📰 آخر الأخبار
تفاصيل غبيَّة/محمود حمدون   تحولات ما بعد القص في سحر الواقع /اسامة غانمAraby by James JoyceDarkness / by Lord Byronريشةٌ على خدٍّ وجسدْ/ناهدة الحلبيالتحول الأنطولوجي لهوية الإنسان المعاصر في ظل المكان الشبكي/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربBombs the Size of Potatoes in a Cradle /Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanما زلت انهض - قصيدة للشاعرة الامريكية مايا انجيلو/ترجمة سالم الياس مدالو أصعب من ضربة سيف/  بسام الطعانحين أعودُ إليَّ/ عارف عبد الرحمنقراءة في بَرُّ الوَالِدَيْنِ بَيْنَ القِيمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالسُّلُوكِ الإِنْسَانِيِّ/أ.د. حمام محمد — الجزائر    بيرماسينز كاسيرن : قصيدة هايبون معاصرة للأمريكية روث هولزر-ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال القصة القصيرة/محمد عنانيHot and Cold Blood by F. Scott FitzgeraldA Canary for One by Ernest HemingwayWAITING 4 SPRING/Dominique de Groen-Belgiumما بين آيات الشغف وعتمة البوح - غسان عزيز«الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية/ديفيد هوبكنز-ترجمة أحمد محمد الروبيThree literary Texts By Salim Elias Madaloدموع على أرصفة الكلمات: خيبات الأدباء والمبدعين:حامد ياسين...لست الأول/علي نفنوف-دبيلا ابخس الاشياء/عبد الرزاق الصغيرThe Last Passer-by By Soran Mohammedأحلامها/أيمن عبد الحميد الوريدات- الأردنصدور رواية «شياطين قندهار» ومجموعة «ولادات غير شرعية» للكاتب جليل إبراهيم المندلاويالسيد أنير/ماماس أمرير
تفاصيل غبيَّة/محمود حمدون   تحولات ما بعد القص في سحر الواقع /اسامة غانمAraby by James JoyceDarkness / by Lord Byronريشةٌ على خدٍّ وجسدْ/ناهدة الحلبيالتحول الأنطولوجي لهوية الإنسان المعاصر في ظل المكان الشبكي/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربBombs the Size of Potatoes in a Cradle /Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanما زلت انهض - قصيدة للشاعرة الامريكية مايا انجيلو/ترجمة سالم الياس مدالو أصعب من ضربة سيف/  بسام الطعانحين أعودُ إليَّ/ عارف عبد الرحمنقراءة في بَرُّ الوَالِدَيْنِ بَيْنَ القِيمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالسُّلُوكِ الإِنْسَانِيِّ/أ.د. حمام محمد — الجزائر    بيرماسينز كاسيرن : قصيدة هايبون معاصرة للأمريكية روث هولزر-ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال القصة القصيرة/محمد عنانيHot and Cold Blood by F. Scott FitzgeraldA Canary for One by Ernest HemingwayWAITING 4 SPRING/Dominique de Groen-Belgiumما بين آيات الشغف وعتمة البوح - غسان عزيز«الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية/ديفيد هوبكنز-ترجمة أحمد محمد الروبيThree literary Texts By Salim Elias Madaloدموع على أرصفة الكلمات: خيبات الأدباء والمبدعين:حامد ياسين...لست الأول/علي نفنوف-دبيلا ابخس الاشياء/عبد الرزاق الصغيرThe Last Passer-by By Soran Mohammedأحلامها/أيمن عبد الحميد الوريدات- الأردنصدور رواية «شياطين قندهار» ومجموعة «ولادات غير شرعية» للكاتب جليل إبراهيم المندلاويالسيد أنير/ماماس أمرير
مقالات نقدية

   تحولات ما بعد القص في سحر الواقع /اسامة غانم

رسم تخطيطي لرجل مبتسم في بدلة رسمية، مع خلفية ضبابية.

     تقول الناقدة الكندية ليندا هتشيون في كتابها الصادر عام 1980م ” نرجسية السرد : المفهوم الما وراء قصي وتطبيقاته ” ، أنه : ” لا يوجد محاولات لعرض نظرية شاملة حول ما وراء القص. في المقام الأول فإن أي نظرية من هذا النوع ستكون مختزلة, أكثر اختزالا من أي نظرية حول الرواية عامة. هذا لأن غرض رواية ما وراء القص أنها تتضمن تعليقاتها النقدية الأولية الذاتية. وبفعلها هذا, فإنها ستكون جدلية, تضع الإطار النظري للمرجعيات التي يجب تناولها من خلالها” 1.

هنا ، توضح هتشيون في هذا الاقتباس الطبيعة الخاصة لـ رواية ما وراء القص ، حيث ترى ان صياغة نظرية ثابتة وموحدة ، امر معقد ومختزل ، لان النص الما وراء قصي يحمل نقده وتأويله الخاص في داخله ، ويفرض سياقه الديالكتيكي بنفسه على القارىء والناقد معاً .

 بينما ، نجد أن تعريف باتريشيا واو في كتابها (ما وراء القص: النظرية والتطبيق عن القص الواعي بذاته،1984 ) هو الأنسب لفهم توظيفاته في الأدب ما بعد الحداثي. ان ما وراء القص هو ” الكتابة التخييلية التي تلفت الانتباه بطريقة واعية بذاتها وانتظامية لوضعيتها بوصفها نتاجاً صنعياً بهدف طرح الأسئلة حول العلاقة بين المتخيل والواقع . ولأن هذه الكتابات تعطينا نقدا لمناهجها وأساليبها في البناء والتركيب، فإنها لا تفحص البنى الأساسية للتخييل السردي فحسب، ولكنها تكشف أيضا احتمالية (تخيليية وتركيبية ووهمية) العالم خارج النص الأدبي /التخيلي” 2.

ورأي مارك كيوري (يٌعد من اهم المنظرين المعاصرين في مجالات نظرية السرد ) يتكامل ويتوافق مع تعرّيف باتريشيا وّوه ، حيث سلط الضوء على ميل ما وراء القص نحو النقد الذاتي ، ووصفه بأنه ” خطاب حدودي” (Borderline Discourse) . وهي كتابة تموضع نفسها على الحافة تماماً بين الرواية والنقد ، مما يطوق حتى الأعمال التي تكاد لا تصنف كـ ” ما وراء القص ” عبر تفسير تناسقها الجوهري من خلال الشارحة السردية 3 .

ينزع ما وراء القص أو السرد منزع الخروج على حدود السرد الحداثي، والتخلي عن تقاليد الواقعية بإنشاء تعارض بين المتخيّل والسرد، وبخلق تضاد بين الوهم والواقع عن طريق بناء تخييل قصصي . ويحتفي هذا النوع السردي ما بعد الحداثي بالشكل المفتوح، واللعب الحر، والتركيز على الذات، والانهماك بالصمت، وسيادة الدال، فما وراء السرد يعمل دالاً لسرد آخر، وهذا السرد الآخر هو مدلول عليه4 .

ولهذا قمت بتناول مجموعة ” جذامير ” التي تمثل انتقالاً من الأنماط التقليدية للواقعية السحرية (المرتبطة بالأساطير، والغرائبية المطلقة) إلى أشكال سردية جديدة تدمج الواقع المعاش بالمنطق الفنتازي أو اليومي التجريبي. واغلب الكتّاب الذين قاموا بالاشتغال على هكذا خطاب سردي كان هدفهم منه هو تفجير اليومي والعادي وتحويله إلى أسطوري أو ” خلق الدهشة ” ، كما يظهر ذلك في دراسات نقدية عديدة لكتّاب عرب واجانب ، حيث يتم تضييع أو تمييع الحدود الفاصلة بين الحلم والحقيقة والتاريخ.

“جذامير” هي مجموعة قصصية مميزة للكاتب والقاص العراقي قيس عمر محمد، صدرت عام 2018م عن دائرة الثقافة في حكومة الشارقة ، نالت تقديراً عربياً كبيراً ، وحازت على جائزة الشارقة للإبداع العربي في مجال القصة القصيرة. وتٌعد هذه المجموعة نموذجاً بارزاً لقصص ” ما بعد الحداثة ” في الأدب العربي المعاصر، وتتميز بالخصائص الفنية التالية:

1-الواقعية السحرية والتخليق الفنتازي: تهيمن على قصص المجموعة نزعة التجريب الفنتازي التي تتداخل مع الواقع المعٌاش . حيث يمزج الكاتب بين الواقع والخيال بأسلوب يولد إيقاعات تصويرية ساحرة ومدهشة. إذ تسبر الواقعية السحرية التناقضات القطبية كالحياة والموت، أو الماضي ما قبل الاستعماري في مقابل الحاضر ما بعد الصناعي. وغالبا ما يتسم هذا الأسلوب الأدبي بوجهتي نظر متعارضتين؛ تعتمد إحداهما على رؤية عقلانية للواقع، والثانية على قبول الخوارق، باعتبارها حقيقة مألوفة مجردة من الخيال، فهناك التداخل بين عوالم الحلم والعوالم الواقعية في الفضاء الروائي.

2- اللغة الشعرية المكثفة: يعتمد قيس عمر على لغة مشحونة بالرموز والإشارات الدلالية، مما يمنح النصوص عمقاً تأويلياً يبتعد عن المباشرة التقريرية.

3- الموت في “جذامير”: ليس مجرد حدث عابر، بل هو ثيمة مهيمنة وصبغة كليّة يربض في كل اتجاهاتها. هذا التوظيف المكثف للموت يرتبط بشكل وثيق بالخلفية الواقعية والنفسية التي عاصرها القاص ،كُتبت نصوص المجموعة تحت ظلال تجربة مريرة عاشها القاص في مدينة الموصل إبان سيطرة تنظيم داعش الإرهابي وما رافقها من قصف ودمار” وفقد ” للأصدقاء . هذا جعل المجموعة بمثابة “قيامة لتاريخ المقابر والحروب”، حيث يتجلى الموت كواقع يومي معاش وليس مجرد فكرة تجريدية.

4- تتميز بنهاياتها المفتوحة وغير التقليدية : ويعود ذلك إلى رغبة القاص في تحقيق ديمومة النص واستمراريته، وتحفيز مخيلة المتلقي لإعادة القراءة والبحث عن التأويل والحلول.

وعليه ، سيكون عنوان المجموعة من اول اولياتي ، الجذمور (الجمع: جذامير) أو أُرْمُولَة (الجمع: أرامل وأراميل) (اللاتينية: rhizoma ) هو ساقٌ تنمو أفقياً تحت الأرض يستعملها النبات للانتشار و تكوين نباتات . ولهذه التسمية لها اسبابها الرمزية والدلالية ، عندما اطلق القاص قيس عمر أسم  ” جذامير ” على مجموعته القصصية ، كدلالة رمزية وفلسفية ، تعكس الحفر في الاعماق والبحث في الجذور الخفية للنفس البشرية والواقع .

يعتمد القاص على المفهوم الفلسفي القائم على ” الجذامير ” لوصف بناء سردي غير هرمي وغير مركزي . فالقصص داخل المجموعة لا تسير في خط مستقيم تقليدي ، بل تتشابك وتتفرع كالجذور التحتية ، المنتشرة في كل الاتجاهات افقياً . لأن القاص يسعى من خلال هذا الاسم الى كشف المناطق المخفية في الإنسان ، وتوثيق الخرائط الخفية للمجتمع والواقع عبر اسلوب يمزج بين الواقعية السحرية والرؤية العجائبية . لذا فان فلسفة العنوان (جذامير): لغوياً، الجذمور هو الساق الأرضية التي تنمو أفقياً تحت التراب وتخرج منها براعم جديدة. لكن في سياق الموت الذي يلف المجموعة، تُحيل “جذامير” إلى الجذور الممتدة في عالم الموتى والقبور، وكأن الشخوص عبارة عن بقايا كائنات تحاول التمسك بالحياة أو إعلان حضورها من تحت ركام الفناء والدمار.

تبدأ المجموعة بقصة ” حشرجةٌ الترائب ”  بذاكرة الطفولة ، وشعور الطفل / السارد / البطل / الحارس ، وكيف يكون شعوره بـ ” الانبعاج السحيق ” المرادف لليتم والغياب الذي يولد لديه اغتراباً مبكراً : ” قرأ المعلم أسماء الطلاب الثلاثية ، وحين وصل الى اسمي الثلاثي لم أشعر باسم ابي أو جدّي، إنما شعرت بانبعاج عميق في جسدي وروحي ، تلك كانت هي الأيام الأولى لي وأنا أدشّن معنى ان تكون دون أبِ ، أنا الوحيد في الصف كنت عبارة عن اسم يتبعه انبعاج ثم تيبس في الحلق – ص 9 ” . لذا ، تعد قصة ” حشرجة الترائب”  نموذجاً سردياً مكثفاً يغوص في عوالم الفقد، والموت، والحروب. توظف القصة أسلوب الواقعية السحرية و الفنتازي لتفكيك الواقع المأساوي وإعادة صياغته برؤية جمالية مغايرة.

وتكون بنية العنوان جامعة بين “الحشرجة” (صوت الاحتضار والنزع الأخير) و”الترائب” (عظام +الصدر)، وهو اختيار لغوي مشحون بدلالات الثقل الجسدي والروحي. وهذا العنوان يحيلنا  مباشرة إلى اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، وهو المحور الذي تدور حوله دوافع السارد.

والمفارقة في القصة ، عندما يوهم السارد القارىء بان هنالك وجود اربعة أسماء للحراس الذين هم : حارس الموتى ، حارس الوجوه ، حارس الأسماء ، حارس الانبعاج . وفي الوهلة الأولى هذه الأسماء تجعل ذهن القارىء يتشتت ، اذا لم يصاحب العملية القرائية تركيز وتدقيق ، ليستنتج بعدها الناقد / القارىء بان جميع الأسماء هي “لحارس مقبرة التلفزيون ” فقط ، لأن الغاية تكمن من تعدد أسماء الحراس في قصة “حشرجة الترائب”  منحها أبعاد دلالية رمزية شعورية ، وعلى اعتبار كل الأسماء مجازية في ذات الوقت ، وهذه  التسميات المتعددة في مدونة (روزنامة الموتى) هي اساساً موضوعة من قبل حراس المقبرة السابقين الذين تولوا حراسة ” الموتى ” ، لتفكيك مفهوم “الحراسة” وتحويله من مجرد وظيفة تقليدية (حارس المقبرة) إلى حراسة رمزية لذاكرة ومكونات الكيان الإنساني بعد تلاشيه وتحلل بقاياه في التراب .

العمل على تفكيك الموت إلى مراحل ومكونات الموت في القصة ليس نهاية مصمتة، بل يجزئه الكاتب إلى تفاصيل يُفرد لكل منها حارساً. حارس الوجوه :يحرس الملامح والصور التي تبدأ بالارتخاء والتحول إلى أرشيف في الذاكرة، وحارس الأسماء : يحرس الهوية المكتوبة واللفظية للميت من الاندثار والتبعثر، في حين يعبر حارس الانبعاج : عن الأثر الفيزيائي والنفسي الغائر؛ فشكل القبر يمثل انبعاجاً مقلوباً في الأرض، كما أن غياب الأب يترك “انبعاجاً سحيقاً” في روح البطل وجسده.

نرى ان هنالك تداخل في الاصوات ، ما بين صوت السارد وصوت البطل ، بحيث هذا التداخل يؤدي بالقاريء العادي ان لا يلاحظ ذلك ابداً ، حيث الفارق بينهما لا يحس به ، والامثلة على ذلك كثيرة :

” كانت المقبرة صغيرة في الخمسينيات ثم توسعت قليلا في الستينيات والسبعينيات ثم أخذت تبتلع الأراضي بكل شراهة وتتوسع في الثمانينيات وما بعدها حتى استشعرت البلدية هذا الخطر الكبير وعملت على تطويق ورسم حدودها فصارت تطل على خمسة أحياء كبيرة تطل عليها بكل فداحة من جميع الجهات أنى أشحت ببصرك تجد حدودها تمتد وتحاول الالتصاق بحدود الأحياء المجاورة لها – ص12 ” .

 ” كان أول يوم لي فيها يوماً نيسانياً جميلاً. وصلت إلى المقبرة ووجدت أحد موظفي البلدية بانتظاري ذليسلمني مخفر الحراسة ومفتاح المقبرة مع بعض التعليمات بضرورة القيام ببعض الجولات داخل المقبرة لحماية الراقدين وطرد العابثين والداخلين إليها من الحدود الشمالية والجنوبية؛ لأن السياج الخاص بها صار مهدما بفعل الزمن والسرقة وصارت القبور تبدو مسفوحة من بعيد ودون حدود، سلمني الموظف التعليمات ورحل  وبقيت لوحدي وجها لوجه جلست أمام باب المخفر الخاص بالحراس وكنت أطلق بصري في الشواهد المترامية  كانت تبدو مثل الخرائب الصغيرة وحين تحدق فيها بتركيز تشاهد حجارة مبعثرة و كثبانا صغيرة من الرمال تنهشها الريح وبعض الأشجار والأقفاص الحديدية التي تحمي بعض القبور وتلمح هنا أو هناك بعض الزوار ينحدرون بين تلالها وشوارعها المتكسرة والترابية. لم أشعر كم بقيت أحدق بتلك الجلسة الأولى، كنت مثل من يروي عطش السؤال الذي بقي يلازمني طيلة حياتي. نهضت وأدرت المفتاح في القفل، دفعت الباب فأرسل الباب صريرا شعرت انه يندس في تلك الأعماق الساكنة ويخترقها، شعرت أن صوت الصرير يغسل لحظات العزلة التي أحاطت بالحراس الذين سبقوني إلى هنا، ثم أولجت روحي في المكان عبر خطواتي – ص ص12،13 ” .

ونحن نقرأ قصة ” حشرجة الترائب ” ، يبرز سؤال مستفز ، محرج ، يقع خارج عالم الإنسان ، هل يحتاج الذي يموت الى حراسة ؟ ولماذا ؟ أم هل الميت سوف يغادر حفرته الراقد فيها ؟ .

قصة “المعول” هي إحدى قصص المجموعة ، الرمزية العميقة ، تبدأ بموت الأخ الكبير  : ” ارتعش المعول الذي حفر به ابي قبراً لأخي الكبير ، كلما مررت بالقرب منه أحسست انه لن يقوى على حفر قبر أخر ، فقد أصبح صدئاً – ص 33 ” .

وتنتهي بالموت / الغياب/ الفقد ، بموت الأخ الصغير: ” دخل المغسل اولاً وبصحبته رجلان فقال لهما:

لا أحتاج الى وجودكما معي . أخرجهما واغلق الباب وشاهد جسدي وصدري المهشم . تأمل جسدي ملياً ، فبرقت دمعة على خدّه وقال في سرّه ” ما زال شاباً ” ، مسحها بباطن كفّه وشرع بصبّ الماء، غسّلني بالماء ثلاث مرات – ص 39 ” .

ثم يصبح المعول بعد ان كان للبناء والاعمار ، رمزاً للشر، والقتل ، والظلم : ” كان في زاوية الحمام معول، ترددت في حمله ، لكنه اصر على ان يموت معي مثل سرّ الحجارة ، حملت المعول ، وهويت به على راسه ، فسال دمه ، لقد كان دماً يحمل ذرات غبار اسود ،فصرخت امي في الخارج ، واقبلت مسرعة نحو الحمام ، فتحت الباب بقوة فشاهدت صخرتين ملتصقتين مضرجتين بالسواد .. ومعولاً يحفر في الهواء – ص 39 ” .

• الرمزية العميقة: يتحول فيها “المعول” من أداة عمل مادية عادية إلى رمز للألم والشقاء الإنساني والذاكرة المثقلة بالندوب.

• البناء والسرد: تنتمي القصة (أو تتقاطع مع أسلوب القصة القصيرة جداً/القصة القصيرة المكثفة التي تتميز بها المجموعة) حيث تظهر فيها التعالق والرمزية بوضوح في الخاتمة السردية.

• الدلالات النفسية والمكانية: يمتزج فيها الإحساس بالتراب والحجارة ووعورة الواقع بمرارة الأسئلة الوجودية والكدح اليومي، وتبرز فيها ثيمة الجرح القديم الذي خطه المعول في الجسد والروح.

وتتجلى الفنتازيا بصورة جلية واضحة ، عند مشاهدتنا للبطل قبل الموت وبعد الموت ، وبالأخص بعد الموت ، حيث القاص يجعل البطل يشاهد ويسمع ما يجري حوله بعد ان غادرته الروح ،  وهذا الموقف يشتغل ضمن الواقعية السحرية وضمن الفنتازيا ، وهذا التداخل بينهما ، حقق قدر كبير من جمالية السرد ، ودعم رؤية القاص لما اراد ان يوصله للقارىء من افكار واراء :

” انهض بجسدي الأثير .. الظلام بدأ يستبيح حرمة الضوء ، وها هو يقترب ، أدركت بأن كل شيء سينتهي قريباً ، وهذه السويعات الباقية ، نهاية لمسيرة الضنك الذي نخر جسدي ، سوف أمضي واترك الشوارع التي أدمنت السير فيها ، وبضع دموع ستنشف مع بداية الصباح ، والثياب السود ستعلن الحداد امامهم فقط ، ودّعت أشيائي وغادرت الغرفة التي اعتصرت كبريائي ، وحافظت على جراحي من التعرّي ، لقد كانت الملاذ الوحيد الذي أستطيع ان اقيم طقوسي الخاصة ، اتجهت الى باحة الدار ، رأيت أبي يدخل وبصحبته بعض الرجال ، كان يحمل قماشاً ابيض فاعطاه لامرأة من اللواتي كن واقفات في الباحة – ص 37 ” .

تميزت قصة “خلصاء المياه” المضمنة في المجموعة القصصية “جذامير”  بكونها نموذجاً مكثفاً لتيار الواقعية السحرية الذي يربط بين هموم الإنسان اليومية وعوالم التخييل الغرائبي.

 يحمل عنوان القصة تركيب “خلصاء المياه” أبعاداً : رمزية ، صوفية؛ إنسانية ، فالخِلصان هم الأصدقاء الأوفياء أو الأنقياء، وربطهم بـ “المياه” يمنحهم صفة التطهير، والبحث عن الجذور الأولى للحياة (وهو ما يتناغم مع عنوان المجموعة الكلي “جذامير”). وعلى هذا سوف نقرأ العنوان ” خلصاء المياه ” بهذا الشكل : الاصدقاء الاوفياء المطهرون ، وعند العودة الى الاهداء ، سوف تتوضح الصورة لنا أكثر ، ونعلم من هو المقصود عندما نقرأ الاهداء : ” اليك يا صديقي عامر جميل وانت تطوي سجادة اسمها جمرة الحياة … ص 5″ ، هنا ، نعرف ان الصديق الوفي الطاهر هو ” عامر جميل ” الذي استشهد عند تحرير مدينة الموصل من داعش ، والذي ترك جرحا غائراً في روح القاص .

ولكن منذ بداية القصة ، يباغتنا القاص/السارد (/ قيــــ عمــــــــــر/) بإعلانه المفاجىء بأن الروائي الكولومبي الحائز على جائزة نوبل عام 1982م ، قد وهبه لسانه السحري ” أي سلمه امتياز الواقعية السحرية في الكتابة ” مع كتابة رسالة مطولة من قبل ماركيز لــ  قيس عمر ، رغم انه ليس أسم علم أو شخصية تم ذكرها في الكتب ، وليس هو تمثال من الجاهلية كانت تطوف القبائل حوله ، بل هو اشارة مشطوبة من مخطوطة قد اوردها ابن الجوزاء الناسخ الاول للمخطوطة نسخ الجملة ثم قام بشطبها بعصبية ، لكن اثر الشطب بقى على المخطوطة رغم تقادم الزمن واختفاء الكثير من التفاصيل من النص ، كما يذكر ذلك السارد في المتن الجواني الملحق بالمتن الفوقاني .

ورغم ان ماركيز يقرر غلق بوابته امام الجميع ، مستثنياً فقط قيس عمر من ذلك ، ومذكراً له بان اللسان = الموهبة / التجربة ،  قد اصبح بين يديه :

” ان لساني الذي صار بين يديك الآن هو ليس لساني الحقيقي ، بل إني امتلك لسانين ، لكن لم ينتبه أحد يوماً لهذا ، وكنت كلما خلوت بنفسي أفتح فمي وأبصر اللسانين معاً ، وانا أدرك انك ستقول الآن ، هل يعقل ان يكون ماركيز قد دفن دون لسان ؟ – ص 41- 42 ” .

وليس ذلك فحسب ، بل يظهر لنا ان اللسانين هما : واحد لماركيز ، وواحد لـ قيس عمر ، الذي يطلق عليه اللسان الضيف ، الذي عاش معه ماركيز طوال حياته : ” كنت اشعر ايضاً أن لساني الحقيقي صار يشعر بثقل هذا الزائر الذي كان يقطن في فمي .. يــــاه  يا صديقي كم انا حزين حقاً ، لأني ساكتشف نفسي لأول مرة ، حقاً هل تدرك معنى ان تكون وحيداً مع لسانك الحقيقي ؟ هل تدرك معنى ان اكون وحدي محشوراً في تلك الحفرة في صدع من الارض اعيد التعرف الى نفسي بعد ان نسيت اكتشافها لأني كنت اشعر بحرج من هذا اللسان الضيف ولا أخفيك ايضاً كنت مندهشاً من تلك الطقوس السحرية التي شيّدها اللسان الضيف في الروايات التي رواها عن لساني ، أقصد شخصيتي ، هل تدرك أي عناء كنت اعيش يا صديقي وانا اعيش طوال حياتي برفقة ضيف لم اكن استطيع ان اكون حراً لنفسي دون ذلك اللسان – ص 42 ” .

ربما ، هنالك من يتسأل لماذا كان هناك لسانان اثنان ؟ وقد بينا ان ثنائية اللسان في الفضاء العجائبي

      للقصة ترمز إلى عدة أبعاد نقدية وفلسفية وفكرية ، ومنها ما قد ذكرنه انفاً ، وقد اجاد القاص في اللعب على اللسان ، ولأن ” اللعب نشاط مستقل نسبياً ولكنه يمتلك قيمة محددة في العالم الواقعي . إن اللعب يجري تيسيره عبر القواعد والأدوار ، وتعمل الميتافكشن على استجلاء القواعد الخيالية من اجل اكتشاف دور المتخيلات في الحياة ، إنها تهدف ال اكتشاف كيف ؛ يلعب ؛ كل منا واقعه الخاص “5 . مع منحه وظائف كثيرة ليقوم بها على احسن وجه منها الاحالات ، وللدلالة على ما ذهبنا اليه ، نقرأ المقطع التالي :

” لسان عاش ويعيش دهوراً ليروي أنه لسان الجاحظ .. والسهروردي .. وابن عربي ..والنفري .. والحلاج .. وبورخس وماركيز ومحمود جنداري .. ومحمد خضير …. انه لسان الاختلاف الذي يطوف بصاحبه في كل الخرائط الحية – ص 46 ” .

اذا ، تبين ان الاختلاف والمغايرة والمغامرة ، بالإضافة الى اللسان الضيف ، هو المبحوث عنه والقاسم المشترك بين الكل ، مما يعني لنا ان :

• ثنائية الخطاب وانقسام الذات: يرمز اللسانان إلى حالة “الازدواجية” أو التمزق الداخلي التي تعيشها الشخصيات. لسان يمثل الخطاب الظاهري المعْلَن (الامتثال، الواجهة، أو مسايرة الواقع البائس)، ولسان يمثل الخطاب الباطني الحقيقي (الحقيقة المكبوتة، المقاومة، والرغبة في الانعتاق).

• صراع الذاكرة والنسيان: أحد اللسانين يروي التاريخ والذاكرة الجمعية للجذور (الجذامير)، بينما الآخر يواجه اللحظة الآنية الراهنة وتقلباتها.

 في أدب قيس عمر، يتم توظيف المفارقات العجائبية لكسر المألوف. وجود لسانين يمنح الشخصية قدرة تعبيرية فائقة قادرة على النطق بلغة “المياه والعناصر” (الخلصاء) وفي نفس الوقت بلغة “البشر والواقع المأساوي”.

واخيراً نتسأل ، هل حقاً الوجوه تكون موشومة بخرائط المدن ؟ ولماذا ؟ :

” هكذا تشتعل حروب المدن الموغلة في العتاقة* ، هكذا تدشن حروب المدن المهيبة ، تلك المدن التي ترسم تضاريسها في وجوه ساكنيها وتتركهم نهباً لتواريخ سرية، وشوارع مشتعلة بالحياة والانطفاء معاً دون ان تكون قادراً على الامساك بهذا الفرق بين الاشتعال والانطفاء … تلك المدن تترك ندوباً وشقوقاً في وجوه ساكنيها .. انها تحاصر ملامح الوجوه حتى تحتل الوجه بالكامل وتتطاول لتطل على العالم من خلال الجوالة ، هكذا اكتشفت تلك النزعة السرية بين محمود جنداري ومحمد خضير ، تلك الحمى التي ترافق اندلاق التضاريس على الخرائط – ص 51 ” .

هذا التساؤل العميق يلامس جوهر الانثروبولوجيا الثقافية والجغرافيا النفسية ، والوجوه هنا لا تٌوشم بخرائط المدن بالمعنى الحرفي والمادي ( الوشم بالحبر) ، بل توشم بالمعنى المجازي والنفسي  العميق نتيجة للتفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته . لقد لخص النص الذي أوردته هذه الفكرة ببراعة عندما تحدث عن “الندوب والشقوق” وعن “اندلاق التضاريس على الخرائط” في وجوه مبدعين كبار مثل محمود جنداري ومحمد خضير (وهما من قامات السرد العراقي الذين ارتبطت حيواتهم ونصوصهم بمدن ذات تاريخ ثقيل كالموصل العاصمة الاشورية والبصرة درة المدن العربية الاسلامية ).

ثمة أسباب جوهرية تجعل المدن العتيقة والمهيبة ترسم تضاريسها على وجوه ساكنيها ،فالنص يتحدث عن “حروب المدن الموغلة في العتاقة”. المدن التي شهدت حصارات، حروباً، وهجرات تصبغ وجوه ساكنيها بملامح ترقب، حزن، وصمود. نظرة العين، انحناءة الحاجب، والوجوم، كلها “خرائط نفسية” تختزل تاريخ المدينة المخفي (التواريخ السرية).

نعم، الوجوه تُوشم بخرائط المدن لأن الإنسان ابن بيئته تاريخياً وجغرافياً ونفسياً. الوجه ليس مجرد ملامح بيولوجية، بل هو “لوحة بيئية” تكتب عليها المدينة تفاصيلها، صراعاتها، تضاريسها، وندوبها، لكي يطل هذا المكان على العالم من خلال عيون ساكنيه.

في قصة “لوحة لظهيرة صيف” يبرز عام 255 هـ كرابط تاريخي وفكري وثيق يجمع بين حكاية الجدة وسياق القصة العام من خلال تداخل الازمنة ، فعام 255 هـ في التاريخ الاسلامي يمثل بداية ثورة الزنج في البصرة التي استمرت لمدة خمسة عشر سنة ، وهنا ، قد اعتمد القاص على تقنية تداخل الازمنة واستدعاء التاريخ ، حيث تٌشكل شخصية الجدة الجسر الرابط بين الماضي الذي يمثل الحروب والخراب كأحداث عام 255هــ ، الى الحاضر المتشظي ، يمثل عام 255 هـ في التاريخ الإسلامي بداية ثورة الزنج في البصرة التي أستمرت خمسة عشر سنة . وقد اعتمد القاص في المجموعة على تقنية تداخل الأزمنة واستدعاء التاريخ؛ حيث تُشكل شخصية الجدة الجسر الرابط الذي ينقل الذاكرة من الماضي البعيد (المرتبط بالخراب والحروب القديمة كأحداث عام 255 هـ) إلى الحاضر المتشظي. وان الجدة في القصة ، تظهر بوصفها ” مخزن الحكايات والآلام الممتدة ” ، التي تحول حكايات التاريخ في الكتب الى تجربة إنسانية حية ، ولتؤكد من خلالها أن مآسي الحاضر والحروب المعاصرة ليست سوى امتداد لـ ” جذور” ( جذامير ) قديمة من الصراعات والدمار الذي شهدته المنطقة منذ ذلك التاريخ .

ورغم ان الجدة غائبة جسدياً لكنها تظهر في فضاء الحكاية عبر الذاكرة وبقع الضوء ، في كل ” صباح صيفي أستيقظ وأنهض مسرعاً من فراشي وهارباً منه نحو بقعة الضوء تلك ، وفي ظهيرة الصيف الاول غابت تلك العوالم في ذاك اليوم ، وحل محل الضوء المسفوح على الباحة كرسي خشبي كبير يليق بجدّة عظيمة لها سالفان أشيبان طويلان .. الكرسي يبدو لي مثل تلك الشجرة حين تتساقط عليها أشعة الظهيرة لتتساقط منها أطياف وكلمات وملوك وخيول وقردة وقطعان ماشية .. ولعب اطفال متنوعة وموقد حجري وحيد … تفوح منه رائحة شتاء بعيد ..- ص 84- 85 ” .

ختاماً ، تثبت المجموعة القصصية ” جذامير ” أنها تجربة سردية ناضجة نجحت في تحويل التفاصيل الهامشية والمسكوت عنه الى بؤر شعرية مشحونة بالدلالات – التأويلية . ولقد وضعتنا هذه النصوص أمام مرآة الذات والاخرين ، لتؤكد حضور القاص كصوت قصصي متميز ومختلف يمتلك أدواته بوعي واقتدار .

الهوامش والاحالات :

1-مجموعة من المؤلفين – جماليات ما وراء القص : دراسات في ما بعد الحداثة ، ترجمة : إماني ابو رحمة ، دار نينوى للنشر والتوزيع ، دمشق / سوريا ، 2010م ، ص 13.

2- باتريشيا وٌوه – الميتافكشن : المتخيل السردي الوعي بذاته ، ترجمة : السيد امام ، دار شهريار ، البصرة / العراق ، 2018م ، ص 8  .

3-        Currie, M. (1995). Metafiction. London & New York: Longman p2

4- د يادكار لطيف الشهرزوري – السرد ما بعد الحداثي : مدياته ومقوماته ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والابحاث . 17/يناير/2021م .

5- باتريشيا وٌوه – الميتافكشن : المتخيل السردي الواعي بذاته ، ترجمة : السيد إمام ، دار شهريار ، البصرة / العراق ، 2018م ، ص 47 .

*العتاقة اسم مأخوذ من العتيق معناه الموغل في القدم ، وهذه الكلمة تستعمل عند اهل مدينة الموصل فقط من دون مدن العراق الأخرى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية