شعريّة العلم أو مشروع فرنان آلين غير المكتمل/خليد كدري (*)

في إحدى حواشيه على «خطاب المنهج» الديكارتي، كتب الشاعر ملارمي قائلًا: «يبدو أن التّخييل (fiction) هو أسلوب العقل البشري ذاته – فهو الذي يُعبِّئ كلَّ منهج، والإنسان إنما يخضع لمشيئته» (ملارمي، 1945، 1951، ص. 851). وقد لا نجانب الصواب إذا ما قلنا إن هذه الحاشية، المفعمة بكبرياء الأدب الرفيع، تصلح لأن تكون شعارًا لمشروع فرنان آلين الذي يعنينا أمره في هذا المقال (**).
يدعونا ملارمي إلى استعادة ملامح ديكارت الكاتب فيما وراء الصورة التي فرضها علينا مؤرخو الفلسفة (لسترانغان، 2005، ص. 727). وعلى غرار الشاعر الفرنسي − ولكن بأدوات إبستمولوجية وبلاغية… − يتصدى فرنان آلين لبحث ما يسمّيه «شعريّة الفرض» (آلين، 1987، ص. 9 وفي مواضع متفرقة)، أو «نطاق الممكن» (نفسه، ص. 15) الذي ينبع منه كلّ فرض علمي، متوسّلًا، في مبدأ الأمر، بأحد مفاهيم الفيلسوف الأمريكي تشارلز س. بيرس، ونعني به مفهوم «الاستخلاص» (abduction) (انظر تيرسلان، 1993، ص. 95-96) − وندرك حجم المجازفة التي تنطوي عليها هذه الترجمة المعتمدة من قِبَل بعض الباحثين العرب، علاوة على ترجمات أخرى متداولة، وفي طليعتها ترجمة «القياس الاحتمالي» التي أقرّها مجمع القاهرة قبل عقود؛ ولكنّها كلّها محلّ منازعة اليومَ. وترجمة (abduction) الحرفيّة، كما نعلم، هي الاختطاف أو التّبعيد. وتجري هذه الملاحظة بالمثل على ترجمتيْ «البلاغة» و«الشّعرية» اللّتيْن اعتدنا أن نقابل بهما مصطلحيْ (rhétorique) و(poétique)، على التّوالي، مع الغموض الذي قد يكتنف الترجمتيْن المذكورتين في سياق تقليدي غريب عن مكاسب الحداثة. لكننا نراهن على التّوسّع في استعمال المصطلحيْن وفقًا لهذه المكاسب في انتظار أن يستتبّ أمرهما معجميًّا ونقديًّا وثقافيًّا… وإلّا فتعريبهما «ريطوريقا» و«بويطيقا» أسلم، كما فعل قدماء النقلة.
فرنان آلين
ولا بأس في التعريف بصاحب المشروع ابتداءً. إنه الباحث البلجيكي فرنان آلين (1945 بروج-2009 غان) الذي راوح، طَوَال مسيرته العلمية الحافلة بالعطاء، بين النظرية الأدبية وتاريخ الأدب من جهة، وبين تاريخ العلوم وتاريخ الأفكار من جهة أخرى.
دَرَس آلين فقه اللغات الرومانيقية في جامعة غان (أو «خنت») خلال عقد الستينيات من القرن الماضي. وتولى لفترة قصيرة منصب أستاذ بدار المعلمين في كورتري. ويُذكر أنه كان من أشد المدافعين عن ضرورة إدماج مباحث تاريخ العلوم في التكوين الجامعي. وفي عام 1970، التحق آلين مجدّدًا بجامعة غان. وفي عام 1974، ناقش رسالته لنيل الدكتوراه في موضوع «الأشكال الاستعارية في الشعر الغنائي خلال عصر الباروك في فرنسا». وستنشر له هذه الرسالة في صيغة كتاب خلال عام 1975 بجنيف. وعلاوة على تدريس الأدب الفرنسي بجامعة غان، تولّى آلين تدريس البلاغة والأدب بجامعة أنفيرس.
والظاهر أن أبحاثه في شعر الباروك قد قوّت شغفه بالمسائل المنهجية وبقضايا النظرية الأدبية، ونأت به عن النزعة الانطباعية السائدة في حقل النقد الأبي، ولا سيما الجامعي، وقتئذ. ويجد هذا الشغف أوّل تعبيراته في كتاب «بردايمات في الدراسات الأدبية» (1979).
حرص آلين على مد الجسور بين مختلف التخصّصات، منتصرًا لمبدأ تكامل المعارف، وترجم ذلك عمليًّا بطائفة من الدراسات النفيسة في تاريخ الفن، علاوة على دراساته البديعة في تاريخ العلوم، والتي استهلّها بالدراسة التي كرّسها لكتاب «حلم» (Somnium) ليوهانس كبلر.
شعريّة العلم
ولقد جمع آلين معظم دراساته التي أنجزها خلال هذه المرحلة في كتاب «معنى الأشكال: دراسات في عصر النهضة» (1994)، حيث يتقصّى آثار ثلّة من الشعراء والفلاسفة وعلماء الفلك وشيوخ اللاهوت جنبًا إلى جنب، نافذًا من الحدود المقرّرة، وحيث يتبدّى تميّزه المنهجي بوضوح في الدراسات التي نذرها على الخصوص لمقدمة رواية «غارغنتوا» لفرانسوا رابلي (نفسه، ص. 9-32)، وللسخرية في سونيتات «رؤيا» لجواشان دو بيلي (نفسه، ص. 81-94)، ولأعمال الرسام «المنياري» (أو التّصَنُّعِيّ؛ ولعل التعريب أسلم) جوزيبي أرسيمبولدو (نفسه، ص. 153-166)، ولاستعارة «كتاب العالم» في مقالات نيكولا الكوزاني (نفسه، ص. 247-256).
أما الدراسة المكرّسة لكتاب «حلم» كبلر، فقد نَقَّحَها وطوّرها آلين لاحقًا ليجعل منها الفصل الأخير من كتابه «بنية العالم الشعرية» (1987، ص. 270-298). وجدير بالذكر أن هذا الكتاب، الذي تُرجم إلى الإنجليزية بعد ثلاثة أعوام من صدوره بلغته الأصلية، كان له الفضل الأكبر في شهرة المؤلِّف العالمية − عالمية نسبية بالطبع، لأننا لا نكاد نجد له ذكرًا في عُرَام منشوراتنا العربية ولا ترجمة!
بمنأى عن تاريخ الأفكار الكلاسيكي، كما تجلّيه أعمال ألكسندر كويري، وعن أركيولوجيا المعرفة الفوكونية (نسبة إلى ميشال فوكو)، يروم فرنان آلين، في كتابه المذكور − «بنية العالم الشّعرية» − أن يطوّر شعريّة خاصّة بالعلم، مطبّقًا إياها على اثنين من عمالقة العلم الحديث ابتداءً: كوبرنيك وكبلر. تحاول هذه الشّعرية استشفاف السّبل المتعرّجة التي تسلكها الفروض العلمية بالفعل. إن العالِم يبدع بحسب «أسلوبٍ» يتقاسمه، من دون وعي في أكثر الأحيان، مع غيره من المبدعين في عصره من كتّاب وفنّانين. ويستعين آلين، في المقام الأول، بالمقولات البلاغية الحديثة الخاصة بالتحليل الأدبي والفني من أجل تفسير سيرورة «الاستخلاص» التي ينشأ عنها كلّ جديد معتبر في العلم.
ولا عجب أن يستهل آلين مقدمة عمله بقول مقتبس من كتاب «الخط والدائرة» (La linea e il circolo) للفيلسوف الإيطالي إنتسو ميلاندري، وهو هذا: «إن امتلاك العلم لشعرية خاصة به أمر لا شك فيه (…) وإن استبعاد الشعرية من العلم ليعادل استبعاد الفرض من العلم» (1987، ص. 9). وعلى ذلك، يُفترض أن يؤدي تحليل الاستعارة والتمثيل، وما إليهما، إلى فهم أصول وتطوّرات القول العلمي. ويوجز المؤلف برنامج الكتاب برمته قائلًا: «سيتعيّن علينا وصف العبارة الكوبرنيكية من حيث هي استعارة في جوانبها الرياضية، وكناية في استلزاماتها البصرية، ومجاز مرسل في ابتكارها الفيزيائي. وستتاح لنا أيضًا الفرصة لتسليط الضوء على وجه التّضاد في مسار كبلر» (نفسه، ص. 30).
ويُعَدّ كتاب «بنى العلم البلاغية: من كبلر إلى ماكسويل» (2004) ثالث − وآخر − أهم أعمال فرنان آلين في حقل «شعرية العلم». توزَّعت هذا العمل مسائل شتى وأعلام أخرى، إلى جانب كبلر: غاليلي وديكارت وماكسويل، علاوة على سعدي كارنو (سعدي وليس «سادي» كما يكتب بعض المؤلفين عندنا!). يروم العمل، أيضًا، استكشاف التقنيات البلاغية التي يتوسل بها صنّاع العلم التّاريخيون، ويتوخى فهم ما يسميه آلين «البلاغة العميقة»، أو «الشّعرية» بأقوى معانيها؛ وبعبارة أخرى: فهم سيرورة التجديد والابتكار التي تصنع منعطفات العلم العظمى.
ماذا عن العلم العربي الإسلامي؟
لقد أكّد ماكسويل وبوانكاري وروني توم، وغيرهم، على أهمية الاستعارة في العلم. لا يوجد فهم مباشر للعالم؛ وثمة حاجة دائمة إلى وساطات. وتلعب اللغة الطبيعية دورًا جوهريًّا على هذا الصعيد. ومن هنا منشأ أهمية التحليل البلاغي، الموجه في المقام الأول نحو الخطوات الأولى في طريق الاكتشاف.
لِمَ عَدَدْنَا مشروعَ آلين غيرَ مكتمل؟ ذلك لأن أعمال الباحث البلجيكي التي ذكرنا اقتصرت على العلم الحديث وتجاهلت ما عداه، إذ لم تعنَ بالعلم القديم أو العلم الهلنستي أو علم العصر الوسيط أو العلم المعاصر… على سبيل المثال. صحيح أن برنامج «شعريّة العلم» مفتوح بطبيعته، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يتصدى له باحث بمفرده أو حتى جيل كامل من الباحثين؛ ولكن يهمنا، في المقام الأول، أن نتخلص من الصورة غير المشرّفة التي رسمتها قرون من الاستشراق الاستعماري عن العلم العربي الإسلامي في العصر الوسيط بوصفه مجرد «وديعة» إغريقية هلنستية حرص المسلمون على حفظها من الضياع بهذه الدرجة أو تلك من الأمانة في النقل والشرح والتعميم… ذلك لأننا نخشى أن تكون هذه الفِرْيَة ذريعة لتحاشي أيّ استئناف لمشروع آلين في حقل العلم العربي الإسلامي المنسوب إلى العصر الوسيط. ليس هذا العلم مجرد «وديعة» إغريقية هلنستية، ولا هو محض «ذخيرة» قومية أو مِلِّية نباهي بها الأمم، فيما يشبه «الاستشراق المعكوس»، وإنما هو عنوان مرحلة مهمة للغاية في تاريخ العلم الإنساني.
وعلى ندرتها وضعف الاهتمام بها، تحتاج برامج تاريخ العلوم والإبستمولوجيا التاريخية التي تعنى بهذه المرحلة من تاريخ العلم إلى أن تُشْفَع ببرنامج «شعريّة العلم»، لأن ما يجري على علوم كوبرنيك وكبلر وغاليلي وغيرهم من صنّاع العلم الحديث… يجري بالمثل على علوم الخوارزمي وابن الهيثم والبيروني والطوسي والبطروجي وابن الشاطر وابن النفيس وابن البنا المراكشي… وأضرابهم من المسلمين؛ فكلّها علوم «الإنسان»، في نهاية المطاف، وكلّها تنشأ عن استعدادات البشر، الظاهرة والخفية، وتمتّ بأعمق الصّلات إلى لغاتهم وثقافاتهم وأحوالهم التاريخية.
(*): باحث ومترجم من المغرب.
(**): أصله مداخلة ألقيت في الندوة الدولية: «ما يستطيع الأدب؛ الأسلوب إزاء المفهوم»، 11/12 ديسمبر 2024، كلية الآداب والعلوم الإنسانية−الجديدة، المغرب.
ببليوغرافيا:
Hallyn, Fernand. Les structures rhétoriques de la science: de Kepler à Maxwell, Paris, Seuil, 2004.
—. La structure poétique du monde: Copernic, Kepler, Paris, Seuil, 1987.
—. Le sens des formes: Études sur la Renaissance, Genève, Droz, 1994.
—. Paradigmes dans les études littéraires, Gand, Rijksuniversiteit, 1979.
Lestringant, Frank. «Rhétoriques de la science, ou la revanche de Mallarmé», Critique, tome LXI, n° 701, 2005.
Mallarmé, Stéphane. Œuvres complètes, Texte établi et annoté par Henri Mondor et G. Jean-Aubry, Paris, Gallimard, La Pléiade (1945), 1951.
Tiercelin, Claudine. C. S. Peirce et le pragmatisme, Paris, PUF, 1993.



