الضيف/ الروائي عامر أنور سلطان-اعداد وحوار/ الإعلامية شمس الأصيل العابد

يقول الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو: «من يقرأ يعيش ألف حياة قبل أن يموت، أما الذي لا يقرأ فلا يعيش إلا حياة واحدة». وبين القراءة والكتابة تتشكل العوالم الإنسانية وتُصاغ الذاكرة الجماعية للشعوب. في هذه الحلقة من برنامجنا الثقافي، نستضيف قامة روائية فلسطينية حملت همّ المكان والإنسان، وجعلت من الرواية فضاءً لمقاومة النسيان وحفظ الحكاية. ضيفنا اليوم كاتب وروائي من مدينة الخليل، صدرت له أعمال روائية متتالية حصد بعضها جوائز عربية مرموقة، واستطاع أن يحوّل تفاصيل الحياة الفلسطينية إلى نصوص أدبية تنبض بالجمال والأسئلة والدهشة. يسرّنا أن نرحب بالأستاذ الروائي الكريم، عامر أنور سلطان ونشكره على تلبية الدعوة، آملين أن نصحب مشاهدينا في رحلة بين الإبداع والتجربة والرؤية الفكرية والإنسانية
سؤال1: من مدينة الخليل، المدينة المشبعة بالتاريخ والرمزية، بدأت رحلتكم مع الكتابة. كيف تشكلت البذرة الأولى للوعي الأدبي لديكم؟
محظوظ ذاك الذي يهتدي إلى سرّ اللغة، في مراحل الطفولة وتشكّل الوعي يبحث الطفل عن أي شيء ليعبّر عما في داخله ويحجز لشخصيته مكانا في عالمه الذي يكتشفه يوما بعد يوم، أنا كنت من أولئك المحظوظين لأنني نشأت في بيت بعيد عن المدينة مليء بالكتب لوالد هو معلم لغة عربية، هذا الواقع ربما فتح لي طريقا لم أملك ترف اختيار غيرها وهي القراءة فقرأت الكتب والروايات الكبيرة والخالدة لأدباء وكتاب عظماء، طفلا قرأت لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس حنا مينا دواوين الشعر الكبيرة والكثير من الأدب العالمي فاهتديت إلى سحر اللغة واكتشفت الرابط المقدس بين المكان “مدينتي الضاربة في عمق التاريخ” وبين اللغة وكيف يتحول كل تفصيل فيها إلى كلمات وجمل بداخلي تدفعني لكتابتها على طرف صفحة في دفتر مدرسة أو موضوع انشاء يطلبه الأستاذ أو حتى خاطرة تسكنني انتظارا ليوم تخرج في رواية أو عمل أدبي.
2: يرى إدوارد سعيد أن السرد هو أحد أشكال مقاومة الإقصاء. إلى أي مدى تمثل الرواية بالنسبة لكم فعلًا ثقافيًا لمقاومة النسيان؟
هذا صحيح تماما، لكن واقع السارد الفلسطيني يتجاوز ذلك بمراحل، فنحن نكتب لمقاومة الطمس والتزوير ونخوض بالكلمة والحرف حرباً على الهوية والرواية، ولعل مدينة الخليل من أكثر المدن التي يتجلى فيها استعار الصراع على الهوية والرواية بسبب خصوصيتها الدينية إلى جانب القدس، لذلك كانت رواية زمن القناطر من أكثر رواياتي التي أثارت الجدل حول شخصية البطل وهي شابة فرنسية من أصول فلسطينية خليلية حاربت فكرة الاحتلال والصهيونية وانتصرت لفلسطينيتها وأصولها ولمدينتها الفلسطينية العربية بكل الأديان التي احتوتها.
3: بين “وادي الغيم” و”بنت الأجيال” مسار إبداعي طويل. كيف تصفون تطور مشروعكم الروائي من عمل إلى آخر؟
الحقيقة أن إجابة النقاد على هكذا سؤال قد تكون أكثر واقعية من إجابة الكاتب، ولكن من منظور شخصي أرى نفسي أسيرُ بالكتابة على خط أفقي عالي القيمة من حيث القضايا التي تطرحها كل الروايات فالكتابة عند كاتب لا يحمل أي قضية هو عمل عبثي.
4: هل تكتبون الرواية انطلاقًا من فكرة فلسفية مسبقة أم أن الشخصيات هي التي تقودكم إلى بناء العالم الروائي؟
بالنسبة لي فإن البذرة التي تنمو وتصبح رواية هي الفكرة، والفكرة هي أي شيء حدث كان كبيرا أو صغيرا أو ظاهرة فهذا الحدث في جوهره يقود إلى قضية، والكاتب ابن بيئته يتأثر بما يدور حوله وتزداد الأحداث الملهمة كلما اتسع اطلاعه وانخراطه ببيئته وتاريخه أيضا، أوائل رواياتي المنشورة كانت ثلاثية طويلة اشتعلت من صورة طفل لفظته الأمواج على شواطئ تركيا ليصبح هذا المشهد ثلاث روايات تشابكت أحداثها في أقاليم عدة وغاصت ببعدٍ تاريخي متعدد.
5: يقول ميلان كونديرا: “الرواية ليست اعتراف الكاتب، بل استكشاف الوجود الإنساني”. ما الأسئلة الوجودية التي تسعون إلى طرحها عبر أعمالكم؟
في المحصلة كل رواية تحمل في طياتها أسئلة إنسانية قد يصل بعضها ليكون سؤالا فلسفيا عميقا وتحمل تفسير الكاتب أيضا، وهناك من الكتاب من يشق النافذة للقارئ ليرى جزءا من عالم غامض وهناك من يفتح النوافذ والأبواب على مصراعيها، تحمل رواياتي الكثير من الأسئلة الإنسانية تجيب على البعض وتترك للقارئ الإجابة في البعض الآخر بعد تسليط الضور على ما يحمله السؤال من خفايا، في رواية رحلة المينا الهندي مثلا، يصطدم القارئ من أولى صفحاتها بسؤال العزلة هل هي خلاص أم معاناة جديدة؟ وفي رواية بنت الأجيال (الحرب على غزة بعيون طفلة) ما هو الأقوى اليأس أم الأمل، وفي رواية نبوءة الصحراء يغوص القارئ في جدلية السراب هل هو إمعان في عذاب من تاه في صحراء واقعنا المرير والشعور بانعدام الحلول كأنها السراب الخادع، أم كما قال محمود درويش ” لولا السراب ما كنت حيّا إلى الآن”؟
6-” ما الحدود الفاصلة بين التجربة الشخصية والخيال الروائي في نصوصكم؟
إن المزيج بين الخيال والواقع هو ما ينتج عنه جمالية الرواية، فالخيال وحده يجعل العمل يفقد مصداقيته وسرد الواقع المجرّد يحرم الرواية من لذة الآفاق التي يملكها الخيال، وسر نجاح الرواية يكمن في التجانس بين الواقع والخيال، في رواية وادي الغيم تداخلت الشخصيات التاريخية الحقيقية والخيالية وكانت الأحداث متناسقة في سياقها التاريخي الصحيح سواء كانت في الأندلس في فترة ملوك الطوائف أو في الشام في فترة الحروب الصليبية ثم في ظلال عاشقة التي تداخلت الشخصيات الحقيقية مع الخيالية في حقبة الحشاشين وفي نبوءة الصحراء وفترة فرسان الهيكل ليخرج القارئ عبر الشخصيات الخيالية بقصص مشوقة يتم من خلالها فتح صفحات التاريخ الحقيقي وشخصياته الحقيقية فكان الخيال بما يحمل من جمال وغرابة القصة يدعم الكشف عن حقائق تاريخية وشخصيات ومواقف حقيقية.
- رواية “قلادة ياسمين” حققت حضورًا لافتًا وحصدت جوائز مهمة. ما الذي ميّز هذه التجربة عن بقية أعمالكم؟
بالعودة إلى آراء النقاد والأدباء حول رواياتي فهذه الآراء لم تجمع على أفضلية هذه الرواية عن غيرها، البعض اعتبرها أفضل عمل والبعض اختار غيرها كأفضل عمل، لكن تميز رواية عن أخرى في حصد الجوائز أو الانتشار أرى أنه يعود للتوفيق وتوافر ظروف تدفع لنجاحها أكثر من غيرها بالتأكيد إلى جانب قيمتها الأدبية، وقد تكون القضية التي حملتها رواية قلادة ياسمين وقداسة القدس وقيمتها في الوعي العربي، وهي المكان الذي مثلته في أحداثها وشرح قضيته منذ البدء بكل هذا الوضوح الذي يحاول الاحتلال إخفاءه جعل من هذه العوامل فرصة أكبر لهذه الرواية، وهنا أيضا يبرز دور الرعاية والجهات النقابية والرسمية في نجاح مثل هذه الرواية فقلادة ياسمين هي روايتي الوحيدة التي لم تصدر عن دار نشر إنما صدرت عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين وهو من حمل وتبنّى هذه الرواية وسعى إلى تقديمها وانتشارها ونجاحها وهنا نرى أثر الاتحاد واضحا، لأن الاتحاد العام للكتاب والادباء في فلسطين يحمل لواء الدفاع عن الرواية والهوية الثقافية للشعب الفلسطيني فكانت رواية قلادة ياسمين واحدة من الروايات التي حملت القضية الفلسطينية وقضية القدس وتبناها الاتحاد كإحدى لبناته في سورِه الحامي للثقافة والهوية الفلسطينية، ولا ننسى مساهمة نادي حيفا الثقافي في اهتمامه ومساهمته في انتشار هذه الرواية.- كيف ينظر عامر سلطان إلى صورة القدس في الرواية الفلسطينية المعاصرة؟ وهل ما زالت المدينة قادرة على إنتاج رموز جديدة داخل السرد الأدبي؟
لا يوجد كاتب فلسطيني لم أ لا يكتب عن القدس وكثير من الكتاب والأدباء العرب وغير العرب كذلك، سواء كان عملا كاملا أو تكون القدس حاضرة في أجزاء منه، ذلك أن القدس مصدر إلهام استثنائي، سحر المكان والتاريخ وتفاصيل التكوين الكامنة فيها والذي جعلها مركز صراع الحضارات هو ذاته ما يجعلها مصدر الهام متجدد للكتاب، من يعرف القدس يعرف تلك الحقائق جيدا، ولو زار المرء القدس كل يوم سيراها كل يوم بعين جديدة ونظرة جديدة كأنها بسحرها تستطيع أن تخلق الأفكار والالهام المناسب لمن يزورها أو حتى يفكر بها، فإن زرتها حزينا تقافز الحزن وتجلّت معاناتها من بين شقوق حجارة سورها ومبانيها القديمة، وإن زرتها سعيداً جللتك بهالة فرح الفتوحات والانتصارات ودروس الأمل من خلاصها عديد المرات عبر التاريخ، وإن زرتها تائها اهتديت بدهاليز متداخلة تأخذك دون أن تعلم كيف ومن أين كلها تقود على معراج السماء، لذلك عند قراءة الأعمال عن القدس سيلمس القارئ تمايزها واختلافها لأن القدس بتفاصيلها أوسع بكثير من خيال وقدرة السرد ليس فقط عند الكتاب الفلسطينيين ولكنها نبع قادر على أن يروي ظمأ كل كتاب الأرض. - كثير من النقاد يتحدثون عن العلاقة بين التاريخ والرواية. هل تعتبرون الرواية وسيلة لإعادة كتابة التاريخ من منظور إنساني؟
نعم هناك الكثير ممن كتبوا التاريخ من منظور المعارك والقتل والانتصارات والهزائم وهناك من أعادوا كتابة نفس التاريخ من منظور مختلف إنساني أو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي ….، أنا ممن يستحضرون التاريخ في الروايات بكثافة لاستخلاص الدروس والعِبر والعبور نحو المستقبل بحصانة التعلم من التاريخ وأسعى من خلال الغوص في التاريخ أيضا الكشف عن جذور حيّة يجهلها كثير من الناس اليوم وحتى لا يعلمون وجودها وإن علموا ظنوا بأنها جفّت وغابت تحت تراب الماضي، أحد الأمثلة الواضحة كان استحضار الشخصية الأندلسية واحتفاظها بأصولها من خلال قرية ريوبار الأندلسية المختبئة من محاكم التفتيش في روايات ثلاثية وادي الغيم، حيث ظهرت هذه القرية النائية في جبال وسط اسبانيا ولا زالت تحمل السمات والعادات الأندليسة وكان لها دور رئيسي في مواجهة الأخطار وتشكيل الواقع الحالي في البلاد العربية وكانت المحرك الرئيسي للأحداث على شكل نبوءة من التاريخ، هذه النبوءة التي تحمل رمزية تاريخنا كانت وقود الخلاص الذي ارتأيت أن يكون على وجه الصحراء الواضح والصريح وتشكيل بنية الشخصية العربية والفكر العربي ومنظومة القيادة عبر تحقق النبوءة في مكان لا ألوان فيه ولا مغريات سوى ما تحمل النفس من أمنيات تحتاج إلى التضحية وصدق السرائر للوصول إليها. - ما أصعب التحديات التي تواجه الكاتب الفلسطيني اليوم: النشر، أم التلقي، أم المنافسة في الفضاء الثقافي العربي؟
إن التحدي الأساسي للكاتب العربي بشكل عام يتمثل في هذا الفائض ولنقل الفوضى في النشر وتزاحم الأعمال دون ضوابط ومعايير واضحة تضمن جودة وإيجابية التأثير على القارئ في قضاياه، وهذا ما يحدثه المال في غياب الرقابة الإيجابية على النشر، ومن هنا تسوّق الأفكار الهدامة لجهات تعمل على ذلك وما زاد صعوبة ضبط هذا الأمر هو النشر الالكتروني السريع، ويبقى الاحتلال التحدي الأساسي للكاتب الفلسطيني فهو كما يسعى لطمس الهوية والتاريخ عبر تزوير الرواية فهو يسعى أيضا للتضييق وإخفاء صور من يكتب لأنه يعلم بأن نجاح مهمته في انتاج رواية جديدة متساوقة مع أطماعه مرهون بإسكات صوت الراوي الفلسطيني. - كيف يقيم عامر سلطان حضور الرواية العربية في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي؟
العالم متغير بشكل سريع وتفاعل الناس مع التكنولوجيا أيضا سريع، لذلك فإن الكاتب الذكي هو من يتماشى مع التطورات ويوظفها في تطوير أعماله الأدبية وانتشاره دون اقترابها من محاذير تهدم القداسة الأدبية للكتابة وكاتبها، فاستخدام الذكاء الاصطناعي في توليد رواية كاملة مثلا ثم نشرها عبر الانترنت لتصل من تصل وهذا يحصل فتلك من المحرمات التي يجب على الاتحادات والجهات الثقافية الرسمية إيجاد حلول للحد منها بل ومنعها، وإلى الآن أرى أن الرواية العربية الورقية لا زالت تحافظ على حضورها وبريقها ولا زالت قادرة على الدفاع عن نفسها ولكن في ظل المتغيرات المتسارعة فهذا أمر غير مضمون وعلى جميع المعنيين التفكير والعمل على تحصين منجزات الرواية والحد من سطوة التكنولوجيا وسوء استخدامها على الرواية. - يقول عبد الوهاب المسيري إن الإنسان يُعرَّف بقدرته على تجاوز الواقع لا الاستسلام له. كيف ينعكس هذا المعنى في شخصياتكم الروائية؟
كما أسلفنا فإن كل رواية تحمل قضية وأي قضية يكون الانسان المحرك الأساسي لنشوئها أو الوقوع تحت تأثير نتائجها، لذلك فإن الانسان في رواياتي هو صاحب الفعل في تشكيل الواقع والحبكة في الرواية والشخصيات أيضا هي المحرك لما تحمله الرواية من تفكيك عقد الواقع لتجاوزها أو بناء واقع جديد، في رواية وادي الغيم يجد خالد الفتى السوري الهارب من جحيم الحرب إلى البحر نفسه غريقا وقد أنقذه بحارة إسبان وحيدا لاجئا فقد كل شيء ليبدأ مع صبية اسبانية من أصول أندلسية محاولات الإفلات من واقع مغلق إلى فضاء واسع وواقع جديد فتحاه عبر ممرات التاريخ، في كل رواية سيجد القارئ شخصيات تتطور مع الأحداث وتتمسك بالأمل وتسعى للتغيير. - إلى أي مدى تؤمنون بأن الأدب قادر على إحداث تغيير اجتماعي وثقافي حقيقي؟
نحن نكتب أصلا لأننا نؤمن بأن الأدب يحمل رسالة مقدسة للحفاظ على الموروث الثقافي والاجتماعي ومقاومة أي انحدار أو طمس أو تغيير سلبي ونعتبره أيضا جزءا أصيلا من مقاومتنا للاحتلال، وهذه مهمة ليست سهلة لأنها لا ترتبط بالكتابة وحدها بل بوصول ما يكتب إلى أكبر عدد من القراء، في حالتنا الفلسطينية تدخل السياسة في كل شيء والجدل حولها يحتدم في عقول الناس ويبقى الأدب هو الحكم الذي لا تختلف عليه العقول والنقاشات، فحتى الكاتب ممكن أن يحمل رأيا سياسيا آنياً كأن يكون مع دولة فلسطينية على حدود عام 67 مثلا أو ضدها ولكنه ككاتب وفي رواياته وكتاباته يسمو فوق المواقف المرحلية والآنية ليصل إلى ويبقى متمسكا بأصل القضية، الأصل المقدس الذي لا يعترف إلا أن فلسطين هي فلسطين كلها وليس جزء منها ولا يعترف إلا بعروبتها كاملة لا يغلف حدودها إلا لسان عربي يستمد مداد كلماته من بحرها إلى نهرها. - ما المعايير التي تعتمدونها في بناء الشخصية الروائية الناجحة؟
الشخصية في الرواية تخلقها الفكرة ونجاح الشخصية يعتمد على مقدار قدرتها على خدمة الفكرة، ومقدار التزامها وتحقيقها للدور المطلوب منها في السرد الروائي دون ابتذال أو مبالغة، إن زمن رواية البطل الأوحد والخارق قد انقضى منذ زمن وقوة الأبطال في الرواية اليوم تكمن في واقعيتها، في رواية زمن القناطر كان البطل الرئيسي هو راشد شاب عادي جدا تميُّزُه يكمن في واقعية تمثيله لجيل كامل. - هل تشعرون أن الجوائز الأدبية تنصف الإبداع العربي أم أنها أحيانًا تخضع لاعتبارات أخرى؟
لا أهتم كثيرا للجوائز الأدبية على أهميتها ولكن أهتم بالاطلاع على الأعمال الفائزة أو المرشحة للفوز والحقيقة أن الكثير من هذه الأعمال تستحق وتحمل قيمة أدبية عالية ولكن لا يمكنني الجزم بأنها الأفضل والأحق، هناك معايير واعتبارات للجان التقييم قد لا تتوافق مع يراه الكاتب ولا يمكن أيضا التعميم فهناك بعض المسابقات تفرز وتبرز أعمال قيمة جدا وهناك بعض المسابقات التي فازت فيها روايات سببت إشكاليات كبيرة على المستوى الأدبي والثقافي والمهتم بالمشهد الأدبي يعرف أن هناك روايات فازت بمسابقات ثم سُحبت منها الجائزة. - لو طلبنا منكم اختيار شخصية واحدة من جميع رواياتكم لتجسد رؤيتكم للحياة، فمن تكون؟ ولماذا؟
عبد القادر “السراب”، شخصية محورية في ثلاثية وادي الغيم وظلال عاشقة ونبوءة الصحراء، هو من كنت اسكب من خلاله أكثر من غيره رؤيتي للقضية العربية الكبرى ونهضة العرب المنشودة كونه شخصية مثقفة وثائرة وتحمل الفكر والقدرة على التأثير من خلال شخصيته كتبت رؤيتي الخاصة عن الصراعات والربيع العربي وكذلك أمنياتي وأحلامي بنهضة عربية شاملة وتحرر شامل يقوم به قائد تُجمع عليه كل كالقوى المتناحرة فصنعت من شخصيته ذلك النموذج المنشود. - ما الكتب أو الكتّاب الذين تركوا الأثر الأكبر في تكوينكم الفكري والجمالي؟
أنا من الكتاب الذين يعيشون دائما مع دهشة البدايات، في المرحلة الابتدائية قرأت من الأدب العالمي والروايات الطويلة وأمهات الكتب في الأدب والشعر ما ترك في نفسي ما يكفي من حصيلة أدبية تفيض علي في كل عمل أدبي أكتبه خصوصا أنني لا زلت أعيش لحظات دهشة الاكتشاف التي عشتها عندما قرأتها لأول مرة، وكل ما أقرأه اليوم هو مراكمة على ذلك الأساس من التأثير والمعرفة، أما عن الأسماء التي أتأثر بها أو تأثرت فهي كثيرة ولو أردت أن أذكر اسم عربي وآخر أجنبي هكذا بشكل ارتجالي بشكل سريع يحضرني الآن أمين معلوف وكارلوس زافون. - ما المشروع الروائي الذي ما زال يسكنكم ولم تكتبوه بعد؟
نعم إنه عمل أخذ من الوقت أكثر من المعتاد بكثير ولم يكتمل بعد، هو رواية تاريخية سياسية اجتماعية تقع أحداثها بين مدينة الخليل والقاهرة في عهد الوجود المصري في فلسطين ما بين 1830 و 1840 وأثر ذلك الوجود على مدينة الخليل وكذلك أثر الشخصيات الخليلية في الواقع المصري في تلك الفترة، وتذهب الرواية في بعض سردها ومفاصلها إلى علاقة الخليل بالتاريخ المصري في أكثر من حقبة تاريخية لتفسر كثير من التساؤلات حول تلك العلاقة كارتباط اسم خان الخليلي بالخليل مثلا وهل فعلا هناك علاقة، صعوبة هذه الرواية تكمن في شحّ المصادر التاريخية التي تتحدث عن تفاصيل من كان يحدث في مدينة الخليل بشكل دقيق ابان دخول المصريين وطبيعة الأحداث ومواقف العائلات التي قادت إلى ثورة ضد إبراهيم باشا أدت إلى تدمير المدينة وأخذ معظم أطفال المدينة من عمر 8 الى 12 سنة إلى مصر لتجنيدهم في الجيش وأخذ كثير من علماء المدينة إلى القاهرة ليلحقوا بعلماء سبقوهم لأسباب عديدة إلى مصر ليصبحوا مؤثرين بعدها في المشهد المصري مثل مفتي القاهرة في عهد محمد علي باشا ” الشيخ أحمد الخطيب التميمي”.
سؤال ختامي بعد هذه الرحلة الطويلة مع الكتابة، ماذا تقولون للشباب الذين يحلمون بدخول عالم الرواية ويخشون الطريق الطويل نحو الاعتراف والنجاح؟
لم تكن الطريق ممهدة أمام أي نجاح أبدا ولو رجعنا واستعرضنا الأسماء التي حفرت لنفسها أثرا من نور ليس في الأدب فقط بل في الفنون والموسيقى نجد أنهم جميعا خاضوا معارك إثبات النفس ونجدهم حاربوا الخذلان والنكسارات ووصلوا إلى مبتغاهم بعد أن نهشت الصعاب الكثير من سنواتهم وصبرهم على طريق تحقيق أهدافهم، المهم أن يملك الكاتب الشاب الهدف وأن يؤمن بهذا الهدف وبقدرته على تحقيقه، وأن يجعل حربه الأساسية لتحقيق هدفه، في الطريق سيخوض معارك كثيرة ومتنوعة ولكن حربه واحدة هكذا فقط سينتصر ويصل لهدفه وسيتجاوز كل معاركه، أما من لا يملك هدفا واضحا مؤمنا به فسوف تطيح به أول معركة في طريق لا يعرف أين تقوده وإن نجا منها ستوقعه المعركة التالية.
كلمة الختام “في ختام هذا اللقاء الثري، لا يسعنا إلا أن نتوجه بجزيل الشكر والامتنان لضيفنا الكريم عامر. سلطان على ما قدمه من رؤى وتجارب وإضاءات أدبية وإنسانية عميقة. كما نشكر متابعينا الأوفياء في مختلف أنحاء الوطن العربي على حسن المتابعة والتفاعل. وكما قال الأديب العالمي غابرييل غارسيا ماركيز: «الحياة ليست ما عشناه، بل ما نتذكره وكيف نتذكره لنرويه». إلى لقاء ثقافي جديد، نفتح فيه نوافذ أخرى على الفكر والإبداع والجمال. دمتم بخير



