ما وراء الحب… عندما تكون الغاية شيئاً آخر/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا
(دراسة تحليلية – نقدية)
” الحب في جوهره اعتراف بالإنسان وقبول له كما هو، ومساحة يلتقي فيها شخصان بعيداً عن الحساب والمقايضة. لكن المشاعر يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتأثير عندما تستخدم للوصول إلى غاية أخرى، فتصبح الثقة طريقاً إلى المنفعة، والوعد وسيلة لتحقيق الغاية، ويصبح الآخر مهماً بقدر ما يستطيع أن يمنحه. عندها لا يفقد الحب معناه فقط، بل تتغير وظيفة العلاقة، ويصبح الإنسان أقل أهمية من القيمة التي يقدمها للآخر ” (الكاتب).
يهدف المقال إلى توضيح كيفية تحول مفهوم الحب، في بعض السياقات الاجتماعية، من علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل إلى وسيلة للتأثير وتحقيق المنفعة، من خلال توظيف المشاعر والثقة والوعود والاحتياجات الإنسانية للوصول إلى غايات مادية أو اجتماعية أو نفسية أو جسدية، والكشف عن انعكاسات هذا التحول على طبيعة العلاقة ومكانة الإنسان داخلها، حين يتراجع الاعتراف بالآخر لصالح النظر إليه من خلال ما يقدمه من قيمة أو منفعة، بما يكشف عن تسلل منطق المنفعة والحساب إلى المجال العاطفي وتراجع المعنى الإنساني والأخلاقي للعلاقة.
يبدو الحب، في صورته الإنسانية، من أكثر أشكال العلاقة تعبيراً عن الاعتراف بالآخر وقبول وجوده بوصفه ذاتاً مستقلة، غير أن الحب لا يتشكل خارج المجتمع، ولا تنشأ العلاقات العاطفية في فراغ منفصل عن الحاجات والمصالح والقيم وعلاقات القوة التي تنظم الحياة الاجتماعية. ولهذا يمكن أن تتداخل في العلاقة العاطفية دوافع تتجاوز المشاعر ذاتها، فيتحول الحب، في بعض السياقات، من علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل إلى وسيلة لتحقيق غايات أخرى.
يبدأ هذا التحول عندما تتراجع قيمة الآخر بوصفه إنساناً مستقلاً، وتتقدم قيمته بوصفه مصدراً لما يمكن أن يوفره للعلاقة أو لأحد طرفيها. عندها تصبح المشاعر مورداً يمكن توظيفه لإنتاج الثقة والتقارب والقبول، ثم استخدام هذه الثقة للوصول إلى منفعة مادية أو اجتماعية أو نفسية أو جسدية. وقد تتمثل الغاية في المال أو الدعم أو الأمان أو المكانة أو الرعاية أو الإشباع النفسي، كما قد تتمثل في الإشباع الجنسي عندما تستخدم مشاعر الحب ووعود الارتباط أو الزواج لبناء ثقة تفتح الطريق أمام الحميمية والجسد، بينما تكون النية الفعلية مختلفة عن المعنى الذي أعطي للعلاقة.
وتكمن خصوصية هذا النوع من الاستغلال في أن قوته لا تقوم بالضرورة على الإكراه، وإنما على القدرة التي تمنحها المشاعر لصاحبها في التأثير في الطرف الآخر. فالحب ينتج الثقة، والثقة تفتح المجال للانفتاح والعطاء والتنازل، بينما تمنح وعود الالتزام الحاضر معنى مستقبلياً يجعل بعض التضحيات تبدو طبيعية ومبررة. وحين تستخدم هذه القدرة للوصول إلى غاية مخفية، يتحول الحب إلى قوة تأثير ناعمة، لا تعمل من خلال الأمر أو التهديد، وإنما من خلال حاجة الإنسان إلى القرب وثقته بالآخر واستعداده للحفاظ على العلاقة.
ويظهر هذا بوضوح في بعض العلاقات التي تستخدم فيها وعود الارتباط أو الزواج للوصول إلى الإشباع الجنسي. فالمسألة ليست في الرغبة الجنسية ذاتها، وإنما في توظيف معنى الالتزام لإنتاج الثقة وتسهيل الوصول إلى غاية مختلفة. وعندما يكون الوعد مجرد أداة لتحقيق هذه الغاية، فإن الاستغلال لا يقع على الجسد وحده، بل يمتد إلى الثقة والتوقعات والمستقبل الذي بني على أساس ذلك الوعد. يصبح المستقبل المتخيل جزءاً من عملية التأثير، ويتحول الارتباط من أفق حقيقي للعلاقة إلى وسيلة مؤقتة للوصول إلى ما يريده أحد الطرفين.
ولا يقتصر توظيف الحب على المجال الجسدي، فقد تدخل المنفعة المادية والاجتماعية والنفسية بالطريقة نفسها. قد تصبح العلاقة طريقاً إلى المال أو الأمان أو المكانة، وقد تتحول الرعاية والاهتمام إلى وسائل لإنتاج الاعتماد، كما يمكن أن تصبح المشاعر مصدراً للإشباع النفسي المستمر. ومع ذلك، لا يعني وجود المنفعة أن العلاقة استغلالية، فالعلاقات الإنسانية تقوم بطبيعتها على التبادل، ويتبادل أطرافها الدعم والرعاية والأمان والإشباع. الفارق يكمن في أن المنفعة في العلاقة المتبادلة تأتي ضمن اعتراف متبادل بقيمة الطرفين، بينما تصبح في العلاقة الاستغلالية غاية تسخر لها العلاقة ومشاعرها ووعودها.
ومن هنا يبدأ اختزال الإنسان في القيمة التي ينتجها للآخر. فلا يعود الشريك يرى بوصفه ذاتاً لها عالمها الخاص، وإنما بوصفه مصدراً لما يوفره من مال أو أمان أو مكانة أو رعاية أو اهتمام أو متعة. وتصبح قيمة العلاقة مرتبطة بقدرتها على إنتاج هذه المنافع، بحيث يتراجع حضور الإنسان خلف الوظيفة التي يؤديها داخل حياة الآخر. وعندما تتوقف المنفعة أو تتغير القدرة على تقديمها، تتراجع قيمة العلاقة، وكأن ما كان يحب لم يكن الإنسان نفسه، وإنما ما كان يستطيع أن يمنحه.
وهذا التحول لا يمكن فهمه باعتباره سلوكاً فردياً منفصلاً عن المجتمع. فالحب والوفاء والالتزام والزواج والتضحية تحمل معاني اجتماعية تمنحها قوة تتجاوز التجربة الفردية. ووعد الزواج، مثلاً، يستمد جزءاً كبيراً من تأثيره من المكانة التي تمنحها الثقافة الاجتماعية للارتباط والاستقرار وبناء المستقبل، كما أن الثقة العاطفية ليست مجرد حالة نفسية، بل علاقة اجتماعية تجعل الإنسان أكثر استعداداً للانفتاح وتقديم وقته واهتمامه وموارده وجزء من حياته الخاصة. ولهذا يمكن لهذه المعاني أن تصبح قابلة للتوظيف حين تدخل في علاقة يحكمها منطق المنفعة.
ومع اتساع منطق الحساب والمقارنة والتقييم في الحياة الاجتماعية، يمكن أن ينتقل هذا المنطق إلى العلاقات الأكثر حميمية. يصبح الشريك قابلاً للنظر إليه من خلال ما يضيفه إلى حياة الآخر، وما يوفره من موارد مادية أو رمزية أو عاطفية أو جسدية. ولا يعود الأمر مقتصراً على المال أو المكانة، بل يمتد إلى القدرة على توفير الأمان والاهتمام والرعاية والمتعة والإشباع. وهكذا تصبح العلاقة، تدريجياً، مجالاً لتقييم الإنسان وفق القيمة التي يستطيع إنتاجها، بدلاً من أن تكون مجالاً للاعتراف بقيمته الإنسانية.
ولا يعني ذلك أن العلاقات الإنسانية تحولت كلها إلى علاقات نفعية، وإنما يكشف عن قابلية العلاقات العاطفية للتأثر بالمنطق الاجتماعي الذي تتحرك داخله. فحين يصبح الحساب معياراً متقدماً في تنظيم العلاقات، يمكن أن تتسلل لغة المنفعة إلى المجال العاطفي من دون أن تظهر دائماً في صورة مادية مباشرة. قد تكون المنفعة في صورة مال، أو مكانة، أو أمان، أو اهتمام، أو رعاية، أو إشباع، وقد تكون العلاقة نفسها وسيلة للحصول على شيء يقع خارجها.
وعند هذه النقطة يصبح الاستغلال أكثر من مجرد خداع عاطفي عابر، إنه تحول في وظيفة العلاقة. فالمشاعر التي كان يفترض أن تؤسس الاعتراف المتبادل يمكن أن تتحول إلى أدوات تأثير، والثقة التي يفترض أن تحمي العلاقة يمكن أن تصبح مدخلاً إلى استثمار الطرف الآخر، والوعود التي تمنح المستقبل معنى يمكن أن تستخدم لضمان استمرار العطاء في الحاضر. وحين يستقر هذا المنطق، يصبح الإنسان قابلاً لأن يختزل إلى ما يقدمه، وتصبح العلاقة قابلة لأن تقاس بما تنتجه من منفعة.
إن خطورة تحويل الحب إلى وسيلة لا تكمن فقط في الغاية التي يسعى إليها المستغل، وإنما في إعادة تعريف العلاقة نفسها. فعندما يصبح الآخر مهماً بسبب ما يمنحه، تفقد العلاقة شيئاً من بعدها الإنساني، ويتحول الاعتراف إلى تقييم، والثقة إلى مورد، والوعد إلى أداة، والقرب إلى منفعة. وفي هذه اللحظة لا يعود الاستغلال مجرد استخدام لمشاعر شخص آخر، بل يصبح تعبيراً عن منطق أوسع يمكن أن يحول حتى أكثر العلاقات حميمية إلى علاقات قابلة للحساب والاستخدام.
ويبقى الحب، رغم ذلك، قادراً على أن يكون علاقة اعتراف وتضامن وقرب ومعنى مشترك، لكن قيمته الإنسانية تتطلب أن يبقى الآخر أكثر من مجموع المنافع التي يقدمها. فحين يصبح الإنسان غاية في ذاته، يمكن أن تتعايش داخل العلاقة حاجاته ومصالحه ومنافعه من دون أن يفقد إنسانيته. أما حين يصبح وسيلة، فإن الحب نفسه يفقد وظيفته الإنسانية ويتحول إلى أداة من أدوات المنفعة، وعندها لا يكون ما فقد مجرد علاقة، بل معنى العلاقة ذاتها.
نصيحتي لك… في الحب، اختر العلاقة التي تجعلك أكثر اتزاناً، لا أكثر تعلقاً، وأكثر نضجاً، لا أكثر احتياجاً. تعلّم أن تمنح دون أن تستنزف نفسك، وأن تقترب دون أن تفقد مساحتك، وأن تحافظ على حدودك دون أن تغلق قلبك. فالحب الناضج لا يطلب منك أن تتخلى عن ذاتك كي تستمر العلاقة، ولا أن تجعل حياتك معلقة على حضور شخص آخر، بل يمنح كل طرف مساحة ليكبر في حياته، ويجد في الآخر رفيقاً يشاركه الطريق لا بديلاً عن الطريق. لذلك أحب بوعي، واختر من يضيف إلى سلامك، وكن أنت أيضاً شخصاً يضيف إلى سلام من تحب، فالمودة الحقيقية تقوم على الرحمة والاحترام والمسؤولية، وعلى وعي يميز بين ما هو حلال وما هو حرام، ويحفظ للإنسان كرامته، دون أن يفقد الحب معناه الإنساني. فالعلاقات الجميلة لا تصنع حياة كاملة نيابة عنا، وإنما تساعدنا على أن نصنع حياة أجمل، ونحن ما زلنا نملك أنفسنا، ونختار ما يصون قلوبنا وكرامتنا وحياتنا.
د. حسام الدين فياض



