📰 آخر الأخبار
دريدا والأدبي/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلهل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى كابوس يقض مضجع البشرية؟هشام فرجيKnee Pain / Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanهامش  يتيم/عارف عبد الرحمنأَسْفَارُ البَشَرِ / أ. عبدالكريم مراد الحب بوصفه استجابة للذة والألم/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربمشرب سورات/ليو تولستوي-ترجمة عبد العزيز أمين الخانجيأم أحمد / نجيب محفوظ«صباح الورد»… رؤية نجيب محفوظ للمجتمع المصري/أحمد طهTwo Poems By Lynthia Julius - South Africaقطةً عمياء / أيمان عبد الرحيمالتماثل الابيضان/جواني عبدالرِوايَة الْإِرْهَابُ وَدَمَارُ الْحَدْبَاءِ لعصمت الدوسكي/الْجُزْءُ الْأَوَّلُ - قَبْلَ الْبِدَايَةِ-هندة العكرمي – تونسالمسافة بين جفنين: جواز سفر إلى حرية الذات. قراءة نقدية في نص عتيقة هاشمي/عبد العزيز الخبشي- المغربتأثير ميشيل فوكو في مشروع إدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردنيبدو أن ثمة للكاردينال من يراسله..أسطورةُ ميزوفانتي مُتعدد اللغات/كريم عبيد علوينازك الملائكة / لؤي التميميسعدي يوسف تحت المجهر/لؤي التميميهل الملحد بالضرورة، جاهل ؟رامي الحلبيلم اغنّ هكذا من قبل/عبد الرزاق الصغيروطنٌ على معراج الرياح/آدم دانيال هومهفي النقد الثقافي لمتحفنا التراثي! أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيطواحين دون كيشوت المشابهة لمبادىء ساري:قراءة تأويلية – ثقافية لـ رواية " لا وقت لهديل الحمام "/اسامة غانمتيري فرينش .. زيارة : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالوجه الخفي للإقصاء العنصري للمهاجرين/د.حسن العاصي
دريدا والأدبي/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلهل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى كابوس يقض مضجع البشرية؟هشام فرجيKnee Pain / Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanهامش  يتيم/عارف عبد الرحمنأَسْفَارُ البَشَرِ / أ. عبدالكريم مراد الحب بوصفه استجابة للذة والألم/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربمشرب سورات/ليو تولستوي-ترجمة عبد العزيز أمين الخانجيأم أحمد / نجيب محفوظ«صباح الورد»… رؤية نجيب محفوظ للمجتمع المصري/أحمد طهTwo Poems By Lynthia Julius - South Africaقطةً عمياء / أيمان عبد الرحيمالتماثل الابيضان/جواني عبدالرِوايَة الْإِرْهَابُ وَدَمَارُ الْحَدْبَاءِ لعصمت الدوسكي/الْجُزْءُ الْأَوَّلُ - قَبْلَ الْبِدَايَةِ-هندة العكرمي – تونسالمسافة بين جفنين: جواز سفر إلى حرية الذات. قراءة نقدية في نص عتيقة هاشمي/عبد العزيز الخبشي- المغربتأثير ميشيل فوكو في مشروع إدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردنيبدو أن ثمة للكاردينال من يراسله..أسطورةُ ميزوفانتي مُتعدد اللغات/كريم عبيد علوينازك الملائكة / لؤي التميميسعدي يوسف تحت المجهر/لؤي التميميهل الملحد بالضرورة، جاهل ؟رامي الحلبيلم اغنّ هكذا من قبل/عبد الرزاق الصغيروطنٌ على معراج الرياح/آدم دانيال هومهفي النقد الثقافي لمتحفنا التراثي! أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيطواحين دون كيشوت المشابهة لمبادىء ساري:قراءة تأويلية – ثقافية لـ رواية " لا وقت لهديل الحمام "/اسامة غانمتيري فرينش .. زيارة : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالوجه الخفي للإقصاء العنصري للمهاجرين/د.حسن العاصي
مقالات نقدية

طواحين دون كيشوت المشابهة لمبادىء ساري:قراءة تأويلية – ثقافية لـ رواية ” لا وقت لهديل الحمام “/اسامة غانم

غلاف رواية بعنوان 'لا وقت لهديل الحمام' تأليف جوردن جالي، يظهر تصميم فني يحتوي على أغصان وأشكال تشبه طائرًا.

     في رواية “لا وقت لهديل الحمام”1 للكاتب العراقي جودت جالي ، تبرز شخصية البطل “ساري” كنموذج للمناضل الذي يصارع واقعاً سياسياً مخيفاً بمبادئ صلبة تبدو في عيون من حوله أشبه بـ “طواحين دون كيشوت” الوهمية والعبثية.

     الرواية توثق مرحلة الهجمة الشرسة التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي عام 1979 وتنظيماته ورفاقه بعد انهيار التحالف والجبهة مع حزب البعث الحاكم – بالأصح حزب البعث هو من قام بإلغاء الجبهة – هذا هو جوهر المأساة ذلك التناقض الصارخ بين الإمكانية التاريخية التي استطاع الحزب أن يخلقها بنضاله الجماهيري، الذي جعل الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء يضعون ثقتهم في قيادته، وبين إستراتيجيات الحزب الانتحارية والتي أدت به مرارًا وتكرارًا إلى المشانق وغرف التعذيب وأهدرت فرصًا تاريخية. خاصة في 1959، كان بإمكانها تغيير تاريخ المنطقة بأكملها.

وعليه قمت بتبين وجه الشبه بين مبادئ ساري المتزمتة ومعارك دون كيشوت الوهمية ، وذلك يتجلى في المحاور التالية:

الإصرار على المواجهة الفردية والانتحارية: اقترح ساري فكرة “المقاومة المسلحة” اتقاءً لغدر السلطة، ورغم رفض الحزب لاقتراحه وضياع التنظيم وتشتت الرفاق بين هارب ومستسلم، أصرّ على البقاء والتحرك وفق قناعاته الثورية، تماماً كما اندفع دون كيشوت برمح قديم لمواجهة طواحين الهواء ظناً منه أنها عمالقة :

” جال ببصره على أشياء الغرفة الغارقة في ظلالها الرطبة ، لاحظ ساري أنه لا يوجد سلاح قرب الرجلين ولا في أي مكان من الصالة وفيما كان ملتفتاً نحو الباب يتسأل في سره اين ذهب ناجي شده صوت المسؤول :

-اقتراحك ….

وتنحنح ليذهب الحشرجة من صوته .

نظر اليه ساري متفاجئاً :

-ماذا ؟

– اقتراحك الذي اقترحته بشأن التنظيم السري الرديف ..

– أجل ؟ وماذا عنه ؟

هل نفذت منه شيئاً ؟

هز رأسه بالنفي وقال :

-أنت تعرف يا رفيق أن الحزب رفض المقترح .

سبق لساري أن إقترح أن يقام تنظيم سري ، من الكسب الجديد ومن الشباب حصراً ، قادر أن يباشر بمقاومة مسلحة ، بطريقة الاغتيالات ، ما أن تنكث السلطة الحاكمة بوعودها في حياة ديمقراطية ويتعرض الحزب لهجمة تصفية – ص 14 ” .

رفض الامر الواقع والتصرف بحكمة : في الوقت الذي انحنى فيه الجميع للعاصفة خوفاً من بطش السلطة، رفض ساري “التراجع ” أو حتى “الظهور بمظهر الخائف ” أو الاختفاء عن اعين رجال الأمن والابتعاد عن مقر الحزب الذي يعتبر في هكذا ظروف مصيدة جيدة . ولكن هذا التمسك الطوباوي بالمبادئ جعله يعامل الرفاق الذين تراجعوا أو تهاونوا (مثل رفيقه ناجي الذي تراجع حمايةً لعائلته) باستهانة، معتبراً أن النضال لا يقبل التجزئة، وهو ما يشبه عيش دون كيشوت في زمن “الفروسية الغابر” ورفضه لقيم المنفعة والمصلحة الواقعية التي يمثلها تابعه سانشو :

 ” -تقصد أنهم من دائرة الأمن ؟

عندها يلتفت نحوه ناجي بحدة ويقول :

بربك يا ساري ..وما تظن أني أفعل كل هذه المدة ؟ أنا محتجز .. طعم لإصطياد اناس هوج مثل حضرتك لا يريدون ان يختفوا بسلام الى ان تٌفرج بطريقة ما ، ويظلون يدورون الى ان يسقطوا في الفخ …

يردد ساري بعده وقد بانت على ملامح وجهه تعابير الأسى لما يسمعه من ناجي :

-الفخ ؟

ينحني ناجي مستندا الى المنضدة وهو ينظر الى ساري باسترضاء :

-يا ساري …لطالما حدثتني انت نفسك عن العقلانية في التصرف فهل ترى من العقل ، وقد نجاك الله منهم ، أن تجازف بالعودة الى هنا . من جانب آخر فإن لعائلتك الآن عليك حقا أكثر من أي حق آخر – ص 102 ” .

صراع الوهم الأيديولوجي والاستهانة بالخطروتخلي القيادة: كانت المبادئ الثورية النظريّة التي يحملها ساري تصطدم بآلة أمنية شرسة لا ترحم. ذهابه إلى مقرات الحزب المكشوفة وتحديه للخطر بعد أن أصبحت ساحة المعركة غير متكافئة جعل من نضاله النبيل “معركة دائرية” لا أفق لها، تشبه محاربة طواحين هواء تدور بلا توقف لتسحق من يقف أمامها. وبينما الرفاق يتساقطون في الاقبية المظلمة وفي الطرقات ، وفي السجون المنتشرة في طول البلاد وعرضها ، تتكاثر الأوسمة على صدر نائب الرئيس الممنوحة من دول العالم الاشتراكي ومن بينها وسام خوزيه مارتيه :

” مع ان أباه يدرك ما يجول بخاطره من تساؤلات ملؤها الخيبة سببتها له أحداث الأيام الأخيرة ، لكنه يدرك أيضاً أن ابنه مصمم على العودة ولن يستطيع ان يمنعه . أضاف قائلاً :

-هذه هي حقيقة ما يحدث في العالم يا بني وأنتم الضحايا . ضحايا الأمل الرومانسي بحياة أفضل . مسؤولوكم الكبار يتسللون الآن ناجين بحياتهم بضمانات دولية ويتركونكم لمن لا يرحم . انتهت التمثيلية – ص 9 ” .

نعم .. انتهت التمثيلية ، منذ ان أعلن الحزب الشيوعي في إبريل 1972 دخوله الجبهة الوطنية التقدمية ، لكن ما فعله الحزب الشيوعي العراقي في الفترة ما بين 1972 إلى 1974 يفوق كل خيال فقد أعلن في صحيفته طريق الشعب أن صدام حسين هو فيدل كاسترو العراق وأن “الثورة الوطنية الديمقراطية قد دخلت مرحلة راديكالية مرحلة التنمية اللارأسمالية”!! وليس ذلك فحسب ، فلقد قام الحزب بتفكيك كافة منظماته ومجموعاته العمالية والنقابية ودمجها في حزب البعث، وأيد كافة إجراءات النظام بما في ذلك حرب البعث الدموية على الأكراد. وقد استطاع البعث من خلال خدمات الشيوعيين من السيطرة الكاملة على النقابات العمالية وتفريغها النهائي من أي درجة من الاستقلال.

تنتهي الرواية بنهاية حزينة تكرس هذا المفهوم؛ حيث يختفي “ساري” ويقتل رفاقه الآخرون، لتظل مبادئه بطولية في جوهرها، ولكنها مأساوية و”دونكيشوتية” في عدم ملاءمتها لواقع سياسيّ مجرد من الأخلاق والمبادئ.

البعض سوف يتسأل لماذا شبهت ساري ايوب صالح بــ دون كيشوت ؟ لسبب بسيط ، الاثنان ارادا محاربة قبح العالم وشروره والتمسك بالقيم والمبادى الخيرة ، لكي يعيش الجميع بسعادة ومحبة ، فـدون كيشوت هو إنسان شفاف الروح وبالغ الحساسية ممّا جعله غير قادر على احتمال قبح الواقع، فاخترع بذكائه وخياله المجنّح عالمًا أجمل، وأكثر انسجامًا مع مبادئه وكل ما يؤمن به من قيم نبيلة. ولكن الاثنان لم يتوصلا لنتيجة ، فالأول امتشق سيف مثاليته لمقارعة طواحين الهواء ، والثاني تحطمت مبادئه على ابواب الواقع المخيف ، لذا علينا قراءة شخصية ساري قراءة موضوعية متزنة وعادلة بعيدا عن العاطفة والتطرف والاحكام الجاهزة .

تروي هذه الرواية سيرة إنسان يتراوح فيها السرد بين اليومي المتعلق بحياته ، والتاريخي المرتبط بتجربة مريرة ورهيبة . ولعل العلاقة بين الخطاب الروائي والخطاب السياسي يمكن ان تكون أكثر تعقيداً من العلاقة بين الخطاب الروائي وبين الخطاب التاريخي . ذلك ان الاولى تقتضي احاطة برؤية الكاتب للواقع وموقفه من قضاياه الراهنة ، بما ان رموزه تحيل عليه الواقع . كما يستوجب الماماً بتوجهات المؤلف السياسية والفكرية والعقائدية ايضاً ، لأنها قد تفيض على النص الذي لا يعدو ان يكون – احياناً – غير صدى للذات في علاقتها بمحيطها وبالآخر . اما الثانية ، أي العلاقة بين الخطاب الروائي والخطاب التاريخي ، فيمكن ان تكون اوضح وابين ، لأن : ” التاريخ ، شانه شان الروائي ، خطاب سردي ، ومهما بالغنا في اسباغ البعد المرجعي عليه ، فانه يظل خطاباً منجزاً في مقام محدد تتحكم فيه اعتبارات شتى تٌوجهه وتضي مسالك قراءته . وكذا الشأن بالنسبة الى الرواية ، وان بدت خطاباً تخيلياً ، لا تنقطع صلتها بالمرجع انقطاعاً تاماً “2 . وهنا ، لا يختلف الرمز التاريخي عن الرمز السياسي من حيث حضوره في الخطاب السردي اولاً ، ثم ايحاوه بالمرجع ثانياً .

إن هنالك الكثير من الوقائع والاحداث التي لم يأتي على ذكرها السارد الضمني ، ليس بقصدية طمس الحقائق ، بل جعل شخصية ساري هي التي تعطينا شفرات الدلالات التي تضعنا عند مداخل العثور على ” فهم النص أو تأويله ، لأنه يعتمد على إدراك العالم الذي يحيل اليه النص . فالنص هو الذي يحقق المعنى من خلال قوانينه وتقاليده ، فإن القراءة التأويلية ، تقتحم عالم النص ، بقصد تفسيره وتأويله ، تأويلاً يتماشى مع شمولية القراءة التي يشكلها واقع النص “3 . وهنا ، مهمة التأويل تنحصر بالدرجة الاولى في فهم النص ، لا في فهم المؤلف ، فلا ذاتية المؤلف ولا ذاتية القارىْ هي النقطة المرجعية وانما المعنى التاريخي نفسه بالنسبة الينا في الزمن الحاضر ، وكما قلنا ، ان النص يظهر الى حيز الوجود الحقيقي في حوار المؤول / الناقد / القارىء الذكي مع النص ويكون موقع المؤول شرطاً مهماً لفهم النص .

 هل كانت شخصية ساري إشكالية؟ نعم، كانت شخصية ساري إشكالية بامتياز. وتكمن إشكاليتها في النقاط التالية:

البطل المأزوم (بين المبدأ والتنظيم): يعيش ساري أزمة مزدوجة؛ فهو مستهدف من السلطة الدكتاتورية من جهة، ومرفوض ومُحاصَر من قِبل توجهات حزبه الرسمية التي ترفض خياراته الراديكالية من جهة أخرى. هذا التموضع يجعله شخصية تقع في منطقة رمادية، فلا هو منضبط حزبياً بالمعنى التقليدي، ولا هو مهادن للسلطة.

مفهوم “البطولة التراجيدية”: تكمن إشكاليته في أن القارئ يتعاطف مع نبل مقصده وشجاعته، لكنه في الوقت نفسه يرى في سلوكه نوعاً من العناد الذي يقود حتماً إلى الهلاك والفشل في تحقيق التغيير. هو يمثل إشكالية “المثقف أو المناضل العضوي” الذي يرفض تقديم أي تنازلات، حتى لو كان الثمن تدمير حياته وحياة من حوله.

   *  الاغتراب المزدوج (عن السلطة وعن الحزب) في الرواية: يعاني ساري من اغتراب مزدوج    وعميق؛ فهو مغترب ومطارد من قِبل السلطة الديكتاتورية الحاكمة، وفي الوقت نفسه مغترب داخل حزبه السياسي الذي رفض مقترحاته لتشكيل جبهة مقاومة صلبة، وكان ساري غير راضٍ عن مهادنة الحزب للسلطة. هذا الرفض من الطرفين يجعله يعيش “عزلة إشكالية” خانقة.

باختصار، ساري ليس “بطلاً مسطحاً” أو مثالياً خالياً من العيوب، بل هو شخصية مدورة ومعقدة تعكس انكسارات جيل كامل من المناضلين العراقيين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة بطش السلطة وسندان الخيارات السياسية الخاطئة لأحزابهم.

وليس ذلك فحسب ، بل ان شخصية ساري هي نموذج ومثال تطبيقي دقيق على ” البطل الاشكالي ” الذي تكلم عنه الناقد جورج لوكاش ، ولكي تتضح لك الصورة النقدية تماماً، إليك كيف تتطابق أبعاد شخصية “ساري” السياسية والنفسية داخل الرواية مع البنية الفلسفية للبطل الإشكالي عند لوكاش:

1. الصراع بين الوعي الذاتي والواقع الفاسد

عند لوكاش: البطل الإشكالي هو شخص يملك “وعياً حاداً” وقِيماً أصيلة، لكنه يعيش في عالم متدهور يرفض هذه القيم.

في الرواية: شخصية ساري (العامل في السكك الحديدية والمناضل الشيوعي) يرفض بشكل قاطع التنازل عن مبادئه. يعيش في فترة تاريخية عصيبة (عام 1979 في العراق) تشهد انقلاب السلطة الباطشة على الحزب الشيوعي وتفكك “الجبهة الوطنية”. هنا يصطدم وعي ساري النضالي النقي بوقائع البطش السياسي والخذلان. 

2. البحث المأساوي عن القيمة (البطولة المفقودة)

عند لوكاش: الرواية هي ملحمة العصر الحديث (ملحمة البرجوازية) حيث يبحث البطل عن “الكلّية المفقودة” والعدالة في زمن لم يعد فيه مكان للأبطال الخارقين.

في الرواية: يتحول بحث ساري ومقاومته الفردية إلى فعل مأساوي محكوم بالظروف التاريخية المعقدة. تظهر إشكاليته في تمسكه الأعمى بالمبدأ كقيمة مطلقة في زمن تساقطت فيه المبادئ تحت وطأة الخوف والترهيب.

عندما يصف النقاد ساري بأنه “شخصية إشكالية”، فهم لا يعنون أن لوكاش يعرف ساري شخصياً، بل يعنون أن جودت جالي نجح في خلق بطل روائي تتجسد فيه أطروحة لوكاش حرفياً. ساري هو تجسيد “للبطل المغترب الذي يخوض معركة خاسرة ضد مجتمع مشوه من أجل الحفاظ على روحه ومبادئه الكونية ” .

هنالك ومضات في الرواية ، جميلة ورقيقة مملوءة بإنسانية شفافة ، مثل شجيرة ورد الجوري المزروعة امام باب الحمام ، بحيث يفكر بها من الذي سيقوم بسقيها والاعتناء بها بعد تركه للبيت ، عليه يبرز سؤال يظل معلقا في ذهنه : متى يأتي الساكن الآخر لكي يسقي الجورية ؟ :

” يفتح باب بيته الحديدي المكون من غرفتين امامهما التواليت والحمام والمطبخ وفي الوسط باحة صغيرة مكشوفة . ما أن يصبح داخل الباحة الصغيرة حتى يلتفت الى حيث شجيرة ورد جوري احمر وحيدة ، لم يزرعها هو بل وجدها هناك حين استلم الدار ، واستمر بالعناية بها وسقيها ، وعلى الجوريات الصغيرات اللواتي يتهيأن للتفتح ، اعراض الذبول ، يفكر : ” هذا الورد الجوري ذبوله اسود ” وهو يمسك بتلةً ما بين إبهامه وسبابته ويفركها برفق – ص 57 ” .

حتى عندما يتغزل بزوجته امينة ، يتغزل بها من خلال هديل الحمام البري ، الهديل الذي يجعله يطرب لسماعه ، والذي يشتم فيه رائحة الحياة ، فلقد حب الحمام بسبب هديله ، لذا جاء عنوان الرواية متناقض ، لأن عنوان روايته “لا وقت لهديل الحمام” أن يرمز إلى غياب السلام، والهدوء، والأمان، واستحالة العيش في وئام في ظل سلطة دكتاتورية ومرحلة سياسية دموية. فهديل الحمام يرتبط دائماً بالسكينة، والراحة، والسلام النفسي أو المجتمعي؛ ونفيه بعبارة “لا وقت له” يعكس الوقع القاسي للأحداث :

” ومال عليها وهي تقول له :

-لقد قلت عن هديلها ما يكفي فماذا عن هديلي 

– الآن أقول لك بماذا تهدلين ؟ – ص 44 ” .

الهوامش والاحالات

1-جودت جالي – لا وقت لهديل الحمام – دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع ، بغداد / العراق ، 2019م .

2- المنجي بن عمر – الرمز في الرواية العربية المعاصرة ، المركز الديمقراطي العربي ، برلين / المانيا ، 2021م ، ص 218 .

3- أسامة غانم – جدل التأويلية : الكتابة – النص / القراءة – الفهم ، الحكمة للطباعة والنشور والتوزيع ، القاهرة ، 2022م ، ص 45 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition