هل نحن ضحاياها أم صانعوها ؟ ياسين احمد خلف يحيى اوغلو

صدفة جميلة أن تكتب الأستاذة نرمين المفتي في الموضوع نفسه، وإن اختلفت زاوية المعالجة.
فموضوعنا ينظر إلى التفاهة أساسًا من زاوية أثرها في الإنسان ووعيه، وكيف يمكن أن تتحول من حالة عابرة إلى ظاهرة نعتاد عليها، حتى تصبح جزءًا طبيعيًا من مشهد حياتنا.
أما الأستاذة نرمين المفتي، فتذهب في اتجاه آخر، فتسأل: من الذي يصنع البيئة التي تسمح للتفاهة بالانتشار؟ ولذلك ركزت في مقالها «صناعة التافهين» على منظومة صناعة الانتباه، والخوارزميات، والإعلام، والمؤسسات، ومفهوم «الميديوقراطية» عند (آلان دونو) (Alain Deneault) ،
زاويتان مختلفتان لظاهرة واحدة، وربما يلتقيان عند حقيقة واحدة: التفاهة لا تصبح خطيرة حين توجد، بل حين نعتاد عليها
عصر التفاهة: هل نحن ضحاياها أم صانعوها؟
هل نحن نعيش عصرًا انتشرت فيه التفاهة، أم أننا صنعنا عصر التفاهة بأنفسنا؟
ربما السؤال الأهم ليس: ما هي التفاهة؟ وإنما:
من الذي جعل التفاهة قيمة، ولماذا أصبح ما لا يستحق الانتباه يحظى بأكبر قدر من الانتباه؟
التفاهة ليست مجرد شيء بسيط أو مسلٍّ؛ فالبساطة ليست عيبًا، والترفيه ليس تفاهة، والضحك ليس نقصًا في الإنسان.
التفاهة تبدأ عندما يُعطى الشيء الفارغ قيمة أكبر من قيمته، وعندما يصبح ما لا يضيف إلى عقل الإنسان أو روحه أو حياته هو الأكثر حضورًا وتأثيرًا.
وهنا تظهر المفارقة:
التفاهة ليست دائمًا في الموضوع، بل قد تكون في الطريقة التي نتعامل بها معه.
لقد دخلنا زمنًا أصبح فيه جذب الانتباه قيمة بحد ذاته. لم يعد السؤال دائمًا: ماذا تقول؟ بل أصبح أحيانًا: كم شخصًا شاهدك؟ كم شخصًا تفاعل معك؟
وهنا يتحول الانتباه إلى سلعة.
وقد يصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر انتشارًا، وليس بالضرورة الأكثر قيمة.
لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تتجاوز التفاهة حدود صاحبها وتدخل إلى حرية الآخرين وخصوصياتهم.
فقد يتحول إنسان إلى مادة للضحك لأنه ظهر في موقف محرج، أو تتحول خصوصيته إلى مادة للعرض، أو تُستغل معاناته من أجل زيادة المشاهدة.
وهنا علينا أن نسأل:
هل كل ما نستطيع تصويره يحق لنا نشره؟
وقد ذكرت ذلك في مناسبة سابقة ،
وهل حريتنا في التعبير تمنحنا الحق في الاعتداء على حرية الآخرين وكرامتهم وخصوصيتهم؟
الحرية حق، ولكنها لا تعني أن نفعل ما نشاء بالآخرين.
فالحرية التي لا ترافقها مسؤولية قد تتحول إلى اعتداء، والترفيه الذي يقوم على إذلال إنسان آخر لا يمكن أن يصبح مقبولًا لمجرد أنه حقق ملايين المشاهدات.
وفي المقابل، لا أعتقد أن من الحكمة أن نبحث عن مؤامرة وراء كل تفاهة.
أحيانًا تنتشر التفاهة لأن هناك من يصنعها، ومنصة تروّج لها، ومعلنًا يستفيد منها، وجمهورًا يمنحها اهتمامه.
وهنا تصبح المسؤولية مشتركة.
فمن يصنع المحتوى طرف، ومن يروّجه طرف، ومن يستهلكه طرف آخر.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط:
من ينشر التفاهة؟
بل:
من يمنحها كل هذا الانتباه
فنحن لسنا ضد الترفيه، ولسنا ضد الضحك، ولسنا ضد المحتوى البسيط.
نحن ضد أن تتحول التفاهة إلى معيار للقيمة، وأن تتحول حرية البعض إلى اعتداء على حرية الآخرين.
وربما أخطر ما تفعله التفاهة أنها تجعلنا نعتاد عليها.
وعندما نعتاد على السطح، يصبح العمق ثقيلًا، وعندما يصبح الضجيج هو السائد، يصبح الصوت الهادئ غير مسموع.
لذلك لا تبدأ مواجهة «عصر التفاهة» بالمنع، وإنما تبدأ بـ الوعي والتمييز.
أن نسأل أنفسنا قبل أن نمنح أي محتوى وقتنا:
هل يستحق هذا دقيقة من حياتي؟
فالعصر الذي نعيش فيه ليس شيئًا نصنعه وحدنا من حولنا؛ نحن نشارك في صنعه كل يوم بما نشاهد، وما نقرأ، وما نشارك، وما نصفق له.
ولهذا تضع «مرايا الضمير» المرآة أمام الجميع:
أمام من يصنع المحتوى، وأمام من يروّجه، وأمام من يشاهده، وأمامنا نحن.
فأي عصر نريد أن نصنع؟
أكاديمي عراقي مغترب
شاعر واديب



