مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

«حكاية السيّد البرغيّ»: رواية عن الإنسان حين يتحول إلى أداة- منير الحايك

غلاف كتاب "حكاية السيد البرغوثي" بتصميمٍ فني يُظهر شخصاً يحمل تروساً ميكانيكية على شكل رأسه، مع خلفية برتقالية.

في قصيدة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» والتي يبدأها أمل دنقل «المجد للشيطان معبود الرياح، من قال لا في وجه من قالوا نعم…»، يقول سبارتاكوس لمن ثار من أجلهم وانتهى وحبل المشنقة حول رقبته: «فلترفعوا عيونَكم إليّ، لربما إذا التقتْ عيونُكم بالموتِ في عَينَيّ: يبتسمُ الفناءُ داخلي.. لأنكمْ رفعتم رأسَكمْ مرَّة»، ولكنه ينهيها بشكل مختلف مما يوحي بانهزامية صادمة «وإن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع، فعلّموه الانحناء، علّموه الانحناء، علّموه الانحناء»، هذه القصيدة ظلّت عالقة ترددها أفكاري وأنا أقرأ رواية سومر شحادة الأخيرة «حكاية السيّد البرغيّ» (دار الآداب 2026).
لن أركّز على العلاقة بين النصّ والقصيدة، فلعله أمر خاصّ بي وقد لا تكون هنالك علاقة، ولكن قد يشرح التحليل رابطا ما بين المبدع المثقّف في تلك المرحلة وهذه المرحلة من تاريخ بلادنا. تبدأ الرواية بإيحاء من الروائي من خلال مقطع لبسّام حجّار «ترك لي أوراقه في مكان ما. وحين عثرتُ عليها بمحض المصادفة، وجدت أنها أوراقي»، ولأنّ هذا التمهيد ينساه المتلقي وقد بدأ يخوض غمار المغامرة التي قررها سومر شحادة، يظنّ في وسط الرواية أنه بدأ يتوقّع نهايتها، وأنه يستبق ما سيفاجئه به النصّ ليقول إنها نقطة ضعف من الروائي بأنّ الأمر كان متوقّعا، ولكنه عندما يتذكر هذا الاستهلال، يجد أنّ الأمر مقصود، والتشويق واللعبة الروائية والدهشات، لم تكن همّا من هموم الكتابة، بل كان همّ الكاتب ألّا تسيطر فتفقد القضايا الأساسية ألقها.

هي حكاية السيّد البرغيّ، وهو موظّف الإصلاحية، أو ما قد نعرّفه بلغتنا الشائعة في الداخلية أو الأمن أو المخابرات أو الرقابة الثقافية والفنية والأدبية… يقرأ مقالا يصفه فيه كاتبه ممدوح حدّاد، بأنه مجرّد برغيّ في آلة النظام، كما كلّ الموظّفين أمثاله، ومن هناك تبدأ الحكاية. ممدوح حدّاد اسم مستعار لكاتب لا نعرف اسمه، كما لا نعرف اسم السيّد البرغيّ، ولا تعرّفنا الرواية بالأسماء، وهذا أمر مقصود ومدروس، ليكون البرغيّ برغيّا في الآلة، ككلّ جزء من حديدها.
قضية المقال تحمل الرقم 2011، وواضح سبب اختياره، عام بدء الثورة السورية، أو المؤامرة الكونية لا فرق، وقد ظلّت الرواية تشير إلى الرقم كلّما أضاف السيّد البرغيّ كلاما وتحليلا على تقريره حول المقال، الذي يتحوّل إلى تقرير موسّع حول الكاتب ونتاجه، بعدما بدأ بقراءة رواية «عطر الليل» لممدوح حدّاد، الرواية تصله عن طريق الصدفة من «ابنته»، فيشعر بأنّ الكاتب قد دخل في حياته الخاصة وتدخّل في تربية ابنته، خصوصا وأنها صرّحت بإعجابها بالكاتب وأفكاره، ومن هناك تبدأ الأصوات الثلاثة التي تحكم بناء الرواية بالعمل بشكل متشابك وعميق ومحبوك بدقة وحرفية، «رواية عطر الليل»، الراوي العليم الذي يحكي عما يقوم به السيد البرغيّ، والتقرير الذي يكتبه البرغيّ حول الرواية.

إنها رواية «ديستوبيا»، ولم أبدأ بالحديث عن الأمر منذ بداية المقال لأن الأمر صريح منذ صفحاتها الأولى، فالموظّف في مكتب طاولته حديدية والكاميرا تراقبه، وهو يراقب ما يُكتَب، ويشعر فيما بعد بأنه تورّط في نصّ مكتوب كي يمتحن انتماءه وولاءه للآلة، للنظام، وتستمر الرواية بين تلك الأصوات الثلاثة من دون تمييز سوى بنوع الخطّ، ومن دون الانتقال إلى فصول جديدة: نوع الخط العادي للراوي، والـ”Bold” القويّ لرواية ممدوح حدّاد، والمائل للتقرير، وعلى الرغم من أنها قد تكون اختيارات تقنية شكلية بحتة، إلا أنها أدت أدوارا، وإن بسيطة وغير مقصودة، في ذهن المتلقي.
أصرّ سومر شحادة على أن يوضح لقرائه بأن العمل أُنجِز وهو بعدُ في اللاذقية، وأنّ النظام السابق في سوريا كان لم يسقط بعد، فقد أنهى كتابتها خريف 2024 وقد وثّق ذلك في الصفحة الأخيرة، لأنه أراد أن يسجّل موقفا، وهنا سأخرج قليلا عن التحليل والنقد، ضدّ المنتقدين والمتبجّحين ومدّعي الوطنية ممن اتهموا من بقي في البلاد في ظلّ النظام بالمتخاذلين و»الشبيحة» بالمسمّى الشائع، وموقف سومر واضح وضوح الشمس، ومن يقرأ رواياته ومقالاته يعرف ذلك، أما إصراره على الأمر فنيّا فهو متعلّق بأنّ المتلقي لن يستطيع أن يحيد بتحليله عن أن الكاتب يقصد النظام اليوم، وعلى الرغم من أنّ فنية الرواية لا تعود بالضرورة إلى مرجعيات وتوثيق وتأريخ، إلا أنها كانت همّا أراده الكاتب وأوضحه، فهو قارئ من هذا البلاد، ويعرف قارئ هذه البلاد!

عندما يشرع القارئ بتقليب صفحات هذه الرواية القصيرة، يظنّ أنّ الروائي يخاطر بتجربته الروائية التي وصلت من خلال أسلوبه في روايته السابقة وهمومه الواضحة فيها، بأن داخل عوالم الديستوبيا التي لا يمكن ألّا أن تقارَن بأورويل وغيره ممن اشتهروا بتلك النصوص، ولكن يفاجَأ بأنه أمام رواية نفسية بالدرجة الأولى، والإيهام بالديستوبيا كان هو العنصر المقصود من الكاتب، فالحوار الذي أجراء البرغيّ مع ممدوح وما كتبه في تقريره، وردت فيه أفكار وعمق ومحاسبة وصراعات نفسية لا تعدّ ولا تحصى، وقد ذكرت إن الرواية قصيرة نسبيّا، وهذا عنصر ينمّ عن ذكاء الكاتب، فهي لا تحتمل أن تكون أطول، فلا شخصيات ولا صراعات ولا تأزمات وتطورات في الشخصيات والأحداث. هي شخصية واحدة، «وجدت أوراقها» كما يقول بسام حجار في تقديم الرواية.
لغة سومر شحادة وخوضه في عمق الفكر البشري وعمق النفس البشرية، والصور والرموز والضخّ الكبير لتلك الصور وتلك الرموز، تكاد تكون قصيدة أو ملحمة شعرية، وقد كثرت من دون تنميق وتكلّف، بل كانت حاجة للسيد البرغي ولممدوح الذي يكتب سيرته كما أرادت الرواية في «عطر الليل»، وما عبّرا، أو عبّر عنه، البرغي/ممدوح، في الخطوط الثلاثة المتغيرة حسب المقام، هي بالفعل كل واحد منا تجاه نفسه، وتجاه النظام، وتجاه «السيستم» العالمي الذي نعيش فيه، فمن يقرأ الرواية ولا يعرف الكاتب، وإن حصل وتُرجِمت وقرأها غير العرب، ولم يحيلوها إلى الصراعات والأزمات السياسية والاجتماعية الخاصة بالـ»مكان» المأزوم حيث سيردّون انتماء الكاتب، لا يمكن إلا أن يستمتع ويرى نفسه برغيّا في النظام العالمي الخطير الذي وصلنا إليه.
هي رواية عن النظام، ديستوبيا مقنّعة، نفسية من غير القناع، يأخذنا فيها سومر شحادة إلى أعماقنا لنحاسبها، ولنعترف بأخطائها، ولنستسلم أحيانا كما سيحصل مع كاتب الرواية، فلا يعود السيد البرغي مع مرور الصفحات يعدّه خطرا على النظام، بل حاجة لكي يقرأه من سيظنّ نفسه مرئيّا ويستطيع التغيير، فيكون انهزامه داعما للآلة التي لن تتوقّف، وبعدما يكتشف الأصوات التي كانت تحرّكه وتظهر له، ويكتشف لقاء حياته بحياة ممدوح، يأخذنا معه لنكتشف أصواتنا الخاصة!
أما ما جعلني أردّد قصيدة أمل دنقل وأنا أقرأ، فلا أعرف إن ظهر مما كتبت سابقا ما يوحي بسببه، أم إنها مصادفة بحتة!

كاتب لبناني

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading