عُزْلَةُ الخَيْطِ الأَحْمَر / أ.حسناوي سيلمي
كانت الغرفة الضيقة في الطابق الأرضي تفوح برائحة الورق القديم والرطوبة، وكأنها سرداب يختزن الزمن. في زاوية الغرفة، يجلس يوسف أمام آلة خياطة حديدية سوداء، تدور تروسها بإيقاع رتيب يشبه دقات ساعة بائسة. كان عمله اليومي يقضي بأن يحيك الكِساء الموحد لعمال المصانع المجاورة؛ أثواب زرقاء داكنة، متطابقة في المقاس، خالية من أي ميزة، ومصممة لتمحو الفوارق بين الأجساد.
لكن يوسف لم يكن مجرد أصابع تحرك إبرة. كان كائناً غُزل من خيوط الضوء والوجدان؛ في عينيه يتسع أفق لا يراه غيره، وفي قلبه كانت تسكن حدائق من الألوان والمشاعر التي لم تجد يوماً سبيلاً للظهور. كانت مشاعره من ذلك النوع الشفاف الذي يرتعش لأقل لمسة؛ يتأثر بتحول الفصول، ويبكي لمرأى طائر مكسور الجناح، ويجد عزاءه الوحيد في تخيل فساتين مخملية وأزياء مطرزة بخيوط الذهب، تليق بأجساد حرة ترقص تحت ضوء القمر.
الواقع، بشروره الرمادية الصارمة، كان يطالب يوسف بالسرعة والكفاءة. صاحب المشغل، رجل غليظ الملامح جفت في عروقه لغة الجمال، كان يكرر فوق رأسه دائماً: “الألوان ترف، والتفاصيل تضيع الوقت، نريد زياً يستر الجسد ويتحمل الشقاء فحسب”. كانت هذه الكلمات تنزل على روح يوسف كالمطارق، فكل ثوب أزرق متطابق يصنعه، كان بمثابة كفن صغير تدفن فيه يداه جزءاً من شغفه.
في ليلة خريفية، والريح تعول في الخارج كذئب جريح، شعر يوسف بوطأة هذا التناقض العميق يشتد عليه حتى كاد يمزق صدره. نظر إلى كومة الأثواب الزرقاء المتشابهة، ثم نظر إلى باطن كفّه. تساءل في سرّه: “كيف يمكن لكائن يملك في داخله فرادته وعالمه الخاص، أن يُجبر على إعادة إنتاج التكرار؟ كيف نعيش في واقع يقيس وجودنا بمدى قدرتنا على إلغاء أنفسنا؟”
شعرت مشاعره الفياضة، ورغبته في التعبير عن الجمال، أنها أصبحت عبئاً عليه في عالم يطلب الآلية. إنها الغربة الحقيقية؛ ليس أن تكون في مكان غريب، بل أن تكون مشاعرك غريبة عن طبيعة المكان الذي تقيم فيه.
في تلك الليلة، قرر يوسف أن يمارس تمرداً صامتاً. انتصفت ليلة الخريف، وتوقف ضجيج المشغل، لكنه لم ينم. أحضر خيطاً أحمر قانياً، خيطاً خبأه لسنوات بين طيات ثيابه كأنه سر مقدس. وبأصابع ترتجف حباً ولوعة، بدأ يطرز وردة صغيرة جداً، لا تتجاوز حجم حبة القمح، في البطانة الداخلية لأحد الأثواب الزرقاء.. في المكان الذي يقع فوق القلب تماماً.
كانت تلك الوردة المخفية هي صرخة يوسف الوجودية في وجه الواقع. هي إعلانه بأن الروح، مهما أُكرهت على ارتداء الرمادي، ستظل تحتفظ بدمها القاني في الخفاء.
حين بزغ الفجر، أغلق الآلة، ووضع الثوب مع بقية الأثواب. كان يعلم أن العامل الذي سيرتدي هذا الزي قد لا يرى الوردة أبداً، لكن يوسف عزّى نفسه بفكرة أكثر عمقاً: “يكفي أن يعلم الكون أن هناك قلباً تمرد على القالب، وأن هناك مشاعراً عاشت رغماً عن جفاف الواقع”.



