لقاء مع الشاعرة والناقدة ليلى عطاء الله من تونس-حوار:الإعلامية شمس الأصيل العابد

برعاية الرابطة العربية للآداب والثقافة
أهلاً وسهلاً بكم، أعزّاءنا المتابعين، في حلقة جديدة من برنامجكم الثقافي «من النص إلى القارئ»، حيث نلتقي بالأقلام المبدعة، ونقترب من تجاربها في الكتابة والإبداع والبحث، لنكتشف ما وراء النص من أسئلة ورؤى وذاكرة وجمال.
يسعدني اليوم أن أرحّب بضيفتنا الأستاذة ليلى عطاء الله، أستاذة اللغة والأدب العربي، وباحثة دكتوراه متخصّصة في الأدب العربي الحديث، وشاعرة لها تجربة متميّزة في الكتابة الشعرية والنقدية.
صدر لها في الشعر ديوان «تلك الوردة أحبّت شاعراً» سنة 2017، و «لو كان لي بيت» سنة 2018 عن دار ميارة للنشر بتونس، كما يصدر لها قريباً ديوان «بيدين صغيرتين أطوّق العالم»، إضافة إلى «اسمك برائحة المطر».
ولها حضور نقدي وبحثي لافت، من خلال دراسات تناولت قصيدة النثر، والإيقاع، والفضاء، والشعر النسائي الكردي، والاستعارة التصورية، والسيرة الذاتية في الشعر، والأشكال الوجيزة في الشعر العربي الحديث، وغيرها من القضايا التي تؤكد انشغالها بأسئلة الشعر العربي الحديث وتحولاته.
كما صدر لها كتاب «في قصيدة النثر من خلال مدونة عماد أبو صالح» عن الأمينة للنشر والتوزيع بالقيروان سنة 2025.
فأهلاً بكِ أستاذة ليلى، وشكراً لحضورك معنا في «من النص إلى القارئ».
س:1أستاذة ليلى، بين أستاذة اللغة والأدب العربي، والباحثة في الأدب الحديث، والشاعرة، أين بدأت الحكاية؟ وهل كانت القصيدة هي التي قادتكِ إلى البحث النقدي، أم أن الدراسة الأكاديمية هي التي أعادتكِ إلى الشعر بعين مختلفة؟
ج1: سؤال البدايات يفتح عالما أوسع من تحديد زمني، لكن يمكن اختصار ذلك في فعل ” اقرأ”، كنت قارئة ومازلت مفتونة بعالم الكتب، الرواية أولا والشعر ثانيا مع بداية أحلام فتاة متميّزة في الرياضيات اختارت التوجه إلى الآداب من أجل أن تكون شاعرة، بدأت محاولات الكتابة باكرا، والشعر هو الذي قادني إلى تخصصي الأكاديمي.
س2: في دواوينكِ عناوين لافتة ومحمّلة بالدلالة: «تلك الوردة أحبّت شاعراً»، «لو كان لي بيت»، و«بيدين صغيرتين أطوّق العالم»، وكذلك «اسمك برائحة المطر». إلى أيّ حدّ يمثل العنوان عندكِ عتبةً حقيقية للنص؟ وماذا تقول هذه العناوين عن عالمكِ الشعري؟
ج2: ليس العنوان مجرّد عتبة تقود إلى البيت، بل أراه هو الدار نفسها، لذلك حرصت على اختيار عناوين تحيل إلى علاقة وطيدة بين الإنسان والعالم، ” تلك الوردة ٱحبت شاعرا” ليست اختزالا رومنسيا، ولاهي تناص مع اسم الوردة، وإنّما هي الرائحة التي تقود العقل العرفاني، فيتحسّس العالم بحاسة الشمّ لا بأصابعه، والشاعر هو مهندس العالم الذي يحدث غيابه فوضى، بقية العناوين تتوجه نحو العالم الذي لن يتخلّص من قبحه إلا بعودته إلى النقاء الأول، أقصد الشعر
س3: اشتغلتِ نقدياً على قصيدة النثر في أكثر من دراسة، من الإيقاع والفضاء والبوليفونية إلى السرد والاستعارة والأشكال الوجيزة، ثم خصصتِ كتابكِ «السردي في قصيدة النثر» لهذه المسألة. لماذا ظلّت قصيدة النثر تستوقفكِ كباحثة؟ وهل استطاعت، في رأيكِ، أن تؤسس جمالياتها الخاصة بعيداً عن مقاييس القصيدة العمودية والتفعيلة؟
ج3: اهتمامي بقصيدة النثر يعود أوّلا إلى التباس المصطلح الذي أسقط حرفيّا على نصوص شعرية عربية دون العناية بخصوصية النوع. ثانيا قصيدة النثر هي تطور طبيعي للشعر العربي الحديث وليست وافدة عليه، لذلك أفضل مصطلح ” الشعر الحرّ غير التفعيلي” وليس قصيدة النثر، وقد درست خصائصها ضمن كتابي النقدي ” السردي في قصيدة النثر من خلال مدونة عماد أبو صالح” وهو كتاب يتجاوز النموذج لاقتراح منهج مختلف لدراسة هذا النوع من الشعر
س4: لنتحدث عن الشعر والمرأة، في دراستكِ «الحق في الشعر: من يسكت امرأة حرّة» توقفتِ عند شعر سامية ساسي وفضيلة الشابي، كما اهتممتِ بالشعر النسائي الكردي. هل ترين أن المرأة الشاعرة ما تزال تواجه نوعاً من الوصاية النقدية أو الاجتماعية؟ وهل استطاعت الشاعرة العربية المعاصرة أن تنتزع لنفسها حقها الكامل في تعريف تجربتها بعيداً عن الأحكام الجاهزة حول «الشعر النسائي»؟
ج4: يعود اهتمامي بأشعار شاعرات إلى النصّ وليس الجنس، فقد تناولت بالنقد أشعارا لشعراء أيضا، لكنّني لاحظت أن تأنيث القصيدة يسيء إلى الشعر وإلى الشاعرة، لذلك لا أؤمن بتجنيس النص، الشعر لغة مخصوصة تتعالى على التصنيف.
س5: أنتِ شاعرة وناقدة في الوقت نفسه. وهذه الثنائية قد تكون غنية، لكنها قد تكون أيضاً محرجة للناقد عندما يقترب من الشعر. عندما تقرئين قصيدة، هل تدخلين إليها أولاً بذائقة الشاعرة أم بأدوات الناقدة؟ وهل تستطيعين الفصل بين القلب الذي يتذوق والعقل الذي يحلل؟
ج5: النص الشعري هو الذي يقترح عليّ منهج دراسته، إذ لا يمكن أن ندجّج أنفسنا بنظريات نسقطها على النصّ. إضافة إلى ذلك فإنّ ما يُنمى إلى الشعر ليست لغة القلب، فالعقل سرديّ وتخييليّ، وهو المفتون الحقيقيّ بعالم الشعر، وإنّما الفصل بين العقل والقلب يعود إلى مراحل تقوم على التصنيف، أما الشعريّة اليوم فتمثّل علما له مناهجه، وهذا لا يمنع من حضور ذائقة المتلقي في اختيار نصوص شعرية للدراسة والنقد
. س6: صدر لكِ سنة 2025 كتاب «السردي في قصيدة النثر من خلال مدونة عماد أبوصالح»، وتواصلين الاشتغال على قضايا الشعر العربي الحديث. ما الذي أضافته لكِ تجربة البحث الطويل؟ وهل تعتقدين أن النقد العربي اليوم يواكب التحولات التي يعرفها الشعر، أم أننا ما زلنا نستخدم أحياناً أدوات نقدية قديمة لقراءة نصوص جديدة؟
ج6: النصّ سبّاق دوما، والنظريات لاحقة، غير أنّنا ما نزال للأسف في جامعاتنا العربيّة نكرّس نظريات _ لا نقول تقليدية لأنّ القديم يؤسس للحديث_ تفتقر إلى خصوصية النص العربيّ فيفقد قيمته ويبقى حبيس الرفوف. لذلك فإنّ مفهوم السردي في الشعر ليس حالة منعزلة، وإنما هو مشروعي النقدي الذي أسعى إلى مواصلة البحث فيه إن شاء الله.
س7: بعد هذه الرحلة بين الشعر والنقد والبحث الأكاديمي، ومع صدور ديوانكِ الجديد «بيدين صغيرتين أطوّق العالم»، ماذا تريد ليلى عطاء الله أن تقول للقارئ اليوم؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة في تجربتكِ الشعرية، أم أن القصيدة، في جوهركِ، ما تزال تبحث عن البيت نفسه الذي سألتِ عنه في ديوانكِ: «لو كان لي بيت»؟
ج7: الشعر تجربة حياة بالنسبة إليّ والنقد هو تلك الرحلة التي تقودني إلى اكتشاف مدن جديدة، كل كتاب جديد يمثّل رغبتي في العودة إلى هذه المدينة الفاضلة التي لا يبلغها الشعر، لأنّه مذ أطرد منها لا بيت له غير اللغة يسكنها.
وفي ختام هذا الحوار، لا يسعني إلا أن أتوجّه إلى الشاعرة والناقدة ليلى عطاء الله بجزيل الشكر على هذا اللقاء الثري، الذي أخذنا بين عوالم الشعر والنقد والبحث، وكشف عن تجربة تجمع بين حساسية الشاعرة وصرامة الباحثة، وبين الإبداع والرغبة الدائمة في مساءلة النص واكتشاف آفاق جديدة للقصيدة العربية.
شكراً لها على هذا الحوار الممتع، وعلى ما أنجزته وتواصله من مشروع شعري ونقدي يستحق المتابعة والاحتفاء.
كما أتوجّه بالشكر إلى جميع المتابعين الكرام الذين رافقونا في هذا اللقاء، وإلى كل من منح هذا الحوار وقته واهتمامه. نلتقي في حوارات أخرى، مع تجارب وأصوات جديدة، نواصل من خلالها الاقتراب من الأدب وأصحابه، ومن الأسئلة التي تجعل القراءة أكثر حياة.
مع تحيات د. شمس الأصيل العابد المكلفة بالإعلام بالرابطة العربية للأداب والثقافة



