مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
وجهاً لوجه

حوار مع الاديبة الفسطينية أسمى وزوز – شمس الأصيل العابد

امرأة مبتسمة تجلس على كرسي، ترتدي سترة مخططة ووشاح ذو خطوط سوداء وبيضاء، وخلفها خلفية زرقاء مع ورود.

أهلاً بكِ أستاذة أسمى في “من النص إلى القارئ”، ونحن متشوقون جداً للإبحار اليوم في عوالمكِ القصصية والشعرية.

أشكركم على هذه الدعوة التي ستلامس تجربتي الأدبيّة وتقترب من المساحات التي يتشكّل فيها الإنسان داخل اللّغة، واللّغة داخل أسئلة الوجود.

س. كيف تفهمين الغياب بوصفه مادة للكتابة وليس مجرّد تجربة شخصيّة؟

الغياب في تجربتي ليس حادثة شعوريّة عابرة، بل بنية وجوديّة تُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء.

نحن لا ندرك معنى الحضور إلّا حين يتسرّب من بين أيدينا، لذلك يصبح الغياب أكثر قدرةً على كشف جوهر الإنسان من الامتلاء نفسه.

أنا لا أكتب الغياب بوصفه فقدًا فقط، بل بوصفه مساحة يتكثّف فيها الوعي؛ كأن الرّوح حين تُجرَّد من يقينيّاتها ترى العالم بوضوح أشدّ.

ولهذا يتحوّل الغياب داخل النّص إلى طاقةٍ جماليّةٍ وفكريّةٍ، لا إلى شكوى عاطفية.

ثمّة أشياء لا نستطيع فهمها ونحن نعيشها، لكنّنا نفهمها عندما تصبح أثرًا… والكتابة في جوهرها محاولةٌ لالتقاط هذا الأثر قبل أن يذوب في النّسيان.

س. هل ترين أنّ الكتابة تحفظ الذّاكرة أم تعيد تشكيلها؟

الذّاكرة البشريّة ليست حقيقةً ثابتةً، بل كائن حيّ يتبدّل كلّما مررنا به من جديد. لذلك لا أعتقد أنّ الكتابة تحفظ الذّاكرة كما يحفظ المتحف الأشياء؛ بل تعيد خلقها ضمن رؤية الإنسان للعالم.

في الأدب الفلسطينيّ تحديدًا، لا تتحوّل الذّاكرة إلى أرشيف للوجع فقط، بل إلى مقاومةٍ فلسفيّةٍ ضد محو المعنى.

فالكتابة هنا لا تقول: “هذا ما حدث” وحسب، بل تسأل أيضًا: “كيف ننجو إنسانيًّا ممّا حدث؟

لذلك أرى أنّ النّص الأدبيّ لا يوثّق الذّاكرة بقدر ما يمنحها حياةً ثانية، أكثر عمقًا ووعيًّا وربّما أكثر صدقًا من الواقع نفسه.

س. كيف تحاور كتاباتك هذا الأفق بين الألم والأمل دون الوقوع في خطابيّة مباشرة؟

أنا لا أثق كثيرًا بالأدب الذي يعلن مواقفه بصوتٍ مرتفع؛ لأنّ الحقيقة الإنسانيّة غالبًا ما تنمو في المساحات الخافتة.

الألم في نصوصي ليس حدثًا استثنائيًّا، بل جزءًا من الشّرط الإنسانيّ نفسه. وكذلك الأمل ليس شعارًا، بل قدرة الرّوح على الاستمرار رغم معرفتها العميقة بهشاشة العالم.

أحاول أن أكتب الإنسان في لحظاته الصّغيرة حين يرمّم وحدته بصمت، أو يواصل الحياة رغم إدراكه لفداحة الخسارات. هناك، في التّفاصيل الهامسة، أرى الأدب أكثر صدقًا من أيّ خطابٍ مباشر.

ربّما لهذا لا أبحث عن البطولة في النّص، بل عن ذلك الضّوء الخافت الذي يبقى داخل الإنسان حتّى في أكثر لحظاته انكسارًا.

س. متى تشعر أسمى وزوز أنّ اللّغة لم تعد مجرّد سردٍ بل أصبحت تفكيرًا في معنى الإنسان؟

حين تتجاوز اللّغة وظيفتها التعبيريّة، وتصبح طريقةً لفهم الوجود نفسه.

هناك لحظةٌ في الكتابة أشعر فيها أنّني لا أستخدم الكلمات، بل إنّ الكلمات هي التي تُعيد اكتشافي. عندها لا يعود النّص حكايةً أو وصفًا، بل يتحوّل إلى تأمّلٍ في هشاشة الإنسان، في خوفه من الزّمن، وفي محاولته المستمرّة للعثور على معنى وسط هذا العبور الكونيّ الهائل.

اللّغة بالنسبة إليّ ليست وعاءً للأفكار، بل كائنًا حيًّا يحمل قلق الإنسان وأسئلته وصمته أيضًا.

س. إلى أي مدى تتقاطع نصوصك التأمليّة مع أسئلة الوجود: الحريّة، الوحدة، الزّمن، والمصير؟

هذه الأسئلة ليست موضوعاتٍ أكتب عنها، بل هي المناخ الدّاخليّ الذي تتنفّس منه نصوصي.

أنا مشغولة دائمًا بفكرة الإنسان بوصفه كائنًا عابرًا ومعلّقًا بين الرّغبة في المعنى وحقيقة الفناء. الحرية مثلًا ليست في نظري قدرةً على الاختيار فقط، بل عبء الوعي نفسه؛ لأنّ الإنسان كلما ازداد وعيًا اتّسعت غربته أمام العالم.

أمّا الزّمن، فأراه ليس ساعات تمرّ، بل طبقات من النّدوب والتّحوّلات التي تتركها الحياة داخل الرّوح.

والوحدة ليست دائمًا نقصًا؛ أحيانًا تكون أعمق أشكال اللقاء بالذّات.

لهذا فإنّ نصوصي لا تحاول الإجابة عن الأسئلة الوجوديّة، بل الإنصات إليها بصدقٍ إنسانيٍ.

س. هل الأدب عندكِ كشف للحقيقة أم حماية من قسوتها؟

الأدب في تصوّري ليس هروبًا من الحقيقة ولا مواجهة مباشرة لها، بل إعادة إنسانيّتها.

فالحقيقة في صورتها العارية قد تكون قاسيةً حدّ العطب، لكنّ الفن يمنحها بُعدًا روحيًّا يسمح لنا بأن نحملها دون أن ننكسر تمامًا.

ربما لهذا أؤمن أنّ الكتابة ليست ترفًا جماليًّا، بل ضرورةً وجوديّةً،

لأنّ الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالمعاني التي يمنحها لتلك الوقائع.

الفن لا يُلغي المأساة، لكنه يمنعها من أن تتحوّل إلى فراغ داخلي كامل.

س. هل ترين أنّ النّص التأمليّ العربيّ اليوم يمتلك مشروعًا معرفيًّا، أم أنّه ما يزال أسير الانفعال الوجدانيّ؟

ثمّة نصوصٌ عربيّة استطاعت أن تُحوّل التأمّل إلى رؤيةٍ معرفيّةٍ وجماليّةٍ معًا، لكن جزءًا كبيرًا من الكتابة التأمليّة ما يزال يخلط بين العمق والغموض، وبين الفكر والانفعال اللّحظيّ.

النّص التأمليّ الحقيقيّ لا يكتفي بوصف المشاعر، بل يذهب إلى مساءلة الإنسان والعالم والزّمن والمعنى.

أنا أؤمن أن الكتابة التأمليّة لا تصبح عميقةً بكثرة المفردات الفلسفيّة، بل بقدرتها على إنتاج سؤالٍ يظلّ مفتوحًا داخل القارئ حتى بعد انتهاء النص.

س. ما الذي مثّلته لك هذه الجائزة: اعترافًا فنيًا أم مسؤوليّةً جديدةً تجاه الكتابة؟

كلّ تكريمٍ أدبيّ جميل بالنّسبة إليّ ليس لحظة انتصارٍ بقدر ما هو لحظة مساءلة للذّات.

فجائزة نازك الملائكة جعلتني أشعر بأنّ الكتابة لم تعد شأنًا شخصّيًا فقط، بل مسؤوليةً أخلاقيّةً وجماليّةً تجاه اللّغة والإنسان والقارئ أيضًا.

فالكاتب الحقيقيّ لا يُقاس بعدد الجوائز، بل بقدرته على البقاء صادقًا أمام نصّه، حتى بعد التّصفيق.

س. كيف تبنين لحظة الإدهاش داخل بنيّة النّص القصير؟

الإدهاش الحقيقيّ لا ينبع من المفاجأة وحدها، بل من اكتشاف معنًى خفيٍّ كان القارئ يشعر به دون أن يراه بوضوح.

القصّة القصيرة بالنّسبة إليّ تشبه ومضةً وجوديّةً. مساحةٌ ضيقةٌ زمنيًّا لكنّها واسعةٌ دلاليًّا.

أحاول دائمًا أن أترك فراغًا داخل النّص، لأنّ ما لا يُقال أحيانًا أكثر قوةً مما يُقال. فالقارئ لا ينبغي أن يستهلك النّص فقط، بل أن يشارك في خلقه داخليًّا.

س. هل تؤمنين بأنّ القصّة القصيرة اليوم ما تزال قادرةً على منافسة الرّواية في التّأثير والانتشار؟

القصّة القصيرة ليست نسخة مصغّرةً عن الرّواية، بل عالمًا مختلفًا تمامًا.

فالرواية تمنح القارئ زمنًا ممتدًّا، أما القصّة فتمنحه لحظةً مكثّفة قد تغيّر وعيه بالكامل.

أحيانًا تستطيع قصّةٌ قصيرةٌ من صفحتين أن تترك في الرّوح أثرًا أبقى من روايةٍ طويلة، لأنً قوّة الأدب لا تُقاس بالامتداد بل بعمق النّفاذ إلى الإنسان.

س. كيف تنظرين إلى حضور المرأة في المشهد الأدبيّ العربيّ، هل تجاوزنا سؤال التّمثيل إلى سؤال التّأثير؟

أعتقد أن المرأة العربيّة اليوم لم تعد تطالب بحقّ الظّهور فقط، بل أصبحت تفرض حضورها عبر القيمة الفكريّة والجماليّة لما تكتبه.

لكن التّحدّي الحقيقيّ ما يزال في أن تُقرأ المرأة بوصفها كاتبة لا بوصفها استثناءً أو حالةً خاصة.

الإبداع الحقيقيّ لا يحتاج شفقةً ثقافيّةً، بل يحتاج عدالةً في القراءة.

س. هل تكتب المرأة – في رأيك – من زاويةٍ مختلفةٍ عن الرّجل، أم أنّ الإبداع يتجاوز التّصنيفات الجندريّة؟

التّجربة الإنسانيّة تتأثر حتمًا بطريقة العيش داخل العالم، ولهذا تحمل كتابة المرأة حساسيّات مختلفة أحيانًا، خصوصًا في علاقتها بالجسد والذّاكرة والهشاشة الإنسانيّة.

لكنّ الأدب العظيم في النّهاية يتجاوز التّصنيفات الضيّقة، لأنّه يخاطب الجوهر الإنسانيّ لا النوع الاجتماعيّ فقط.

حين يبلغ النّص عمقه الحقيقيّ، يصبح الإنسان هو هويّته الكبرى.

س. ما الغرفة الرمزيّة التي احتاجتها أسمى وزوز كي تواصل مشروعها الأدبيّ؟

كنت بحاجةٍ إلى عزلةٍ داخليّةٍ أكثر من حاجتي إلى مكانٍ ماديٍّ.

الغرفة الرمزيّة بالنّسبة إليّ هي تلك المسافة التي تحمي صوتي من ضجيج العالم، ومن التّوقعات الجاهزة، ومن الخوف أيضًا.

فالكاتب لا يحتاج فقط إلى وقتٍ للكتابة، بل يحتاج إلى شجاعة البقاء وفيًّا لأسئلته الخاصّة، حتى لو سار عكس التّيار.

س. كيف يمكن للأدب أن يكون أداةً تربويّةً لا تلقينيّة؟

حين يوقظ الحسّ الإنسانيّ بدل أن يفرض القيم بصورةٍ مباشرة.

الأدب لا يربّي الإنسان عبر الوعظ، بل عبر توسيع قدرته على التّخيل والتعاطف ورؤية العالم من زوايا متعدّدة.

الطّفل أو اليافع الذي يقرأ قصةً عميقة لا يتعلّم فكرةً فقط، بل يتعلّم كيف يشعر ويفكّر ويسائل العالم.

س. في زمن الصّورة والسّرعة الرّقميّة، كيف يمكن استعادة علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب؟

علينا أوّلًا أن نتوقّف عن تقديم القراءة بوصفها واجبًا ثقيلًا.

الكتاب ليس منافسًا للتكنولوجيا، بل مساحةً مختلفةً للوعي البطيء والعميق في عالمٍ يستهلك الإنسان بسرعةٍ هائلة.

حين يكتشف الجيل الجديد أنّ القراءة ليست حفظ معلومات، بل اكتشاف للذّات والعالم، سيعود إلى الكتاب بوصفه حاجةً داخليةً لا نشاطًا مدرسيًّا.

س. من موقعك في المؤسّسات الثّقافيّة، هل ترين أنّ الثّقافة العربيّة اليوم تصنع مشروعًا حضاريًّا أم تكتفي بإدارة الفعاليّات؟

لدينا نشاطٌ ثقافيٌّ واسع، لكنّ المشروع الحضاريّ يحتاج ما هو أبعد من المناسبات والاحتفاءات الموسميّة.

الثّقافة الحقيقيّة ليست إدارة حدث، بل صناعة وعيٍّ طويل المدى.

المشروع الحضاريّ يبدأ حين تتحوّل الثّقافة إلى قوةٍ تغيّر طريقة الإنسان في التّفكير والحياة، لا إلى مجرّد نشاط يستهلك لحظته ثم ينطفئ.

س. لو طلبنا منكِ أن تختاري محطّة واحدةً في رحلتك الأدبيّة شكّلت أسمى وزوز الكاتبة والإنسانة… فأيّ محطّةٍ ستكون، ولماذا؟

أظنّ أنّ المحطّة الأهم لم تكن إصدار كتاب أو نيل جائزة، بل لحظة اصطدامي الأولى العميقة بأسئلة الوجود والغياب والمعنى.

حين أدركت أنّ الكتابة ليست ترفًا ثقافيًّا بل محاولةً للنّجاة من هشاشة العالم، تغيّرت علاقتي باللّغة والحياة معًا.

منذ تلك اللّحظة لم تعد الكتابة بالنّسبة إليّ فعلًا أدبيًا فقط، بل طريقة لفهم الإنسان، ومقاومة العدم، وترك أثرٍ صغير في هذا العبور الذي نسميه الحياة.

شكرا المبدعة أسمى وزوز على المعاني الصادقة والزاخرة بالعطاء.

أشكركم على هذا الحوار العميق، وعلى هذه الأسئلة التي منحتني فرصة تأمّل ذاتيّ والعودة إلى الجذور الأولى للكتابة داخلي.

وفي ختام هذه الحلقة الممتعة، لا يسعنا إلا أن نتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لضيفتنا العزيزة، الأديبة والشاعرة أسمى وزوز، على هذا الحوار الشيق والثرّ الذي أبحرت بنا فيه عبر عوالم الحرف والكلمة، وأثريتِ به ذائقتنا الأدبية بلطيف حديثكِ وعميق فكركِ.

والشكر موصول لكم أيضاً، متابعينا الأعزاء في برنامج من النص إلى القارئ، على كرم متابعتكم وتفاعلكم الدائم الذي يمنح نصوصنا نبضاً متجدداً.

على أمل أن نلتقي بكم مجدداً في حلقة قادمة، مع نصٍ جديد، وإبداعٍ آخر، وضيفٍ مميز.

حتى ذلك الحين، دمتم بلف خير.

مع تحيات الإعلامية بالرابطة العربية للآداب والثقافة: شمس الأصيل العابد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading