإطلاقي والمغرق في التجريد.) و الإطلاقية غالبًا ما تتجاوز التجربة الحسية وتسعى إلى صياغة فهم المبدأ الكلي الإطلاقي للمفهوم.
٢-النقد التأملي:
و يعتمد على التساؤل الإشكالي العام والتحليل النقدي لفرضياته الأساسية.
٣-الطابع الأنطولوجي:
غالبًا ما تتعلق هذه الخاصية بأسئلة الماهية- «ما هي طبيعة الشيء؟ ماهي طبيعة اللفظ؟ ماهي طبيعة الواقع؟ ماهي طبيعة الفكر؟ ماهي طبيعة الوجود؟ ماهي طبيعة الإنسان؟- ما هي طبيعة الدولة؟ ما طبيعة الصيرورة التاريخية للبشرية، وماهو محركها؟ (…) وهكذا»
. ٤-المنهج:
الاستناد إلى التفكير التأملي، قد يكون جدلي (الديالكتيك)، وقد ينحو منحى التحليل المنطقي، أو التركيز على البناء الفكري المتكامل، باعتماد المنهج البنائي التكاملي العابر للتخصصات العلمية والمباحث المعرفية.
تعريف المفهوم الفكري:
-الأصل: المفهوم الفكري هو فكرة أو تصور يُنتج ضمن سياق معرفي أوسع، قد يكون علميًا، سياسياً، اجتماعيًا، أو ثقافيًا، ويهدف إلى تفسير أو تنظيم الظواهر داخل إطار محدد. يرتبط غالبًا بالمعرفة التطبيقية أو التحليلية في مجالات مثل العلوم، الأدب، أو السياسة..
-الخصائص المعرفية للمفهوم الفكري:
١-الارتباط بالسياق:
فالمفاهيم الفكرية (مثل «الدولة الرأسمالية أو «النظام الرأسمالي» أو «الدولة الشيوعية» أو «النظام الشيوعي» ..) تدخل في هذه الدائرة، و غالبًا ما يتم التعاطي معها فكريا بارتباطها مع سياقات تاريخية، أو كمنجز في الواقع المرجعي الحي ماضياً أو حاضراً، أو كصيرورة في التاريخ. و يهدف التعاطي إلى طرح مشكلات وبلورة حل لها. كتفسير ظواهر محددة، مثل مفهوم «تناقضات النظام الرأسمالي وأفق حلها» أو مفهوم «الطلب والعرض وتناقضاته» في الاقتصاد. وهكذا. مما يفرض على هذه المفاهيم الاعتماد على التجربة عبر :- البيانات، أو الملاحظات.. لذلك تكون أقل تجريدًا من المفاهيم الفلسفية الإطلاقية.
٢-المنهج:
تستند إلى التحليل التجريبي، الاستدلال المنطقي، أو الدراسات التطبيقية، مع التركيز على الواقع المرجعي الحي ماضيا أو حاضراً.
الفرق من زاوية رؤية معرفية:(المعايير المعرفية الدقيقة):
مثال فلسفي: مفهوم «العدالة عند أفلاطون يناقش طبيعة العدالة كمبدأ كلي، متجاوزًا السياقات التاريخية، مع التركيز على التأمل الفلسفي في كتاب الجمهورية. (وهذا الكتاب من المراجع الأساسية في مقاربة فوكوياما). مثال فكري: مفهوم «العدالة الاجتماعية» في الفكر السياسي الحديث يرتبط بسياقات محددة (مثل توزيع الثروة في مجتمع معين) ويستند إلى تحليل اجتماعي أو اقتصادي.
-العلاقة بينهما:
-التداخل: المفاهيم الفكرية قد تُستلهم من المفاهيم الفلسفية. على سبيل المثال، مفهوم «الحرية» الفلسفي عند كانط ألهم مفاهيم فكرية مثل «الحقوق الفردية» في القوانين الحديثة. -الاختلاف في العمق: المفهوم الفلسفي يسعى إلى الأسس الجوهرية، بينما الفكري يركز على الأسس التطبيقية أو السياقية أو هما معاً. على سبيل المثال، «الوجود» الفلسفي عند سارتر يختلف عن «الهوية الثقافية» كمفهوم فكري في دراسات ما بعد الاستعمار.
-التبرير المعرفي:
من زاوية معرفية، المفهوم الفلسفي يهدف إلى بناء فهم شامل وعميق للواقع، مما يجعله أكثر تجريدًا وشمولية، ولكنه قد يكون أقل قابلية للتطبيق المباشر. أما المفهوم الفكري فيتميز بالواقعية والارتباط بالسياقات العملية، مما يجعله أكثر فائدة في حل المشكلات المحددة ولكنه أقل عمقًا في استكشاف الأسئلة الجوهرية. فالفلسفة، كما يراها فلاسفة مثل هيجل، تسعى إلى «المعرفة المطلقة»، بينما المفاهيم الفكرية تظل ضمن حدود المعرفة النسبية المرتبطة بالتجربة وتغيرها الدائم والمستمر ضمن سياقات متحولة.
(…)
الفرق بين المفهوم الفلسفي والمفهوم الفكري يكمن في مستوى التجريد، الهدف المعرفي، والمنهج. المفهوم الفلسفي يسعى إلى فهم المبادئ الكلية والجوهرية عبر التأمل العقلي، بينما المفهوم الفكري يركز على تفسير الظواهر في سياقات محددة باستحضار التجربة وممارسة التحليل. هذا التمييز يعكس طبيعة الفلسفة كبحث في الأسس النهائية مقابل طبيعة الفكر العام كأداة لفهم الواقع العملي.
(…)
وسؤال المنطلق بناء عليه، بخصوص توظيف المرجعية الفلسفية والفكرية، على مستوى المفاهيم، في مقاربة فوكوياما حول «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، هو:
سؤال المنطلق:
– ماهو مفهوم فوكوياما ل «التاريخ الشمولي للبشرية» من زاوية رؤية فلسفية إطلاقية؟
التاريخ في نظر فوكوياما، ليس أحوالاً فوضوية أو عبثية. وأيضا ليس التاريخ سجلا من المعارف والمعلومات والمعطيات الموثقة في أرشيف البشرية. بل هو عملية تراكمية للتجارب الإنسانية التي تتطور عبر الزمن. هذا التراكم يتجسد في مسار يهدف إلى تحسين الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتخلي المطرد عن الأنظمة الفاشلة بناء على نتائجها العملية والملموسة. إنه التقدم المستمر للتفاعل الحضاري بما تحمله كل حضارة من تجارب وخبرات في بناء المعرفة الإنسانية الجماعية. فزوال حضارة ما لا يعني بالضرورة زوال ما أنجزت من علوم وفنون وتجارب في الحكم. بل بالعكس، فالمنجزات الحضارية تلك تدمج في الصيرورة التاريخية للبشرية، وتؤثر على الحضارات اللاحقة. تفنى حضارة ما وإسهاماتها لا تفنى. أما زوال هذه الحضارة أو تلك، فهو غالباً ما ينتج عن فشل أنظمتها السياسية والاقتصادية في التكيف مع التحديات التي تواجهها. وحتى الفشل يشكل دروساً تضاف هي الأخرى إلى الخبرة الإنسانية، مما يساعد على صيانة الأفضل من تلك الأنظمة. ومفهوم «التاريخ الشمولي» بهذا المحمول المضموني يعني بالنسبة ل، أنه:- كلي تراكمي، خطي طولاني، غائيّ، موجه، متماسك وعقلاني. ويخضع لصيرورة تفاعلية صراعية تنتج التحول تلو التحول في اتجاه شيوع وسيادة أسلوب واحد في الحكم يعم أديم الأرض. وهذا الحكم لن يكون قائماً إلا على مبادىء: «الحرية»، «المساواة» و «العدالة». وهي المبادىء التي أبدعتها-في نظر فوكوياما- «الديمقراطية الليبرالية» واعتمدتها.
والأسئلة التي يستدعيها سؤال المنطلق، هي:
-كيف بنى فوكوياما هذا المفهوم؟ وماهي أنساق فلسفة التاريخ التي استقاه منها؟ وكيف أنجز التوليف المفهومي أمام تعدد الاستعارات؟ وهل التوليف اعتمد على التهجين أم على التلفيق أم ذهب إلى التوليف النقدي كمرتكز ؟
يتبع



