لقاء مع الشاعر خالد صبر سالم-حوار/ شمس الأصيل العابد

أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامجنا الثقافي الأسبوعي: “من النص إلى القارئ“. نستقبل اليوم شخصية بارزة في سماء الإبداع، تمتلك تجربة ثرية تجمع بين صرامة اللغة في المجال الأكاديمي وبين سيولة العاطفة في الشعر. ضيفنا هو الأستاذ خالد صبر سالم الذي جعل من “شبه الجملة” حالة عشق، ومن الحب بوابة للضوء.. المدرس الذي لم يتقاعد يوماً من الشغف، والشاعر الذي طاف العواصم ليوزع إبداعه العراقي في كل مكان.ضيفنا الكريم: من مواليد مدينة الناصرية، حاصل على بكالوريوس اللغة العربية من جامعة بغداد/ كلية التربية، ومدرس للغة العربية متقاعد. نشر قصائده في عددٍ وافر من الصحف العراقية والعربية، وشارك في مهرجانات شعرية مرموقة في بغداد، البصرة، سوريا، مصر، الأردن، وتونس. له نشاطات واسعة في المنتديات والمواقع الإلكترونية، وقد فازت قصائده في مسابقات متعددة توجت بالعديد من الدروع والأوسمة.
أصدر خمس مجموعات شعرية: (عيناكِ وشبهُ الجُملةِ) في القاهرة، (وللعشقِ أيضاً فَتوى) في دمشق، (يوسفُ يَخرجُ مِنَ الجُبِّ) في القاهرة، (اُحرِّرُ عشقي) في العراق، و(العشقُ يغتالُ إبليسَ) في دمشق، بالإضافة إلى سبعة دواوين لم تُطبع بعد. حظيت أعماله بدراسات نقدية من نقاد عرب وعراقيين، كما نال شعره شرف أن يكون مادة لثلاث دراسات أكاديمية جامعية. يكتب الشاعر القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وقليلاً من قصيدة النثر.
مرحبا بك الأستاذ المبدع خالد صبر سالم
لننطلق بالسؤال عن فلسفة اللغة؛ تبين لي من خلال تجربتي في كتابة الرواية، أن السرد ليس مجرد “كلمات تُقال، بل فضاءات ذهنية تشكل في ذهني عملية هندسية تحدث في الدماغ، حيث يقوم العقل ببناء شبكة تربط بين تفاصيل مشتتة لتصنع معنىً كاملاً. فعندما أقوم بسرد أحداث، فأنا أفتح ملفات في ذهن السامع. إذا حددت زمنا معينا“، فإن ذهن القارئ يستقبل في ذهنه فوراً فضاءً زمنياً وفضاءً مكانيا. وكل جملة أضيفها لاحقاً هي عبارة عن بيانات يتم تخزينها داخل هذه الفضاءات. وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى نظرية جيل فوكونييه، وهوباحث فرنسي بارز في العلوم العرفانية وعالم في اللسانيات، فقد اعتبر أن اللغة مجرد “مفاتيح” تحفز بناء هذه العوالم الذهنية، فما رايك لو نطبق هذه النظرية على تجربتك في التدريس …متى كانت اللغة هي المفتاح الذي حرر المعنى في إبداعك الشعري؟ ومتى كان النحو قيدًا على شاعريتك،
الجواب: لا أعتبر النحو قيدًا في صياغة الشعر أو سائر الكلام، لأنه أصبح عندي كالسليقة التلقائية. أما المعاني فهي تبقى حبيسة في مشاعرنا، واللغة هي التي تطلقها نحو فضاءات إنسانية واسعة؛ ونحن نعرف أن الإنسان “حيوان ناطق”، فلولا اللغة لبقي الإنسان مثل بقية الحيوانات.
السؤال الثاني: اخترت لمجموعتك الأولى عنوان: (عيناكِ وشبهُ الجُملةِ)، يذكرني حين أرى طلبتي وهم يتلقفون المعنى لأول مرة، وكيف تتسع حدقاتهم أمام بلاغة صورة بيانية، فإني لا أرى طالبًا يدرس، بل أرى رواية أو قصيدة في طور التكوين. فهل نعتبر هذه المجموعة محاولة منك لخلق نبض الحياة في القواعد الجافة وتحويلها إلى إبداع، وكأنك تريد “أنسنة” القواعد اللغوية؟
الجواب: ديوان (عيناك وشبه الجملة) مأخوذ عنوانه من إحدى قصائده، والفكرة أن الحبيبة كانت تتكلم بسحر عينيها أكثر من لسانها، وهي تطلب أن تكون تلك النظرات فكرة لقصيدة جديدة. فكان جواب الشاعر أن سحر النظرات صادر منه لغته، وجعله يعجز وتهرب منه كل قواعد اللغة؛ بحيث إنه أصبح هائمًا ضائعًا، ومعه ضاعت كل لغته، فلا يستطيع تكوين حتى “شبه الجملة”.
السؤال الثالث: لا يمكن أن نمر على مسألة الهوية دون أن نتحدث عن لحظة تفتق الأكمام في مسيرتك الإبداعية، فلقد عُرفت الناصرية المدينة العريقة بكونها “مشتل الإبداع”.. كيف انعكست بيئة ذي قار وتاريخها على نبرة صوتك الشعري، وهل ما زال صدى “أور” يتردد في دواوينك المطبوعة في القاهرة ودمشق؟
الجواب: الناصرية فيها آثار مدينة (أور) عاصمة السومريين الذين أسسوا أول حضارة في التاريخ، وهم أبدعوا الملحمة الأولى (ملحمة جلجامش)، والقصيدة الأولى، والقيثارة الأولى؛ ولذلك نجد فيها المبدعين في كل الفنون والآداب. ومن هنا أجدني -وأنا الذي عشت كل عمري في هذه المدينة- أستلهم منها خيالات قصائدي. وهذه القصيدة التي أخذت من تاريخها كي أسخر من حاضرها، وعنوانها (في فرقةِ الرقصِ الغجريّةِ):
سألـْتُ جلـْجامِشَ ذاتَ مَرَّةٍ: يا أيُّها العظيمُ: ما الذي صَنـَعْتـَهُ؟ وما الذي رأيْتـَهُ؟ حتـّى غـَدَتْ تـُغـَنـّي بذكـْرِكَ البلادْ فقالَ في زَهْوٍ وفي اعْتدادْ: قاومْتُ طابورًا مِنَ الصراصرِ لكنـَّما أبو بُرَيْصٍ ذلكَ المُخاتِلُ الحقودْ فاجَأني، صادرَ مِنْ يَدَيَّ نـبْتةَ الخلودْ سألـْتـُهُ ثانيةً: أما يزالُ جسْمُكَ المُهيبُ نصْفـُهُ مِنْ بَشــَرٍ ونصْفـُهُ الثاني إلـٰهْ؟ قالَ وقدْ تـَلـَوَّنـَتْ بالزَهْوِ وجْنـَتاهْ: ذاكَ زمانٌ قدْ مضى والآنَ جسْمي نصْفـُهُ مِنْ رَجُلٍ ونصْفـُهُ الثاني امْرأهْ وذاكَ توفيقٌ مِنَ الإلـٰهِ (آنو) المُشفِقِ الحنونْ مَكـَّنـَني أنْ أنـْتـَمي لفرْقةٍ مِنْ غـَجَرٍ مُنِحْت مِنْ خلالِها أوْسمةً للرقصِ والفنونْ
السؤال الرابع: نعرج بالحديث عن العشق، يبدو العشق في قصائدك وكأنه ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو “إعادة صياغة للذات”؛ فأين تجد أبلغ معاني العشق: هل هي في لحظة الوصول والاتحاد، أم في ذاك “الوجع”؟
الجواب: العشق في شعري ليس عاطفة فقط، وإنما هو تجسيد لموقف فكري يرى أن العشق ليس بين الجنسين دائمًا، وإنما قد يتوسع العشق ليكون عشق السلام والمحبة والإخاء الإنساني والانتماء للحق.
السؤال الخامس: ندرك تمامًا أن لغة الضاد واسعة، لكن العشق في شعرك يبدو وكأنه يبحث عن لغة داخل اللغة. فما هو المعنى الذي أخضعته القواعد اللغوية واستطاعت قصيدتك أن تحرره، لتصبح فيه اللغة هي العشق بذاته؟
الجواب: القواعد اللغوية هي الطريق السليم لوصول العاطفة والأفكار للمتلقي، والشاعر دائمًا يحاول عند الكتابة أن تكون لغته الواسطة المقنعة، إضافة لجمال الأداء البلاغي الفني.
السؤال السادس: يقولون إن أقصى درجات العشق هي “الحيرة”. في أي بيت من أبياتك شعرت أنك لم تعد تصف العشق، بل أصبح العشق أنت؟
الجواب: في عشرات الأبيات أجدني موجودًا في أقصى درجات العشق، ولعل البيت التالي من قصيدة (العشق يغتال إبليس) يشير إلى هذه الحالة؛ لأنه يجعل العشق مجرة بعيدة والشاعر يحاول أن يطير إليها بأجنحة الهوى:
في الحُلـْمِ أنـتِ مَجَـرَّةٌ عَشِـقـَتْ
وأنـا بأجْـنحَـةِ الـهــوى طِــرْتُ
السؤال السابع لو جردنا قصائدك من كل التشبيهات والاستعارات، وأبقينا على “جوهر العشق” فقط، فما هي الكلمة الوحيدة التي ستتبقى في طيات القصيدة لتعبر عن أبلغ معاني الغرام للمحبوب؟
الجواب: صعب أن نختصر أدب الشاعر بكلمة واحدة، والبيت التالي من قصيدة (العشق هو ليلى) قد يكون هو الكلمة:
وحُبّـُهــا معْبدي اُزجيـهِ أدعيتـي
بخورُهُ زاهِـدٌ والشــمعُ قدْ صلـّى
ختاماً، نشكرك أستاذنا القدير على هذه الأوقات الممتعة والكلمات المعبرة والدافئة التي أثرت بها أرواحنا. كما نتوجه بالشكر الجزيل لمتابعينا الأوفياء على حسن المتابعة. نلقاكم بخير إن شاء الله في حلقةٍ قادمة، فكونوا معنا.
مع تحيات شمس الأصيل العابد
خبيرة دولية في التواصل بين الثقافات، مكلفة بالإعلام بالرابطة العربية للآداب والثقافة.



