من قلب الركام: حياة تولد من جديد!! ✍ أ. حسناوي سيلمي

بينَ رُكامِ الأسمنتِ الساخنِ وبقايا الحَيَاةِ التي كانت، يربضُ الموتُ متثائبًا، ممتلئًا بشبعٍ مؤقت. هنا، حيثُ انحنتْ الجدرانُ لتلثمَ الأرضَ لثمتَها الأخيرة، صمتٌ لزجٌ يبتلعُ أصواتَ الماضي. الغبارُ ليس مجردَ جزيئاتٍ تسبحُ في الفضاء، بل هو رفاتُ حكاياتٍ، وصورٍ عائليةٍ، وضحكاتٍ جفّت في حلوقِ أصحابِها بغتة. وسطَ هذا الخرابِ الممتدِّ كلوحةٍ سرياليةٍ للعدم، يقف يوسف. لم بكن يبحثُ في الأنقاضِ عن أساورَ ذهبيةٍ أو وثائقَ تثبتُ هويته ؛ فالهويةُ التي يمنحُها الطينُ لا تحتاجُ إلى أوراق. كان يبحثُ عن مَعنى. كيفَ للأرضِ التي كانت تحملُ سقفًا يضمُّ الأحلام، أن تتحولَ فجأةً إلى مقبرةٍ جماعيةٍ لتلك الأحلامِ ذاتِها؟
تأمّل أصابعَ يده المغبرّة. فلسفةُ الركامِ تُعلمكَ أنَّ الأشياءَ لا تنتهي بموتِ أشكالِها الخارجيّة. فالحجرُ المكسورُ لا يزالُ حجرًا، والحديدُ الملتوي يحملُ في انحناءاتِهِ ذاكرةَ الاستقامة. فجأةً، لمعَ في عينَيه شيءٌ لم يحسبْ له حسابًا.بينَ شقَّيْ جدارٍ متصدع، كادَ الهوى أن يطحنَه طحنًا، بزغتْ نبتةٌ خضراءُ صغيرة.لم تكنْ تملكُ من مقوماتِ البقاءِ سوى قطرةِ ندى تائهة، وشعاعِ شمسٍ تسلّلَ خجولاً من بينِ غيمتينِ كئيبتين. وقف يوسف أمامَ النبتةِ وقوفَ العابدِ في محرابِ الحقيقة. في هذه اللحظةِ الشاعريةِ الخالصة، تجلّى لَه سِرُّ الوجودِ الأكبر: إنَّ الحَيَاةَ ليستْ ضدًا للموت، بل هي وعاءٌ يستوعبُه ويعيدُ تدويرَه.هذه النبتةُ لم تخرجْ رغْمَ الركام، بل خرجتْ مِن قلبِهِ. تغذّتْ على رطوبةِ الأرضِ المخبوءةِ تحتَ ثقلِ الحجارة، واستمدتْ قوتَها من عمقِ المأساة.
الموتُ هنا لم يكنْ نهايةً، بل كانَ جدارًا سميكًا انشقَّ لتمرَّ منه الحَيَاةُ مَرّةً أخرى، أكثرَ عنادًا وأشدَّ بأسًا. مسح يوسف دموعَه المخلوطةَ بالتراب. أدرك أنَّ الروحَ الإنسانيةَ تشبهُ هذه النبتةَ تمامًا ؛ تُسحقُ، تُردمُ تحتَ أثقالِ الفقدِ والخيبة، لكنّها في اللحظةِ التي يظنُّ فيها العدمُ أنَّه انتصر، تنبثقُ من جديد.الحَيَاةُ لا تولدُ في المختبراتِ المعقمةِ دائمًا، بل تولدُ أحيانًا من أشدِّ الأماكنِ عتمةً وقسوة. من قلبِ الركام، تولدُ الحَيَاةُ مبرأةً من الخوف، لأنَّ مَن مرَّ بالموتِ وعاد، لا يملكُ ما يخسره سوى قيودِه.



