العملية الكبرى/يوسف إدريس

١
ما كان أصعبَ أيامها — وبالذات لحظتها — أن يشك! بل هو لا يزال لا يعرف كيف، كالبخار المتكاثف، بدأت تتجمَّع السحب؛ فالمهُمة على غرابتها الشديدة بدت أول الأمر مجرد مهمةٍ أخرى من المهام الكثيرة التي كان يوُكل إليه بها. كلُّ ما في الأمر أنها طريفة، وعلى وجه الدقة مثيرة لعجبٍ طريف لا بد تمطُّ له شفتَيك، أو تهزُّ كتفَيك؛ فمع انتهاء العملية الكبرى، والجميع في قليلٍ من الوجوم يتهيئون للانصراف، جاءه الأمر من الأستاذ الكبير أن يبقى بجوارها حتى تموت، ولأن لا طبيب بلا ممرضة، فقد ترقَّب همسة «الأخت تريزا» التي ستُحدِّد الاسم، وما كاد يسمع «انشراح» التي نطقتها «انسراح» حتى وجم وكاد يغضب ويدفعه لطلبٍ آخر، ثم رنَّ في أذنه المثل: «خسرانة خسرانة!» وأصبح مناسبًا جدًّا في نظره أن تكون «انشراح» بالذات هي شريكته في انتظار الموت.
وحين «صفصفت» الحجرة عليهما، ولم يعُد هناك إلا هو وهي والموت الرابض على صدر السيدة، بدأَت المهمة تتحوَّل من روتينٍ إلى نوعٍ من الواجب الثقيل. لو كانت شريكته في انتظار النهاية ناهد مثلًا أو سهير أو مديحة، أو حتى كاميليا لانقلب الواجب إلى متعة، أما المتوحشة البرَّاوية «انشراح»، الغاضبة أبدًا، المتنمِّرة تكاد «تخانق ذباب وجهها»، فأي أملٍ له في بعد ظهر هادئ حتى؟
بعد ظُهرٍ كان قد بدأ من زمن، وقفزات عقرب الدقائق في الساعة التي تتوسَّط الحائط من إحساسك ببطئها تبدو كل مرة كما لو كانت تُفاجئك بحدوثها. بعد ظُهرٍ أصبح خوفه أن يطول ويطول حتى ليصل الظهر بالمساء، ومن يدري ربما بالليل أيضًا؟ وما دامت ميتةً ميتة، فلماذا هذا العذاب كله؟ وما دامت هذه الأنفاس المأخوذة على هيئة شهقات — مفاجئة أيضًا كقفزات العقرب — خارجة بسرعة كالزفرة، ما دام هذا هو تنفُّس «طلوع الروح»، فما الداعي لعذابها باستمراره واستمراره؟ ما الداعي «يا ست انشراح» بلا أي «انشراح»، العاقدة ملامحك وكأن المُسجَّاة هي السيدة والدتك، المُنكَبَّة حضرتك على إبر التريكو بأصابعك القمحية الرفيعة الطويلة كإبر التريكو تنسجين بداية «البلوفر» التي لم تزد رغم آلاف الغرز مساحتها، وكأنما حضرتُها — لتغيظه — تنسجُ غرزة وتفُك غرزة؟ ما الداعي؟
لو التفتَت إليه لحظتها أو رفعَت رأسها لكان — ودون نظر لأي اعتبار — قد بدأ الشجار؛ ذلك أن غيظه بعد انتظارٍ دام إلى الآن ساعتَين وبضع دقائق كان قد بدأ، وهو على وجه التأكيد ليس غيظه؛ فأي شيءٍ كان يمُتُّ إلى الجراحة من قريبٍ أو بعيدٍ مهما تقبَّله الآخرون بضيقٍ أو تبرُّم، ما كان ليأخذه هو إلا كآلام الحب لها نفس مذاق المتعة. الغيظ إذن غيظٌ وافد لا يزال لا يدري مصدره، غيظٌ يبدأ عند وجه «انشراح» الجميل، حتى في تنمُّره، ليتزايد كلما انتقل بعده إلى مجالٍ آخر، وكلما اصطدمَت عيناه، أو اصطدمَت حواسُّه بشيءٍ من آلاف الأشياء التي تَحفِل بها الحجرة.
بداياتُ غيظٍ جعلَت روحه بالتدريج تنسحب من اندماجها التامِّ في دورها الجراحي المُحبَّب، ومن اختلاطها الكامل بكل شيءٍ تحفل به حجرة العمليات — مهبط الوحي عنده وقدس الأقداس — لتبدأ تتخذ موقفًا محايدًا، وتعود ترى وكأنها لأول مرة ترى، ولتبدأ دهشة كدهشة الإفاقة من حلمٍ تعتريه. لا ليست هذه حجرة العمليات أبدًا، إنها مكانٌ مرعب كئيب لم يَرَهُ من قبلُ؛ فأي معركةٍ شيطانية دارت ولا تزال آثارها طازجة؟ لا يزال الدم أحمر لم يغمق لونه بعدَ دمٍ واصل حتى السقف الأبيض راسمًا خطوطًا متقاطعة ومتقاربة ومتفرقة، خطوطًا مُكوَّنة من مئات النقاط رسمَها لا بد دمٌ تفجَّر تحت ضغطٍ شديد، انفجاراتٌ دموية كثيرة لا بُد دارت هنا، إلى أعلى وإلى الجوانب ترتسم على جدران الحجرة الأربعة، وفي كمياتٍ تملأ زجاج الشفَّاط، وتكون بُقعًا كبيرة تُلطِّخ المرايل والبلاطي البيض الملقاة هنا وهناك. دمٌ يُلوِّث كل مكان، حتى الأحذية المطاطية ذات الرقبة، حتى الأرض الكاوتشوك، بل لم يَسْلم منه أيضًا زجاج الأضواء الكاشفة البرَّاق والمُصفَر.
دمٌ كثير من المحال أن تعتقد أن هذه السيدة النحيفة الراقدة يحفل وجهها بسلامٍ كسلام أطفالٍ نائمين، مصدره، ولكنها بلا شك كانت المصدر الوحيد، والواضح أنها الطرف المغلوب.
أيكون الغيظ الذي يعتريه الآن غيظًا حقيقيًّا؟
أيكون ما يراه الآن خدعةً أو بداية، أو بالأصح بداية شعور أنه ضحية خدعةٍ شيطانية من المُحتَّم لو صحَّت أن يفقد لها أثبتُ العقول وأصلبُها الصواب؟
أخذَت السيدة شهقة، قبل أن تكتمل ركبَت فوقها شهقةٌ أخرى، وكانت النتيجة شهيقًا طويلًا جدًّا اضطَربَت له جفونُها المُسدَلة، حتى كادت تُفتح، وحتى تَصوَّر أنه في الشهيق التالي حتمًا سيعود إليها الوعي، ومن يدري؟ ربما تحدُث المعجزة الكاملة وتعود للحياة.
ولكن رغم دقة القلب العالية الزائدة التي دوَّت في صدره انفعالًا، فقد بدأ السؤال يُلِح من جديد: أيكون قد خدع الخديعة يا تُرى؟
٢
ويحدث هذا أين؟ في نفس حجرة العمليات التي شَهِدَت منذ بضعة شهور أعظمَ لحظات حياته، اللحظة التي وعى فيها لأول مرة بالحياة، حياته، وأدرك عن يقينٍ لماذا يريد أن يعيش.
لقد بدأَت مشكلتُه بعد أن تَخرَّج وأصبح طبيبًا، واستهلكَ في بضعة أسابيعَ كلَّ مُتَع الفرحة بالتخرُّج والإحساس الغامر الجميل بأنه انطلق من عقال تلمذةٍ طالت، وعليه أن يعُبَّ من مُتَع الحياة الصغيرة التي حُرم منها طويلًا. واجهَتْه حينذاك مشكلةُ ماذا يريد أن يكون؟ لقد دخل الكلية بالمجموع، وواصل الدراسة ونجح بالرغبة الغريزية في التفوُّق على أقرانه، وها هو ذا الآن بعد التخرُّج يستعرض أمام عينَيه كل فروع الطب، فلا يجد في نفسه مثقالَ رغبةٍ في أيٍّ منها، بل إنه حتى بعد أن تخرَّج وأصبح يُزاول المهنة لا يجد في نفسه أي رغبةٍ فيها أصلًا. وكاد يصبح الأمر كارثة؛ فإنها لمهزلة أن تبدأ بعد وصولك إلى هدفٍ ما قضيتَ في الوصول إليه أعوامًا طوالًا، أن تكتشف أنه ليس هدفك، وأن عليك أن تبحث عن آخر.
ولقد ظل هذا يحدث وهمُّ البحث يُؤرِّقه، حتى انتقل إلى العمل بقسم الجراحة. حين دخل ذات صباحٍ باكر هذه الحجرة، ومَرَّ بالطقوس المعتادة من ارتداء ملابس العمليات والاغتسال والتعقيم، وإحاطة رأسه ونصف وجهه بالقناع الأبيض المشهور، هنا حيث رأى أستاذ الجراحة الكبير لا يصف الدواء ويترك للعمليات الغامضة في الجسم أن تعمل عملها وتشفي، وإنما بأصابعه الطويلة الحادة القوية يقطع ويصل ويستأصل ويُعيد التشكيل. هنا حيث بإرادتك أنت وحدك وبقدرتك يتم الشفاء، يدخل المريض يتلوَّى من شدة الألم أو من اليأس، وبعد ساعةٍ يخرج وقد شُفي تمامًا وانتهى ألمه. هنا حيث يختلط دور الجراح بدور الساحر القديم، والعلم يُصبِح حرفةً ترتفع إلى مصافِّ الفن، والعملية السحرية كلها تدور في ذلك المكان البالغ النظافة، الشاحب الضوء، المعقَّم، بصمته القدسي الكلمات فيَّ تتحول إلى همساتٍ تختلط بالفحيح الصادر من أجهزة التعقيم، وتنسجم مع الحركة الصوتية المتتابعة لتنفُّس المريض من خلال جهاز التخدير، بالسكون المضمَّخ بروائح اليوسول واليود والأثير، السكون الحي النابض بدق القلب، وهو يتحول إلى إشاراتٍ موسيقيةٍ ضوئية، السكون الذي يتنفَّس تنفُّسًا خاشعًا منتظمًا. هنا اكتشف الجراحة كعلم وكسحر، واكتشف أن ها هنا يُوجد أمله، ومن الآن سيصير هدفه من الحياة.
وكان طبيعيًّا وقد اكتشَف الهدف أن تأخذ السعادةُ عنده شكل الهوس، حيث لا يعود يأكل أو يستريح أو يحلُم إلا وهو يقوم بشيءٍ من أجل عمله الذي أصبح حبه الأكبر. سمَّاه زملاؤه مجنون الجراحة، وكانوا يغيظونه بقولهم إنه إنما يتفانى ليُرضي الأستاذ، وليُتكتِك لينال وظيفة «نائب الجراحة» حين تخلو، مع أنه يعلم وهم جميعًا يعلمون ألا أمل له في هذه الوظيفة؛ إذ إن درجاتِه لا تُؤهِّله، ولكنهم معذورون؛ فالعمل عندهم مرتبط بالمصلحة، ومن المُحال أن يستطيعوا هضم أن يعمل الإنسان لأجل متعة العمل نفسها.
ولقد كان يعمل ويتفانى بلا كلمة تشجيعٍ واحدة، وحتى وهو يدرك أن رئيسه النائب ينسب معظم الأعمال أمام الأستاذ لنفسه، فماذا يهمه أن يعرف الأستاذ اجتهاده؟ إنه لم يكن يعمل ليُرضيَه، بل ليُرضيَ ذلك الشيء المركَّب فيه الذي لا يرضى أبدًا! نفسه.
بل بدلًا من التشجيع كان بالضرورة يناله كمٌّ غير قليلٍ من شتائم الأستاذ الدكتور أدهم أستاذ الجراحة، وليس هذا رئيس القسم فقط، إنه كبير أساتذة الجراحة في المستشفى كله. والجَرَّاح في المستشفى يحتل مكانةً لا يحتلها زميله طبيب الأمراض الباطنية أو طبيب الأطفال مثلًا. إنه له بجانب العلم مكانةٌ دنيوية؛ فهو ليس عالمًا فقط، ولكنه عالمٌ يُزاوِل العلم أمامك، وأمامك يُحيي ويُميت. ولأن المهنة هي التي تفرض الخُلُق والتصرُّف، فعند الجراح أسهل الطرق البتر، وأي كلامٍ ليس له فاعلية المشرط وحسمُه هذرٌ فارغ لا يُقال، وما دامت إرادته هي نفسها الدواء، فإحساسُه بنفسه يتعاظم، وكلمتُه مهما تكن أمرٌ واجب النفاذ. وليس صُدفةً أنهم يُسمُّون حجرة العمليات بمسرح العمليات؛ فالجرَّاحُ في هذا المسرح هو الإرادة الكبرى والعقل المُفكِّر، والحاضرون جميعًا من بشر أو أجهزة أو عقاقير ليسوا سوى أدواتٍ في يد تلك الإرادة تصنع بهم الشفاء. ولأن إحساس الآخرين عند الجراح غير مهم؛ إذ المهنة تُحتِّم عليه أن يُلقي شعوره بإحساسهم؛ إذ هو لو شعَر أن جُرحَه يؤلم لارتعشَت يده، ولربما نفَق مريضه، ولهذا هو أيضًا لا يهتم بوقع كلماته عند الآخرين، حتى لو جاءت شتائم ولعنات؛ فمسئوليته الخطيرة أن تنجح العملية، وملعونٌ أية حركة أو خطأ يحول دون هذا النجاح.
كانت شُهرة الأستاذ أدهم إذن كرئيسٍ لا يرحم تكاد تُعادِل شُهرته كأستاذٍ جراحةٍ ممتاز، ولأن أطباء الامتياز يحتلُّون أدنى مرتبة في سُلَّم المستشفى الطبقي، فنصيبهم من شتائمه ولَكَزاته وافر، ومعاملته لهم أسوأ بكثيرٍ من معاملته للممرضات أو التمورجية، وويلٌ لمن يفكر في الاحتجاج أو الذود عن كرامته؛ فمعنى هذا نهايته؛ فهو لا يجُر عداوته أو غضب رئيس القسم فقط، ولكن الدكتور أدهم كان أيضًا كبير الأساتذة والقائم بعمل عميد الكلية، ومستشار وزارة الصحة.
ورغم كل ذلك، ومن فَرْط الحب والانتماء للجراحة، وكأنها المبدأ أو العقيدة التي ظل يبحث عنها، فقد راح ينظُر للأستاذ أدهم باعتباره قائده لهذا المبدأ، ووسيلته للوصول. وليس مثلها سعادةٌ تلك التي يجد الإنسان مبدأه فيها وقد تجسَّد على هيئة قائدٍ وعقلٍ أكبر. وليكن الأستاذ أدهم شيطانًا مرعبًا في نظر الآخرين، ولترتجف له الأوصال إذا حضر، وحتى إذا غاب، ليكن! فقد وجد فيه الأستاذَ الكبير والراعي والعالم، ويبدو أن الأستاذ أدهم هو الآخر قد وجد فيه نعم التلميذ، فقد راحت شتائمُه إليه تَقِل، حتى انتهت وحتى أصبح يُناديه باسمه الأول، وفي هذا من التكريم ما لم يحلُم به أحد، وليأخذ حياته كلها بإشارةٍ منه لو أراد، فلم يعُد في الحياة شيء يجلب السعادة قَدْر أن يتلقَّى عبد الرءوف الأمر، أي أمر، وقَدْر أن يُفني نفسه تمامًا لتنفيذه، وقد أصبح رضا الأستاذ أدهم من رضا الضمير، من رضا الله، الله المُتجسِّد بكل قواه وخيره وكماله.
٣
ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما.
ورواة الحواديت يقولون: كان فيه امرأة، وكان فيه رجل. ثم يحدُث الحدث، ويتساءلون: الحق على المرأة أو على الرجل؟
ولكن لا الأقوال المقدَّسة، ولا الأساطير قد تعرَّضَت بذكرٍ للموقف الذي هو فيه، فهو الرجل صحيح، وانشراح المرأة، ولكن ثالثهما هو الموت.
وصحيحٌ أنهما ينتظران معًا نهاية السيدة المُسجَّاة أمامهما، وإلى الآن وكلٌّ منهما ينتظر الموت بمفرده؛ فهي مُنكبَّة على إبر «التريكو»، وهو مُنكبٌّ على خواطره وبينهما ما هو أكثر من الموت، الحياة نفسها وكل ما سمعه أحدهما عن الآخر. وما سمعه عنها أشياءُ مرعبةٌ لا تُشجِّع أبدًا؛ فلقد أخطأ أحد زملائه وهو يعمل معها في ظلام غرفة الأشعة مرة، وحاول لمسها، وانفتَح فمها لتكتسح ظلامَ الحجرة ومن بعدها ضجةَ قسم الأشعة كله وممرات المستشفى وعنابره، حتى إن المسكين لم يجرؤ على أن يُريَ وجهه لزملائه أو للعاملين بالمستشفى إلا بعد إجازة عشرة أيام، وكان لا يزال وجهه مُحمرًّا بالخجل حين عاد منها.
ولا بد أنها هي الأخرى سَمِعَت عن عبد الرءوف وعن انكبابه المجنون على العمل، ذلك الذي كان له تفسيرٌ واحدٌ عند الممرضات والحكيمات والسسترات، أنه مُتكبِّر، وأنه وهو طبيب الامتياز المفعوص يتخلَّق بأخلاق الجراحين الكبار، وبالذات يصنع كما يصنع الأستاذ أدهم، ويضرب بالشلُّوت أحيانًا.
والحقيقة أن قولهم هذا لم يكن يخلو من الصحة، فقط لاحظ عبد الرءوف على نفسه أنه كثيرًا ما يعبَس، وأنه لم يُضبَط مرة متلبسًا بضحكة أو كلمة هزل مع طبيبة أو حكيمة من التي تُقال همسًا في أركان المستشفى وما أكثرها من أركان! وإذا كان قد تعلَّم أن يعبَس بوعي، فما أكثر ما نضَح إليه من خصال الأستاذ أدهم بغير وعيٍ منه، ودون أن يلحظ أصبح يبدأ الجُمَل من نهايتها كما يفعل أستاذه، وتخرج كلماته الأُولى همهماتٍ صعبة التمييز، وبنفس طريقة أدهم يترك مُحدِّثه يتكلم، ثم يُفاجِئه في منتصف كلامه بتحديقةٍ فاحصة مخترقة من عينَيه الواسعتَين، بحيث يُرتَج دائمًا على المتحدث أو ينهار لو كان يكذب، حتى لازمة أدهم المعروفة: يا اسطى! أصبحَت لازمته.
والغريب أنه قد بدأ يتكوَّن له بهذه التصرُّفات نفسها، ومهما قيل في أصلها، مركزٌ متميزٌ بين زملائه أطباء الامتياز، وأوامره أصبحَت تُقابَل باحترامٍ لا يمُتُّ بصلةٍ إلى هَزِّ الأكتاف الذي تُقابَل به أوامر الآخرين التي كثيرًا ما تأخذ شكل الرجاء، ولكن السبب الأهم في الحقيقة هو تفانيه في العمل في وسطٍ يُعتبَر فيه العمل واجبًا ثقيلًا مفروضًا ولا هدف منه سوى الماهية، وما دامت مضمونةً فما الداعي لوجع الرأس؟
وكان يومه الأكبر — حُلْمه الدائم طوال أيام الأسبوع — هو يوم العمليات.
كان يصحو له من الرابعة صباحًا، ويُحس بالسعادة الكبرى بكل عملٍ يقوم به لتجهيز المرضى للدخول إلى الغرفة المقدَّسة. ولا يكتفي بواجبات الطبيب إنما بنفسه يُشرِف على استحمام المرضى، وعلى تجهيز أوراقهم وأشعَّاتهم، ويكفيه شبحُ ابتسامة رضاءٍ سريعة تلُوح على وجه الأستاذ. كانت الانفعالة التي تحدُث له في أعقاب هذه المكافأة التي ربما لا يلحظُها أحدٌ أروعَ عنده من كل الشهادات والوظائف والعلاوات.
وكان اليوم يوم العمليات، وناهيك عن العمليات الصغيرة التي ستكون من نصيبه ونصيب زملائه، والتي سيقوم بها النائب والمدرس ومساعد الأستاذ. همُّه كله كان مُوجَّهًا لتلك الحالة النادرة التي جاءت إلى العيادة الخارجية منذ شهرَين، وأبدى الأستاذ اهتمامًا خاصًّا بها؛ فلقد زاول — الأستاذ — الجراحة حتى أصبحَت العيادة الخاصة تُدر عليه دخلًا يكفيه مستمتعًا مدى الحياة. ولم يكن يأتي إلى المستشفى الحكومي الكبير إلا ليلتقط بين الحين والحين حالةً تُشبع مزاجه الخاص، كجرَّاح أصبح لا يزاول الجراحة لشفاء الآخرين بقَدْر ما أصبح يزاولها لفن الجراحة نفسه، ليضيف إلى أمجاده فيها مجدًا جديدًا، ويصل إلى أرقامٍ قياسية لعدد ما أجراه من عمليات. وحبذا لو استطاع أن يُجري هنا في مصر عمليةً لم يسبقه إليها جراحٌ آخر، ويتيه بعرضِ ما قام به في المؤتمرات، ويتلذَّذ وهو يقرؤها منشورة في مجلات الجراحة في أوروبا وأمريكا. ولا أحد باستطاعته أن يستغرب هذا أو يلومه؛ فقد وصل إلى مكانةٍ أصبح فيها هو الجراحة، وما يقوم به ليس مجرد تطبيق، وإنما هو تجاربُ يُضيف بها إلى العلم وإلى تراث البشر، ولا ضرر أن يفعل هذا لمجدٍ ذاتي يناله؛ فما من فائدة للعلم أو للبشر إلا والدافع إليها متعةٌ ذاتية.
هذه السيدة بالذات جاءت إلى العيادة بشكوى بسيطة، مجرد خدل في ساقيها وإحساس بالتعب السريع إذا مشت طويلًا.
ويومها أزاح الأستاذ أدهم النائب وهو يقوم بفحصها، وفي دقائقَ كان قد انتهى من فَحصِها، وكعادته نطق بالتشخيص: ورمٌ خبيث في العمود الفقري، وعلى وجه الدقة سرطان في الغضروف مكانه بين الفقرة الرابعة والخامسة للبطن. كان من رأيه أن الاعتماد على الفحوص والمعمل في التشخيص مسألة تُحيل الجراح إلى آلةٍ حاسبة، أما الجرَّاح الحقيقي فهو الذي بمجرد الفحص يُشخِّص، وإذا لجأ إلى المعمل أو الأشعة، فإنما ليتأكَّد فقط من تشخيصه، وليكتسب الثقة بنفسه أكثر وأكثر.
وهكذا أُدخلَت الحالة ليس لعلاجها أساسًا، وإنما لإجراء الفحوص وليُثبِت بها الأستاذ أدهم لنفسه ولمجموعة الأطباء التي تعمل معه أنه كان على حق، وأن رأيه أبدًا لا يخيب.
ولم تكن هذه أوَّلَ حالةٍ تدخُل القسم لهذا السبب، فما أكثرها من حالاتٍ لا يتعجَّب أحد لإدخالها لمجرد البرهنة على صحة التشخيص! فالأستاذ أدهم لا يفعل في الحقيقة إلا أنه يزاول حق التميُّز، ذلك الحق الذي يحلُم جميع العاملين معه — جميع الطلبة والخريجين — بالوصول إليه.
ومكثَت السيدة بالقسم شهرَيْن، وأُجريت لها عشرات الاختبارات والتحليلات وصُور الأشعة، ومع هذا ظل الورم الصغير الذي بالكاد تلمسه الأصابع في قاع بطنها لغزًا لا حل له. ولم تكن قد بَقِيَت إلا وسيلةٌ واحدة لحل اللغز، أن تُجرى لها عملية استكشاف فيُفتَح البطن، ويُفحَص الورم، ويصل الأستاذ في أمره إلى قرار.



