قراءة نقدية في ” ذلك النهر الغريب /اسامة غانم

” ذلك النهر الغريب “* هو عنوان مجموعة قصصية للأديب العراقي الدكتور نجمان ياسين، صدرت طبعتها الأولى عام 1981. وتستوحى القصص عالم الطفولة والمراهقة بعيون الأطفال الذين لا يستطيعون ان يستوعبوا عالم الكبار بعيونهم غير الملوثة ، ويتعاملون مع الحياة بدهشة وأحاسيس صادقة مستلهمة أسلوب الواقعية – السحرية الممزوجة بالرمزية وباستدعاء الموروث الشعبي والاسطوري في مدينة منسوجة بتفاصيلهما ، مستندة على براءة الخيال ، ومتغيرات علاقة الاشخاص بالعالم وبالآخر . هنا ، الاشخاص لا يمثلون التاريخ فحسب ، ولكنهم يعيدون صناعته عن طريق امتلكهم للذاكرة المتخيلة .
تتألف المجموعة من تسع قصص ” جوار قصر شاهق – نداء الريش والحليب – المنارة – مملكة المعجزات – البكاء – اللصوص – الطائر يا صديقي – في الظل تحت الاشجار – الحدث ” . وهنا ، يجعل القاص الذي ينتهي من قراءة المجموعة يتسأل : لماذا لم تحمل المجموعة اسماً من الاسماء التسعة ، ومنحت اسما مختلفا بعيدا عن الأسماء جميعها ، وهذا سيدفع المتلقي دفعاً الى الاستغراب والتساؤل عن اسم المجموعة الجديد ، ولو دققنا قليلاً ، لتبين لنا صحة ما ذهب اليه القاص نجمان ياسين ، عل اعتبار المجموعة جميعها قصة واحدة ، تحت أسم واحد هو ” ذلك النهر الغريب ” .
تتموضع مرحلة المراهقة في المجموعة في قلب البنية السردية للعمل، حيث تشكل مع مرحلة الطفولة الأولى المرتكز الأساسي لرؤية العالم من منظور الصبي أو الراوي البطل. يشير تحليل دلالة العنوان إلى التدفق المستمر للزمن، والتحولات النفسية العميقة التي يمر بها الإنسان أثناء الانتقال من براءة الطفولة إلى وعي المراهقة المشوب بالخوف والغموض. يُعد العنوان عتبة نصية رئيسية تختزل صراع الذات الناشئة مع العالم الخارجي.
يقول القاص عن ” ذلك النهر الغريب ” انها قصص : ” تستوحي الرؤية الطازجة والبكر لعالم الطفولة والمراهقة الأولى ، من خلال عين الطفل أو الصبي الذي يتعامل مع الأشياء بكل حرارة ودهشة الاعماق – ص7 ” .
مثلما ، عندما تحول الاكتشاف الى دهشة ثم الى متعة في اسطورة أدم وحواء ، كذلك في قصص ” ذلك النهر الغريب ” ، فأن شِعْريّة الحلم في هذه القصص ، تمتاز بالانفتاح والتوسع برمزية – فانتازية ، تعمل على الامساك باللحظة الهاربة قبل ان تختفي أو تضيع ، لكنها أي لحظة الدهشة حالما يقبض عليها تصبح متشظية . وهذا ما نعثر عليه في افتتاحية قصة ” جوار قصر شاهق ” :
” وقف الصبيان امام الباب المقوس من الخشب المرصع بدوائر تشبه الفة اللامعة ، الباب الواسع الكبير الذي يبدو مثل عين لامعة وصقيلة في جسد القصر المنتصب ككائن خرافي وحشي يريد افتراس البيوت الصغيرة الشبيهة بحيوانات اليفة ومطمئنة – ص 11 ” .
هنالك في الطفولة ، حدود لا يعرف الطفل كيف يتعامل معها ، لذا يلجأ الى الخيال ، أو مسائل لا يعرف ماذا يطلق عليها من مسميات عندما تواجهه ، أو يتعامل معها بسذاجة ، غير مدرك كنيتها ، فهو لا يعرف معنى الطبقية ، أو الاختلاف ، وسبب هذا الاختلاف :
” صرخ الاول وصوته يقطر فجيعة : انها الخادمة .
صعق الثاني وتطلع بجمود ثم قال بصوت متهالك : الخادمة !
اقتربت الخادمة بحذر ومشية صارمة كما لو كانت تجاهد امواجاً قوية متدافعة تحاصرها وتشل حركتها ، وخيل لهما ان الثوب الاسود الذي ترتديه نذير موت وشؤم .
قالت الخادمة : تقول سيدتي إن وفاء لن تراكما بعد الان .
صمتا .
شب حريق في دمهما الذي بدأ يضرب جسديهما ويهدر .
واصلت : وتقول لكما ان حضوركما هنا ذنب لا يغتفر فانتما لصان .
اعترض الاول : لسنا بلصوص .
وقال الثاني : لسنا لصوص . ص 25 – 26 ” .
هنا اللحظة الوجودية التي تهم المؤول او المفسر ، لا تأتي الا في حالة الفهم – التأويل . لكن قبل تفسير النصوص ، يأتي تفسير الأشياء . والتأويل ، في الواقع ، هو اولا تبين تطور للفهم ، تطوير لا يحول الفهم الى شيء آخر ، لكنه يجعله فهماً .
التأويلية هي فن أن نفهم ، وان نجعل انفسنا مفهومين ، ان الفهم هو الفعل التأويلي المتكوّن من ضم أشياء محددة مثل : الكلمات – الإشارات – والأحداث لشيء كامل ذا معنى . لذا إن التأويلية منهج للغوص ، للبحث عن المعاني والدلالات الخفية ، والكشف عن الموز والإشارات ، عليه تكون علاقة المؤول بالنص ، هي علاقة فهم وادراك المعنى بينهما . يطلق عليها غادامير اسم الحوار ” أي المشاركة ” ، وكما يقول غادامير في نصه ” في حلقة الفهم – 1959 ” : ” يتجلى نشاط فن التأويل في ايضاح الفهم ليس كتواصل سري وعجيب بين النفوس ، وانما كمشاركة في بلورة معنى مشترك “1، ان الفهم والإدراك مسألة تاريخية في حدّ ذاته ، وان التجربة التأويلية والفهم يشكلان أمراً جدلياً وتابعاً لمنطق السؤال والجواب .الذي يؤدي الى فهم مضاعف والذي يأتي دائماً من التأويل ولكنه منفتح على النقد أيضاً 2.
قصة ” نداء الريش والحليب ” ، تعتبر المواجهة الحقيقية ما بين الذات والعالم ، ما بين الحلم والواقع المغطى بسحابة من البراءة ، تمتلك من القراءات الكثير ، والتأويلات المتعددة ، ولكنها تلتقي في القصد المبطن بحوارات عادية في العلن وجنسية في السر لطفل تواً قد قفز الى المراهقة ، متلمساً بخفر وحياء خفاياها ، فالمرأة في هذه القصة ، يظهرها لنا السارد ماكرة ، فاتنة في اغوى الصبي الساذج ، الذي لا يستطيع ان يفهم ما يتحدثان به من كلام ، لأنه مبطن بتلميحات ودلالات جنسية غير مكشوفة ، وخاتلة وراء اللغة المراوغة :
قالت البطة : من تختار ؟
قالت الطويلة : من تختار ؟
بقيت واقفاً لا ادري ما يدور حولي .
قالت البطة : تزوجني ولن تخسر ابداً .
سقط الاناء من يدي فضحكتا .
واصلت البطة : تزوجني فأنا امرأة حارة .
قالت الطويلة الممتلئة : اذا تزوجتني سأريك العجائب ، سترى العجب .
همست البطة : لنتركه يختار بنفسه .
قالت المرأة الممتلئة وهي تضم صغيرها الى صدرها : هل تحب الحليب ؟
قلت وصوتي يرتعش : أحبه مع الشاي .
ضحكت الطويلة الممتلئة وضحكت البطة ، وقالت الطويلة الممتلئة : الحليب وحده اطيب .
ظلت البطة تضحك . وظل الذهب يبرق ، يلتمع زاهياً .
وظللت حجراً جامداً .
اقف مسحوراً . ارتجف برداً وقطرات العرق بكل جبهتي الباردة في حر الصيف .
قالت الطويلة الممتلئة : تعال – تعال … اشرب .. اشرب .
واندفعت نحو الخارج كالمجنون ص 32- 34 .
ترتبط المجموعة جمالياً وفلسفياً بعلاقة الصبيان بمخاوفهم العميقة، وطفولتهم، وعوالم اللاشعور، إضافة إلى ارتباط المكان بذاكرة الطفولة وقلق المصير والزمان والوجود. وارتباط دلالات النهر بعالم الطفولة والمراهقة الاولى ، لتشكل الوعي بالذات والمحرمات الاجتماعية ، لأن هنا يمثل النهر فضاءً رمزياً لتحولات العمر والفضول المعرفي المبكر للذات ، والاسئلة الغامضة حول الحياة .
ففي قصة ” مملكة المعجزات ” ، يجعلنا السارد نشعر بأن هنالك فرق كبير ما بين موقف صبي النجار مع المرأتين في ” نداء الريش والحليب ” وموقف مراهق المرقد الذي تكون رؤيته لهذه الامور ناضجة ومستوعبة لما يحدث ” آه لو عرفت امي اننا فاجأنا ” المقيم ” ذات يوم ينظر الى النساء المستحمات في بئر المرقد ” ، ويبين لنا السارد مدى عمق رؤية مراهق مملكة المعجزات لعملية الجماع :
” قاد المقيم المرأة الى ركن مظلم وبهدوء عاد فاقفل الباب وراءه ، فانتشر الظلام اكثر ثم توجه الى المرأة التي استلقت مستكينة تحت ثقل جسده الذي برزت مؤخرته ناتئة صلبة واخفت جزءً كبيراً من فخذي المرأة اللذين بدا الحركة صعوداً وهبوطاً كسمكتين ملتمعتين رشيقتين ، كانا يروحان ويجيئان ، يرتفعان ويهبطان والظلام يخفي ملامح جسديهما ، كان المقيم يلهث و يلهث وحركته تزداد وتزداد ثم كف جسده عن الحركة تشنجات ورعشات قصيرة وعديدة ، وكنا نلهث ككلاب جائعة ومتعبة انهكها الحر والعطش – ص 65، 66 ” .
البعض يتسأل ، هل تعتبر قصص ” ذلك النهر الغريب” قصص ما وراء القص وبماذا تتميز ان كانت كذلك ؟
أقول لا تُصنَّف مجموعة قصص “ذلك النهر الغريب” للقاص العراقي نجمان ياسين بشكل أساسي ضمن أدب ما وراء القص (Metafiction)، بل تندرج تحت تيار الواقعية –السايكولوجية – الرمزية، مع مسحة من الواقعية السحرية والروح الأسطورية. أدب “ما وراء القص” يركز على كسر الجدار الرابع، حيث يتحدث الكاتب داخل النص عن عملية الكتابة نفسها، أو يتدخل الراوي ليعلن أنه يكتب قصة. أما مجموعة “ذلك النهر الغريب” (الصادرة عام 1981)، فلها توجه فني مغاير تماماً.
بماذا تتميز مجموعة “ذلك النهر الغريب”؟ إذا لم تكن “ما وراء القص”، فما الذي يميزها ويمنحها قيمتها النقدية الكبيرة؟ تتسم هذه المجموعة بخصائص أسلوبية ورؤيا فريدة جعلتها علامة فارقة في القصة العراقية الستينية والسبعينية :
*منظور الطفولة البكر: تُروى القصص عبر عيون الأطفال والصبية. يعيد الكاتب صياغة العالم من خلال دهشتهم الأُولى، بعيداً عن منطق وقوانين عالم الكبار المختلفة تماماً عن عالم الطفولة/المراهقة الذي يتحدد بالوعي والادراك :
” في ذلك الشتاء الكافر ، الشتاء القاسي كنا نحن الأولاد الفقراء نسير نحو النهر ، النهر المدهش الغريب الذي كنت أظن أني سأجد فيه النقود والدمى وسأستطيع بعد ذلك ان اوفر ثمن الدواء لأمي التي لا تنام الليل كون الألم ينهش الاعماق منها ويجعلها تبكي فأعجب كيف يمكن ان تفعل هذا واسألها فتقول :
-الصحة كنز ،كنز وانت لم تكتشف هذا الكنز .
كانت الريح الباردة العاصفة تلطم وجوهنا المتسخة التي تراكمت عليها آثار التراب ، وكنا نسير وملابسنا الممزقة تلتصق بأجسادنا الضيئلة فتبرز الاعضاء الدقيقة وتجسد ثنايا الاجساد – ص 89 اللصوص ” .
*جماليات الخوف البنيوي: الخوف هنا ليس مجرد شعور عابر، بل هو ثيمة (وجودية). يرصد القاص مخاوف الطفولة المعذبة، والقلق من المجهول، والزمان، والمكان، والموت :
” قالت امي وعيناها تدمعان بفعل رائحة البصل الذي بدأت تقطعه وترميه في قدر ماء صغير يطفو الدهن النباتي على سطحه :
- يريد ان يراك هذه المرة .
دمعت عيناي ايضاً وقلت : لا أستطيع .
همست برجاء : لقد اشتاق لرويتك .
اجبت : اعرف هذا ، ولكنني خائف .
قالت بعتاب ودهشة : تخاف من ابيك ؟ .
قلت بضراعة : لست خائفاً منه ، لكنني خائف ولا أعرف لماذا ؟
ضحكت امي بدأ انها لم تقتنع بتبريري بينما كنت ارتعش خوفاً وخجلاً فمنذ القوا القبض عل ابي واودعوه السجن كنت متردداً في الذهاب لزيارته ، لكن هذا التردد تحول بمضي الايام الى خوف – ص 72 قصة البكاء ” .
*المزاوجة بين الواقع والأسطورة: ترحل الشخصيات في عوالم الخرافة، الفلكلور، والأمثال الشعبية. يتداخل الواقع اليومي للمدينة (الموصل) مع عالم “اللاشعور” والغيبيات غير المتجسدة. ومن الخرافات التي قام القاص بتوظيفها ، خرافة الدلو الذي كلما يرميها الشيخ فتحي في البئر يخرجه مليئا بالذهب والجواهر وهذه تعتبر من كرامات الشيخ فتحي ، ولتتحول هذه الخرافة الى حقيقة عند الناس في مدينة الموصل وليتوارثها الابناء :
” ودار الولي في ارجاء المكان فلم يجد سوى الصمت مما دفعه الى ارتقاء درجات سلم يفضي الى باحة واسعة ي السطح حيث البئر المباركة .. وهنالك راى مولانا الشيخ يدلو بدلوه الى داخل البئر ، وراء شيئاً اقشعر له بدنه .
وتوقف لحظة ثم سألتنا : أتعرفون ما رأى يا أولاد ؟
قلنا جميعاً : لا .
قالت بيقين : في كل مرة كان يخرج الشيخ فيها دلوه كان يجده مليئاً بالذهب والجواهر الثمينة ، فكان يرميه في البئر ثانية ويدلي دلوه ليستخرج الماء كي يتوضأ – ص 62 مملكة المعجزات ” .
*المكان كبطل أساسي: المدينة والمناخ العام هما المحركان الفعليان للأحداث. تعكس البيئة المحيطة الاختناق السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي الذي يعيشه الأبطال.
البعض يتسأل ، أن الأم في قصص ذلك النهر الغريب تظهر للقارىء انها متشابهة لماذا ؟ او هل هي تمثل صورة ام السارد الضمني ؟ .
يرجع تشابه صورة الأم أو تطابقها مع والدة السارد الضمني إلى عدة أبعاد فنية ونفسية تعتمدها الكتابة القصصية. إليك الأسباب الرئيسية لهذا التشابه:
- وحدة الذاكرة والمنبع الإبداعي
الخزان النفسي: يستمد الكاتب صور الأمومة من تجربته الأولى والعميقة مع أمه الشخصية.
إسقاط المشاعر: تتحول الأم الحقيقية إلى نموذج عليا (Archetype) تُقاس عليه كل أمهات القصص. - الأم كرمز للـ “أرض” أو “النهر”
التماهي مع المكان: في قصص البيئات النهرية، ترتبط الأم بالخصوبة، العطاء، والغموض كالنهر تماماً.
الثبات مقابل التحول: تظهر الأم بصورة متشابهة لأنها تمثل الأصل الثابت والملجأ للمغتربين أو السارد. - هيمنة السارد الضمني (Implicit Narrator)
رؤية أحادية: الأحداث تُروى من منظور وعي واحد، مما يجعل كل الأمهات يمررن عبر مصفاة رؤيته الخاصة.
البحث عن الأمان: يعيد السارد إنتاج صورة أمه في كل شخصية أنثوية يبحث في عينها عن الطمأنينة. - اللاشعور الجمعي والشخصية النمطية
النموذج البدئي: يميل النص الفانتازي أو “الغرائبي” إلى تجريد الشخصيات وجعل الأم رمزاً كلياً للأمومة، وليس مجرد شخصية عابرة برغبات فردية.
الهوامش والاحالات :
*نجمان ياسين – ” ذلك النهر الغريب ” قصص ، دار غيداء للنشر والتوزيع ، عمان / الاردن ، الطبعة الأولى / 2021م .
ان كل الاقتباسات التي ستمر فهي من هذه الطبعة .
1-هانز جورج غادامير – مدخل الى أسس فن التأويل والتفكيك ، ترجمة وتقديم : محمد شوقي الزين ، مجلة فكر ونقد العدد 16 فبراير / 1999 ، المغرب ، ص 85 – 106 .
2- أسامة غانم – جدل التأويلية : الكتابة / النص – القراءة / الفهم ، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2022م ، ص 34.



