📰 آخر الأخبار
مسارح الجوارح  - سميرة جدي - الجزائرقراءة  تأويلية في الخطاب النقدي في تجربة علي جعفر العلاق/اسامة غانمThe Wicked Souls By Soran Mohammedهجرة النوارس/سنية عبد عون رشوI SEND YOU SNOW AND RAIN/Dr.Zainul Husain, Indiaصانعُ الخطى ومرمّم الانكسارات/غدير حميدان الزبونMachine guns cackled like partridges/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanقصائد هايكو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالضفيرتان وشارب /دعاء البطراويالأسلوبيّة التّعبيريّة عند بيير جيرو في كتابه الأسلوبيّة/د. عريب محمّد عيدتهشيم الصنم في رواية "بجعات برّية:دراما الصين في حياة نساءٍ ثلاث 1909 ـ 1978"/أحمد غانم عبد الجليلصرمت حبالك بعد وصلك زينب/صالح بن عبد القدوسهمسات العشق بين بلاغة البوح وصناعة الاستثناء: قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة نجية تزروت/عبد العزيز الخبشي- المغربقراءة أنثروبولوجية في دلالة الوعيد في الثقافة الشعبية/ا.د حمام محمد...الجزائرتاج البلاد / نسمة مختارحرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة/إبراهيم أبو عواد / الأردنرئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمن
مسارح الجوارح  - سميرة جدي - الجزائرقراءة  تأويلية في الخطاب النقدي في تجربة علي جعفر العلاق/اسامة غانمThe Wicked Souls By Soran Mohammedهجرة النوارس/سنية عبد عون رشوI SEND YOU SNOW AND RAIN/Dr.Zainul Husain, Indiaصانعُ الخطى ومرمّم الانكسارات/غدير حميدان الزبونMachine guns cackled like partridges/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanقصائد هايكو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالضفيرتان وشارب /دعاء البطراويالأسلوبيّة التّعبيريّة عند بيير جيرو في كتابه الأسلوبيّة/د. عريب محمّد عيدتهشيم الصنم في رواية "بجعات برّية:دراما الصين في حياة نساءٍ ثلاث 1909 ـ 1978"/أحمد غانم عبد الجليلصرمت حبالك بعد وصلك زينب/صالح بن عبد القدوسهمسات العشق بين بلاغة البوح وصناعة الاستثناء: قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة نجية تزروت/عبد العزيز الخبشي- المغربقراءة أنثروبولوجية في دلالة الوعيد في الثقافة الشعبية/ا.د حمام محمد...الجزائرتاج البلاد / نسمة مختارحرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة/إبراهيم أبو عواد / الأردنرئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمن
مقالات نقدية

قراءة  تأويلية في الخطاب النقدي في تجربة علي جعفر العلاق/اسامة غانم

صورة لرجل مسن مبتسم يرتدي بدلة داكنة، خلفية ضبابية داكنة.

                   
                                          

     تتميز تأويلية الصورة الشعرية عند الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق بكونها رؤية فنية حداثية تتجاوز الوصف الظاهري إلى باطن التجربة الحسية ، حيث تشكل الصورة لديه مزيجاً من الوعي الإدراكي والمتخيل الجمالي . يركز العلاق في قصائده على التلاحم بين الشكل والمضمون، مما يخلق صوراً عن ” طريق اللغة وحدها تنهض القصيدة وجوداً حسياً ملموماً ، يمكن لمسه ، ورؤيته ، وتشمّمه “1 ، ففي ديوان ” أيام آدم ” يشتغل  العلاق في تشكيل الصور على اللغة / الكلمات ، متحولة في ذات اللحظة الى لوحات بصرية ، متجاوزة الواقع ، لتعيد إنتاجه من خلال فضاء المتخيل ، معتمدة على رؤية ما بعد حداثية ، تُخرج القصيدة من كونها مجرد “مغامرة لغوية” مغلقة إلى “نص مفتوح” يكتسب معناه من خلال تفاعل المتلقي معه، مشيراً إلى أن شعرية النص تكمن في قدرته على انتهاك الثوابت وتوليد دلالات متجددة ، وفي التأويل المفتوح ، تفتح صوره الشعرية أفقاً للمتلقي للمشاركة في إنتاج المعاني ، بحيث لا يشترط تطابق عالم الشاعر المتخيل وعالم المتلقي ، وهذا الشيء يمنح القصيدة المغايرة ،والتجديد ، والاختلاف ، وبما أن اللغة بنظر التأويل هي دائماً موضع تساؤل ،وبالذات اللغة الشعرية التي لا تفصح عن نفسها إلا من خلال الرموز والمجازات والاستعارة :  

داعبت تفّاحها الهائج ،

عريٌ تتشهّاهٌ ،

شبابٌ فاتحُ من خشب المرآةِ ،

ماءٌ ،

شهوةٌ مفترسةْ

تتخطى خشب المرآةِ ، يغدو

ذهبٌ الموقدِ مرآةً ،

سريرٌ النوم مرآةً ،

وحوّاءٌ تغنّي :

مرآة هذي النشوةِ المفترسة ،

أيّ ريحٍ

أيقظت نيرانه الخضراء

في الليلِ ،

ومسّت جَرَسَه ؟

كيف للمرأةِ أن تخرج

من ماءِ مراياها ؟

حنينٌ

يمزجٌ المرأة بالريحِ ،

            وبالكهف ،

اشتعَلنا 2 .

وما بين مداعبة تفاحتها ” اسطورة تفاحة حواء المحرمة ” المملوءة نشوة عاتية مفترسة ، وغناء حواء ، تبقى الصورة الشعرية غائمة ، مضللة ، وقصدية مبهمة تضع المتلقي في حيرة منها ، من حيث الإشارة للمقصود ، وكذلك ما الذي يقصده الشاعر بالماء ، وأي المائين هو ، وما هو الذي يمزج المرأة ، أهو الرجل الذي يدخل المرأة / الكهف ؟ . هنا ، على المتلقي تشكيل الصورة المؤولة  ” أو القصيدة – الصورة ” الركيزة الأساسية في الرؤية الشعرية عند الشاعر العراقي علي جعفر العلاق، حيث لا تعد مجرد أداة ديكور، بل هي أسلوب فني جوهري يُنشئ علاقة تراسل بين اللغة، والخيال، والرؤى الذهنية العميقة. الصورة المؤولة هنا هي جسد الرؤية الشعرية؛ هي الوسيلة التي يحول بها المشاعر الداخلية والتجارب الوجودية إلى لوحة بصرية – لغوية مشحونة بالدلالات – التأويلية ، المبتكرة، والمدهشة .

     ومن خلال الصورة المؤولة المعتمدة على اللوحات البصرية – اللغوية نعثر على ” نظرية القصد للمعنى ”  التي تقدم جملة من المفارقات ، اهمها موضوع القصد المشترك ما بين النص والمتلقي ، لذا ” فان معنى أي نص اقوم بقراءته انما هو في الحقيقة المعنى الذي اقصده لذلك النص . وهذا النتاج في الوقت نفسه انما هو موضوع كونه القصد الاصلي للمؤلف . لذا فمعناه الفريد لابد ان يكون معنى المؤلف “3 . ولكن في الحقيقة ان المعنى يجب ان يكون متعدد الهوية . لأن معيارية المعنى تعتمد بالأساس على الجهد الجماعي للتأويل. وبهذا فان تأويل القارىء باستطاعته ان يستعيد معنى المؤلف . فالمعنى يَنتج ، عن فعلِ تأويلي . والمعنى مكمّل للفهم الذي يَنتج عن التأويل .   

ومما يميز العلاق في بعض نصوصه ، انها من نوع الخطاب المنفصل ، حيث تحل الصور بداخل النص على أساس مستويات إنتاجية محايثة متحررة من السياق المباشر، مما يعطي الصورة طابعاً استقلالياً مؤولاً. لهذا يعد الدكتور علي جعفر العلاق واحداً من أبرز النقاد والشعراء العراقيين الذين واكبوا تحولات القصيدة العربية الحديثة، ولم تكن كتبه النقدية بمعزل عن ما بعد الحداثة، بل حاولت تمثّل جوهرها في سياق نقد الشعر العربي ، وهذا ما نلمسه في هذه الكتب .

فالشعر هو لحظة وجودية – ذاتية خالصة ، يجب أن يعطى في قصيدة ، رؤية صورية تعتمد على المتخيل والواقعي للعالم وللإنسان ، من خلال البحث عن اللحظة ، ليس في حاجة إلا للحَظة ذاتية ملتهبة ، متوهجة ، اللحظة التي تصنع الفارق ، لذا فهو يخلق اللحظة السحرية الإيحائية ، ليكوّن المعنى ، فالواقع الحقيقي للزمن يكمن في زمنية اللحظة ولا يوجد خارج اللحظة الا العدم ، ولأنها لحظة وعي يعتمد على رؤية باطنية متتابعة ، تتوقف حين تتكامل القصيدة ، بينما يرى ادونيس أن الشعر رؤيا تحاول التشكل ولن تتشكل ، تحاول الاكتمال ولن تكتمل ، لأنها مشروعاً مستقبلياً غير منجز 4.

وفي كتاب ” الشعر والتلقي ” الذي هو عبارة عن دراسات نقدية في الشعر والشعراء ، يبين دكتور علي جعفر العلاق مدى عمق التناص في الشعر وتداخل الأجناس في بعضها فيقول في هذا الشأن :

” في هذا العصر، الذي يشهد تداخل الأجناس الأدبية واشتباكها، ما عاد الشعر يحتفظ ،كما كان، بفروق تجعله غريباً عن النثر، أو مضاداً له. أي أن الفرق بين هذين الجنسين لم يعد فرقاً في النوع، بل هو الآن تمايز في الدرجة. يمكن للنثر، حين يختط لنفسه مساراً مفاجئاً، أن يختلط بالشعر، وأن يبتل بلهبه الغائم، ويدخل في احتدام من التضاد البهي. والحدود التي تفصل بين الشعر والنثر قلقة مراوغة، إنها “أقل استقراراً من الحدود الإدارية للصين” كما يقول ياكوبسن . والنثر حين يشحن بالشعر والدهشة لا يعود نثراً خانعاً، عبداً للأعراف التي وضعته في موقع الوسيط، اليوميّ، النافع ” 5. يرى العلاق التناص بمثابة حوار عميق بين النص الجديد والنصوص الأخرى ، التي يتم فيها صهر هذه المرجعيات في بوتقة جديدة تخدم الدلالة المعاصرة ، وليس ذلك فحسب ، بل يقوم العلاق بربط التناص وأفق التأويل حيث يعده المفتاح الذي يتيح للقارىء فك شفرات النص الشعري ، وفهم ابعاده الفلسفية – الاجتماعية – السياسية – الأسطورية .

يُعدّ كتاب العلاق النقدي “الشعر والتلقي” مرجعاً هاماً في طرحه، حيث يرى بعملية القراءة والتواصل. فالنص الشعري لديه ليس بنية مغلقة، بل هو فضاء مفتوح يتشكل معناه بتقاطع النص التي يختزنها الشاعر في لا وعيه الإبداعي، مما يمنح القصيدة أبعاداً جديدة تتجاوز ظاهر القول إلى باطن الدلالات.

وفي ” الشعر والتلقي ” يفتح الباب واسعاً أمام الباحثين للخوض في موضوع الشاعر- الكاتب / المتلقي – المسّتقبل ، فالشعر عنده ليس نصاً دون معنى إذ أن القصيدة ليست مغامرة لغوية وخروج عن عاداتها المألوفة، بل هي تنطوي على معنى. والقصيدة كما يراها المؤلف محاكاة للحياة خارج النص، واقتراب من تفاصيل ذلك الواقع غير النصي قدر الإمكان أو الشاعر يحاول من خلاله أن يحكم صلته بالواقع من جهة، وأن يحوله من جهة أخرى إلى واقعه نصية أو لسانية. أما في إطار بحثه لموضوع القناع في الشعر العربي الحديث، فيرى المؤلف أن شعراء عديدين مثل البياتي، أدونيس، صلاح عبد الصبور، وسعدي يوسف قد أفادوا من تلك التقنية وتمكنوا من أن يصلوا بالقصيدة إلى مستوى لم يكن قد بلغته من قبل من حيث القدرة على التعبير المتماسك الرصين وفي بناء صورة شعرية ذات دلالات متعددة تتصف بالقوة والجزالة .

والبعض من القراء لا يدري بان علي جعفر العلاق ، يكتب النقد بجانب كتابة الشعر ، والبعض الآخر يتسأل ايهما طغي على الآخر؟ الشعر على النقد أم النقد على الشعر ؟ وهنا ، علينا معرفة بماذا ابتدأ علي جعفر العلاق في الكتابة بالشعر أم بالنقد ، لكي تتوضح الصورة عند القارىء ،فأول قصيدة نشرت له كانت قصيدة «إلى صديقة مسافرة» 1964 وقد ظهرت في مجلة «العاملون في النفط». وتلك بادرة رسخت الثقة في نفس الشاعر الواعد، ولهذا طفقَ العلاقُ، وما برحَ، ينشر قصائده حتى كان عام 1973 حينَ ظهرت أولى مجموعاته عن دار العودة في بيروت، وهي بعنوان “لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء”.

ويصف علي جعفر العلاق ، يوم مقابلته للأستاذ جبرا ابراهيم جبرا في مكتبه في مجلة ” ، العاملون في النفط ” ، والحفاوة التي استقبله بها وهو في مقتبل عمره وبداية تجربته الشعرية ، يتكلم عن ذلك في كتابه ” المعنى المراوغ : قراءات في شعرية النصّ ” :

” ما زلت أذكر أن هذه المجلة نشرت لي أولى قصائدي . كانت قصيدة عمودية ، ومع ذلك فقد كانت تحمل شيئاً مختلفاً أثار انتباه جبرا ابراهيم جبرا ، ودفعه الى السؤال عن كاتب تلك القصيدة . وحين شاهد المجلة صديق لي ، وكان يشرف على الصفحة الأدبية في إحدى الجرائد اليومية ، طلب مني إجراء حوار مع جبرا ، وقد نشرت الحوار ففي تلك الجريد فعلاً ، ثم أعدت نشره، بعد ذلك ، في مجلة  ” الأديب ” البيروتية . لقد كان اللقاء بكاتب مثل جبرا حلماً بالنسبة لي ، أنا الطالب الذي انتقل تواً الى المرحلة الاعدادية من دراسته .

أذكر يومها ، وقبل موعدي مع جبرا بساعات ، أنني تعرضت لحادث لم يكن بالحسبان ، فقد سقطت من دراجتي الهوائية واخترق قدمي مسمار قديم ، ياالهي ! أفي يوم كهذا ، تٌلطّخ ذاكرتي بالدم ، وصدأ المسامير ، ورائحة اليود ؟ ومع ذلك غادرت العيادة الطبية مباشرة الى مكتب الاستاذ جبرا بعينين ملهوفتين وقدم ملفوفة بالشاش ، وحين اعلمه سكرتيره بوصولي خرج من غرفته مرحباً . ذهل لمنظري ، وذهلت لحفاوته وهو يستقبل شاعراً شاباً لم تٌنشر له غير قصيدة واحدة “6 .

بالنسبة لي ” لا ” اقول ان شعر العلاق تفوق على نقده ، و” لا ” نقده تفوق عل شعره ، لا ابداً ، رغم غلبة كفة الشعر على نتاج الشاعر لأنه هو “هويته” الأساسية. ولكن بقى نقده متكافئاً لشعره ولم يفقد بريقه ولا قوته ، وكلاهما بقى محتفظاً بخصائصه ومميزاته ، لقد وظف العلاق الشعر لصالح النقد وبالعكس . لتصبح حالة من التكامل والتفاعل المستمر ، لأن الشاعر – الناقد هو ” منظر ” لإبداعه ، ونقده غالباً ما يكون نقداً مبدعاً . وذلك بسبب نجاحه في تحقيق توازن محسوب بين الشاعر/ الفرد وبين الناقد / العارف .

وفي مقابلة صحفية في ملحق ” الخليج الثقافي ” بتاريخ 28/1 / 2011م، يقول الدكتور العلاق عن أحد الاسباب التي جعلته يكتب النقد ، هو عندما لا يستطيع الشاعر قول الذي يريده شعرا يرحله نقدا ، وهذا الرأي قريب مما اشرنا اليه :

” النقد الذي يكتبه الشاعر يختلف عن النقد الذي يكتبه الناقد المحترف، فالشاعر الناقد أكثر طواعية، لا يتقيد بالمناهج بطريقة صارمة، ويعتبرها أفقاً مرناً يتحرك فيه، لذا فالنقد الذي يكتبه الشاعر فيه الكثير من تموج الذات، ومن المكر، والمراوغة، والتوتر، وكأنه يستمد شيئاً من روحه الشعرية المتأججة، وتفسير ذلك أن جزءاً كبيراً من رؤى الشاعر، وأفكاره يظل خارج القصيدة التي ينجزها، فيبحث عن شكل آخر للتعبير، إضافة إلى ما لديه من مواقف وآراء تتعلق بإبداعه وإبداع الآخرين، والتي لا يمكن أن توضع في شكل شعري بطبيعتها فيرحلها الشاعر إلى شكل آخر يجاور إبداعه، وهو النقد ” .

وتدعيماً لما قلنا ، لدينا خير مثال على ذلك ، عندما يكون الشاعر ناقداً كبيراً ، هو الشاعر الامريكي – الانكليزي ت س اليوت 7، نعم يعتبر الشاعر اليوت واحداً من اعظم شعراء القرن العشرين ، ويحظى بمكانة بارزة في تاريخ الأدب الحديث العالمي لأنه احدث ثورة في الشعر الانكليزي في عشرينيات القرن العشرين ، تخلى عن الاساليب التقليدية البالية ليؤسس مدرسة شعرية جديدة تعتمد على التجزئة والصور الذهنية . ساهم إليوت في مجال النقد الأدبي إسهامات مؤثرة، خصوصاً بمدرسة النقد الحديث المؤثرة التي دعا إليها. ورغم أنه قلل من عمله كناقد قائلاً بأن أعماله النقدية لم تكن غير “منتج جانبي لورشته الشعرية الخاصة”. إلا أنه يُعتبر واحداً من أعظم نقاد القرن العشرين الأدبيين. حتى أن الناقد ويليام إمبسون قال مرة: “لا أعرف يقيناً كم اخترعه عقلي إليوت، ناهيك عن كم منه يعد رد فعلٍ ضده، أو ناتج قراءة مغلوطة له. إنه تأثير موغل، وربما ليس على عكس الريح الشرقية”.

   وفي كتاب “من نص الأسطورة إلى أسطورة النص” (2010)، يتبنى العلاق فكرة التشكيك في السرديات الكبرى – وهي من سمات ما بعد الحداثة هي القصص الكبرى التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتقدم وعودا بالخلاص للبشرية – ، حيث ينتقل التركيز من البحث عن “الأسطورة” كمعنى خارجي يفسر النص، إلى “شعرية النص” ذاته، بجعل اللغة والمبنى الجمالي هما الأسطورة الحقيقية. فالأسطورة عنده هو النص ، بمعنى ان النصوص تتحول الى أساطير .

    يختلف مفهوم “النص الأسطوري” (ممارسته إبداعياً) عن “الأسطورة” (نقدياً وتحليلياً) بشكل جذري في مشروع الناقد والشاعر علي جعفر العلاق، ويمكن تلخيص هذا الاختلاف في نقطتين أساسيتين :

1.الأسطورة في كتبه النقدية (الموضوع والآلية):يتعامل العلاق مع الأسطورة في دراساته النقدية (مثل كتابه “من نص الأسطورة إلى أسطورة النص”) كـ مفهوم نظري وتراثي. يدرسها بوصفها بنية موروثة أو مرجعية تاريخية، ويبحث في كيفية تفكيك النقاد والشعراء لها، أو يوجه نقده لمن يعتمد عليها اعتماداً سطحياً ومباشراً.

2.النص الأسطوري في إبداعه الشعري (الصناعة والتجاوز):يرفض العلاق في نصوصه الشعرية استنساخ الأسطورة القديمة. وبدلاً من استدعاء أساطير مثل “تموز” أو “عشتار”، يعمل على تحرير القصيدة من مرجعيتها الأسطورية الأولى. يحول القصيدة نفسها إلى كيان أسطوري حي ومستقل، وهو ما يطلق عليه مفهوم “أسطورة النص”. فيصبح النص الأسطوري لديه مشحوناً برؤى معاصرة ومكابدات واقعية، وكثافة إيحائية لا تعتمد على السرد الحرفي للأسطورة القديمة.

خلاصة القول: في كتاباته النقدية يفكك “نص الأسطورة” ويحلل آليات اشتغالها، بينما في نصوصه الإبداعية يمزق ثوب الأسطورة البدائي ليخلق “أسطورة النص” الخاص به، والذي يعبر من خلاله عن واقعه بطريقة أكثر عمقاً وتخييلاً

يُعرّف رولان بارت الأسطورة في كتابه الشهير أسطوريات (Mythologies) بأنها “منظومة دلالية ثانية”؛ فهي ليست القصص الخرافية القديمة، بل أي رسالة أو خطاب أو صورة يتم استخدامها في الحياة اليومية لإخفاء الدوافع الأيديولوجية – السياسية .

فبالنسبة لـ بارت ” لا تتحدد الأسطورة بموضوع رسالتها ، بل بالطريقة التي تطرحها بها . قد تكون هناك حدود شكلية للأسطورة ، لكن لا توجد حدود تتعلق بالمضمون . وعليه فان أي شيء يمكن أن يكون أسطورة ؟ أجل ، اعتقد ذلك “8 . لذا باستطاعة الكاتب الحديث ان يقوم بتوظيف أي عنصر أسطوري في عمله . باعتباره من المنتجات الثقافية – بدأً من الطعام والشراب وصولاً الى المصارعة المحترفة والألعاب – على انها علامات تحمل معاني اعمق وقيماً اجتماعية . ويجادل بان هذه العلامات تخلق أساطير لا تعكس الوعي الجمعي فحسب ، بل تشكله أيضاً .

 يتألف الكتاب من ثلاثة اقسام ، الاول اطلق عليه ” التحديق في الشرر ” ، وهو نقد للنقاد العرب الذين عملوا على تقديس المدارس الغربية النقدية الحديثة ، على اعتبار ان هذه المذاهب قد نزلت من السماء منزه بعيدة عن أخطاء بني آدم ، مشيراً بذلك الى النقدية العربية المعاصرة الغائصة في لجة النقد الغربي ، والمحبوسة بقمقمه :

” لكن جزءاً لا يستهان به من الفاعلية النقدية العربية ما يزال يتبنى بعض تلك المناهج ، رؤى وإجراءات ، بإيمان لاهوتي ضيق ، واندفاع آلي ” 9.

بل يمضي العلاق في ذلك ليشير الى بواطن الخلل في الحركة النقدية العربية الحديثة ، واسباب تأخرها وعدم اللحاق بها ، وجمود النقد العربي ولهاثه وراء الحركات والمدارس الغربية :  

” أن حركتنا النقدية ما تزال في بعض جوانبها ، مقيمة في دارة الانبهار بالقادم الجديد . وهذا الانبهار صورة من صور الافتقار الى الندية والتكافؤ مع الآخر الذي لم يشاركه في ابتداع هذه المناهج ، ولم نسهم معه في بعثها أو بلورتها ” 10.

ولكن ، بعد كل هذا الكلام ، الذي يجعل المتلقي يحس باليأس والاحباط والقنوط ، يعود علي جعفر العلاق منطلقاً كالعنقاء بسهم الأمل ، وبحث كلكامش عن دروب الخلاص في تأسيس هوية متميزة رصينة  للناقد الجديد المستوعب للنصّ ، المفلي للسطور ، الداخل الى عمق الكلمة ملتحماً بقلبها :

” أما لغة الناقد الجديد ، فهي غالباً جزء من موقفه النقدي ، أو مقاربته للنص ، بل اكاد أذهب ابعد من ذلك : إن الناقد الحق هو الذي يجتذبنا الى ناره الخاصة ، الى لغته التي تبدو مفتونة بذاتها احياناً . يغرينا بالعيش معه ، أو مرافقته في التحامه بالنصّ والاستمتاع بالعملية النقدية على أكثر من مستوى . ولعل اهم هذه المستويات ، مكابدته الجميلة للوصول الى حقيقة النص، إن كان ثمة حقيقة اصلاً . كما ان لغته الريانة الثملة هي التي تجسد مغامراته مع النصّ من جانب ، وتضمن لنا تلك اللذة اللغوية الكبرى من جانب آخر ” 11 .

أما القسم الثاني ، فيتكون من اربعة فصول هي :

1-انشودة المطر : من نص الأسطورة الى أسطورة النص .

2- محمود درويش : بنية النصّ وفتنة المجاز .

3- يوسف الصائغ  : شعرية الخوف .

4- سركون بولص : شعرية طوفان .

والقسم الثالث الذي يتكون من :

ملحق 1: انشودة المطر  – بدر شاكر السياب .

ملحق 2: شهود على الضفاف – سركون بولص .

ونرى على موقع الشاعر الدكتور علي جعفر العلاق ، دراسة مستفيضة عن قصيدة ” شهود على الضفاف ” ، تحت عنوان ” سركون بولص وشعرية الطوفان ” ، رغم ان هذه القصيدة كانت منشورة في كتاب ” من نص الاسطورة الى أسطورة النص ” كملحق ، اما الدراسة التي وضعها عنها ، فقد نشرها على موقعه ، قائلاً عن القصيدة ما يلي :  

” إن قصيدة النثر ، أو هذا ما اراه في هذا الفصل على الأقل ، واحد من نمطين شعريين يمثلان حركة الحداثة في شعرنا العربي الآن : اعني قصيدة الوزن او التفعيلة ، والقصيدة المكتوبة نثراً أو بتسمية أكثر جاذبية ، قصيدة نثر “12.

وعند دراسة هذه القصيدة ركز العلاق على شَعْرِية سركون بولص ، وعمق اطلعه على التراث الذي يحيلنا الى : الديني – الأدبي – الأسطوري ، وهنا ، اقوم باستحضار أسطورة المخلص – المنقذ ، ولكن صموئيل بيكيت يكون قد سبقنا في الإجابة ” لا أحد يأتي ” كما في في مسرحية ” في انتظار غودو ” ، أو ” لا شيء يحدث .. لا أحد يجيء ” كما في عنوان ديوان العلاق :

من يعيد الينا القامة التي تغيب

من يرفع المهد كالطائر من بين مخالب التنين

او يوصل اليه الأم الغريقة ؟

لا أحد ..

رجل واحد القى بنفسه لاعناً في التيار

تلقّاه النهر الهائج كأنه ذبيحة

صارع قليلاً ، صاح مرة

واختفى .. 13

والشَعْرِيَة التي يشتغل عليها علي جعفر العلاق في كتبه ، هي إن اللغة الشعرية في اثناء اشتغالها على اللغة وبناء الصورة الشعرية ” تعمل على هدم المنطق وتفكيك بنية الكلام وبنية النص الشعري ، لتؤسس منطقها الخاص بها ، وآليات وتقنيات اشتغالها أيضاً ، وبذلك تنقل اللغة من الوظيفة التفاعلية القائمة على الوضوح الى الوظيفة الشعرية القائمة على الابهام والتضليل الدلالي ، أي أن اللغة الشعرية تعمل على نسف وهدم الوظيفة التفاعلية للغة كوسيلة نقل معرفية وليس ذلك فحسب ، بل إنّ من إنجازات الشَعْرِية المهمة جداً ، هي انفتاح النصوص الأدبية على التأويل مع المحافظة على خصوصية كل منهم والتمتع بجماليته والتركيز على أوجه الاختلاف فيهم ” 14 .

    يشتغل العلاق على الكلمة – البرقية في قصائده النثرية ، وهذا الاشتغال قد انعكس على نقده بشكل غير مباشر في ” اللاوعي الكتابي ” ، مما اعطاهما جمالية شفافة في التعبير ، ومتانة في رسم الصورة ، أي في النثر الشعري والنثر النقدي ، ولكنه في قصيدته ، هنا  ،تميز بمنحها تقنية تعتمد على التكثيف الشديد، والابتعاد عن الإطناب والشرح. فهي تشبه البرقية في سرعة إيصالها للفكرة بقوة ودون زوائد، حيث تتجرد الكلمات من معانيها المعجمية لتصبح ومضات شعورية وإيحائية تشكل معماراً فنياً دلالياً. تتسم هذه التقنية بخصائص بنيوية وفنية محددة :

  1. الاقتصاد اللغوي (لغة الصفر) كل كلمة محسوبة بدقة؛ فالكلمة الزائدة قد تكسر الإيقاع الداخلي وتضعف “الصدمة الشعرية” التي تعتمد عليها القصيدة. استبدال الإسهاب بالومضات المتتالية التي تبني المشهد .
  2. الإيحاء والتأويل: تعتمد على “التكثيف الدلالي” (Semantics of compression)، حيث تحمل الكلمة الواحدة أبعاداً متعددة تتجاوز معناها الحرفي. تترك فراغات بين الكلمات والجمل ليدخل القارئ كشريك في بناء المعنى.
  3.  الإيقاع الداخلي غياب الوزن والقافية يعوض عنه إيقاع داخلي ينبثق من ترابط الكلمة والبرقية. هذا الترابط هو ما يمنح النثر شاعريته وتدفقه.

خلاصة القول : قصيدة النثر التي تعتمد على تقنية “الكلمة – البرقية” هي بمثابة لوحة فنية مركبة، تتكون من خطوط سريعة ومتقطعة، لكنها تعطي في النهاية صورة متكاملة ومكثفة للوجع ، أو الفكرة أو الرؤية التي يطرحها الشاعر . ولأنها تعتمد على التكثيف الدلالي حي تحمل الكلمة الواحدة ابعاداً متعددة تتجاوز معناها .

الهوامش والاحالات

1 –الاعمال الشعرية / علي جعفر العلاق – المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت / لبنان ، 1998م ، ص 9 .

2- م . ن . ص 21 – 22 .

3- وليم راي – المعنى الأدبي : من الظاهراتية الى التفكيكية ، ترجمة : د يوئيل يوسف عزيز ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد / العراق ، 1987م ، ص 18.

4- أسامة غانم – الشَعْرِيةٌ التأويلية في اللحظةِ الشَعرِيةِ ، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2021م ، ص 9.

5-د علي جعفر العلاق – الشعر والتلقي : دراسات نقدية ، دار فضاءات للنشر والتوزيع ، عمان / الاردن ، 2013م ، ص 161.

6- علي جعفر العلاق – المعنى المراوغ : قراءاتٌ في شعرية النصّ ، دار فضاءات للنشر والتوزيع ، عمان / الاردن ، 2020م ، ص 9- 10 .

7- ويكيبيديا / الموسوعة الحرة .

8- وليم رايتر – الأسطورة والأدب ، ترجمة : صبار سعدون السعدون و الدكتور سلمان داود الواسطي ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد / العراق ، 1991م ، ص 28 .

9- د علي جعفر العلاق – من نص الأسطورة الى أسطورة النص : دراسات نقدية ، دار فضاءات للنشر والتوزيع ، عمان / الاردن ، ط2 ، 2017/ ، ص 8   .

10- م . ن . ص 8.

11- م . ن . ص 33 .

12- موقع الشاعر علي جعفر العلاق على الانترنيت .

13- علي جعفر العلاق – من نص الأسطورة الى أسطورة النص ، ص 162.

14- أسامة غانم – الشَعْرِية التأويلية في اللحظة الشعرية ، ص 11 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية