حوار مع مبدع: أ.د/ أمال قرامي من تونس – اعداد وحوار: شمس الأصيل العابد

لقاء مع مبدع/ من النص الى القارئ
المعرفة لا تكتسب ولا تُنتج في الجامعات فقط، بل داخل الجمعيات ومراكز البحوث والدراسات، وغيرها وقد مكّنني العمل داخل الأطر النسويّة في الجمعيات ومراكز البحث العالمية من تطوير معارفي واختبار بعض النظريات ومراجعة بعض أسس البحث التي تبدو في الغالب، من ”الثوابت”، وطرح أسئلة منهجية جديدة وإعادة النظر في امتيازاتي التي تسمح لي بإنتاج المعرفة من مواقع متنوّعة
أهلاً بكم مشاهدينا ومتابعينا الكرام أينما كنتم، في حلقة جديدة من برنامجكم الثقافي والفكري (من النص إلى القارئ). يسعدنا في مستهل هذا اللقاء أن نتوجه بخالص الشكر والتقدير لكم، يا من تمنحون هذا الفضاء قيمته بمتابعتكم الواعية وتفاعلكم الرصين مع ما نطرحه من قضايا وإشكاليات معرفية. “في حلقتنا اليوم، نسعد باستضافة قامة أكاديمية متميزة، وباحثة متخصصة في الدراسات الجندرية والعلوم الاجتماعية، نذرَت أعمالها وجهودها في سبيل تفكيك بنيويات التسلط الفكري القائم، واستنبات سياقات جديدة لإنتاج معرفةٍ بديلة ومتحررة. نرحب معاً بضيفتنا المميزة. أمال قرامي، الأستاذة في التعليم العالي بجامعة منوبة التونسية، والمتوّجة بوسام الجمهورية. تتبعت ضيفتنا الكريمة أمال قرامي مسارات الوعي انطلاقا من أطروحتها حول “تحديد مصطلح النهضة” عام 1989، ثم عبرت بجرأة علمية لمساءلة ثوابت الفكر في دراستها الموسومة ‘قضية الردة’ عام 1993، لتصل إلى قمة نضجها الأكاديمي بنيل دكتوراه الدولة عام 2004، حيث شرّعت للنص أفقاً جديداً في بحثها المرجعي “ظاهرة الاختلاف في الحضارة العربية الإسلامية”.
اليوم، نقرأ متابعينا الكرام معاً، الواقع والتراث بعيني رائدة، دراسات الجندرة وتفكيك خطابات العنف والتطرف في عالمنا العربي.
الأستاذة د. آمال، مرحباً بكِ في أفق السجال المعرفي وبناء المفاهيم البديلة. أهلاً بك، وشكراً جزيلًا على هذه الاستضافة الكريمة، وتحياتي لجميع المتابعين والمتابعات، أستاذة أمال قرامي، دعينا نبدأ من التحولات المنهجية في مسيرتكِ الأكاديمية.
س1: خضت في السنوات الأخيرة، تجربة الإشراف على أعمال جماعية انطلاقا من اختيار المواضيع والباحثين/ات ومناهج التحليل وصولا إلى مناقشة المقالات. فما هي الأهداف من وراء التحول من الإنتاج الفردي إلى الإنتاج الجماعي؟
ج- كانت غايتي من وراء إطلاق هذا المشروع، تأسيس فضاء للتفكير خارج الإكراهات التي تفرضها الأطر الرسمية، أو السلطة أو التمويل أو الولاءات المسبقة/ وغيرها. وقد وفّر هذا الفضاء أوّلا: فرصة للتدرّب على العمل الجماعي وفق قيم وممارسات قلّما نجدها في المؤسسات الجامعية، وأعني بذلك ترسيخ التعاون البنّاء وممارسة النقد، وإبداء الرأي بكلّ جرأة دون مراعاة لعلاقات القوّة أو التراتبيات، أو المصالح، وثانيا، تبادل الخبرات واكتساب معارف جديدة واختبار فرضيات ممكنة. وهي تجربة، مهمّة في مساري الأكاديمي والشخصي. وقد حاولنا فيها مساءلة المعايير السائدة والتحرّر بعض الشيء من الدوكسا Doxa، وسعينا إلى إنتاج معرفة مفيدة.
س2: هذا يقودنا بالضرورة إلى مسألة الأنماط السائدة في الإنتاج العلمي. هل تتطلب المشاريع البحثية الجديدة، حسب رأيك، كسر القوالب القديمة لإنتاج المعرفة وتغيير أنماط الكتابة واستخدام لغة مختلفة؟
ج- أعتقد أنّ محاولة ‘كسر القوالب’ صارت ضرورية بعد التحولات المعرفية التي تعكس ديناميكية كبرى. وإذا اعتبرنا أنّ إنتاج المعرفة مرتبط ارتباطا عضويا بمجموعة من السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية فإنّ تحديد ما يُعدّ اليوم، موضوعًا جديرًا بالبحث، واختيار المقاربات والمناهج الملائمة والأشكال المقبولة للتعبير والكتابة يتطلّب، التموضع ثمّ طرح أسئلة جديدة بخصوص المرجعيات والمناهج بالإضافة إلى الجرأة على إثارة قضايا مختلفة.
وانطلاقا من تموضعي النسوي المناهض للاستعمار، وقناعتي بضرورة أن تكون المعرفة مفيدة وذات بعد محليّ فإنّني أرى أنّ التمسّك بالقوالب التقليدية قد يؤدّي، في كثير من الحالات، إلى إعادة إنتاج علاقات القوّة والهيمنة التي سعت بعض المقاربات النسوية والنقدية إلى تفكيكها. فالقوالب المعرفية التي يدافع عنها عدد من الدارسين/ات، كثيرًا ما استبعدت مثلا تجارب النساء وحيوات الفئات المهمّشة، (كالنساء السوداوات اللواتي تم تجاهلهن في النسوية التقليدية) بدعوى أنّ هذه المواضيع مغرقة في “الذاتية” أو “هامشية” أو “غير علمية” و ”غير مهمّة”. ويكشف هذا التصوّر عن عدّة مسائل منها: التراتبية المعمول بها على مستوى اختيار القضايا الجديرة بالتدريس والتحليل، والتقليل من شأن تجارب مختلف الفئات الاجتماعية ورفض تعدد الأصوات. ومن ثمّ يصبح تغيير المواضيع وزوايا الطرح والمقاربات وأنماط الكتابة فعلًا معرفيًا “مقاوما” وسياسيًا في الآن ذاته، لأنّه يفسح المجال أمام أصوات جديدة تمتلك خطابات متنوعة وتجارب مغايرة حتى تكون حاضرة في فضاءات إنتاج المعرفة التي لا تعتبر، حسب رأيي، حكرا على الجامعيين.
إنّ المعرفة لا تكتسب ولا تُنتج في الجامعات فقط، بل داخل الجمعيات ومراكز البحوث والدراسات، وغيرها وقد مكّنني العمل داخل الأطر النسويّة في الجمعيات ومراكز البحث العالمية من تطوير معارفي واختبار بعض النظريات ومراجعة بعض أسس البحث التي تبدو في الغالب، من ”الثوابت”، وطرح أسئلة منهجية جديدة وإعادة النظر في امتيازاتي التي تسمح لي بإنتاج المعرفة من مواقع متنوّعة.
ويعدّ هذا التفاعل مع الممارسات/ين والناشطات/ين وتبادل وجهات النظر حول مناهج البحث وأدواته ومواقع الباحثين/ات والعمل الجماعيّ من أجل ابتكار ‘مناهج محلية’ أساسيا لأنّه يسمح للباحثات/ين في تقديري، من التدرب على منهج نزع الاستعمار، والتحرّر من أنماط الكتابة الأكاديمية المألوفة و’الصارمة’ ، والاعتراف بأشكال متعدّدة من المعرفة واستخدامها، مثل الحكي، والقصّ والسرد الشخصي والشهادة والسيرة الذاتية والحكاية الشفوية التي تشكّل الذاكرة الجماعية النسائية والارشيف العائلي الخاصّ… وهذه الأشكال لا تُعدّ مجرد وسائل للتعبير بلغة مختلفة عن السائد فقط، بل مصادر للمعرفة ومناهج تساعد على كشف جوانب من الواقع قد تعجز المناهج التقليدية عن التقاطها.
ولابدّ أن أشير إلى أن ّ كسر القوالب ونبذ الممارسات القديمة والعدول عن بعض المعايير لا يعني هدم المعرفة أو التخلي عن الأسس المنهجية العلمية، بل توسيع أفقها، وجعلها أكثر قدرة على احتضان التعدّد والاختلاف والتنوّع وأكثر مرونة وقدرة على تغيير العدسات والتدرّب على الإنصات إلى الأصوات التي تطرح أسئلة لم يكن يُسمح بطرحها من قبل.
س3: حديثكِ عن المقاومة المعرفية ينعكس بوضوح في إنجازك الجماعي؛ حيث اخترت في مشروع الأعمال الجماعية أن يكون المؤلف السابع حول “التجارب السجنية في البلدان العربية: قراءات من منظور جندري”، وهو كتاب لا يوثق التجارب بقدر ما يفكك بنى الهيمنة فيتحول السجن من مجرد مكان للعقاب، إلى مختبر جندري تتقاطع فيه ثلاثة أنواع من الهيمنة: الهيمنة السياسية، الهيمنة الاجتماعية، والهيمنة الأبوية. فهل ترين أنّ منهج التقاطعية مفيد في مثل هذه النوعية من البحوث؟
تحوّل منهج التقاطعية إلى أداة أساسية في البحوث النسوية على وجه الخصوص واستخدامه في تحليل التجارب السجنية جندريًا مهمّ لأنّه يكشف محدودية المقاربات التي كانت تنظر إلى السجينات أو السجناء بوصفهم فئة متجانسة، أو تفسّر تجاربهم انطلاقًا من عامل واحد فقط، مثل الجندر أو الطبقة أو العرق. وتجلّت أهميّة التقاطعية في عدد من مقالات المؤلف الجماعي التي سعت إلى إبراز أنّ تجربة السجن تتشكّل على أساس الجندر والسنّ والطبقة وغيرها من المحددات، كما أنّها تتقاطع مع منظومات متعدّدة من السلطة واللامساواة واللاعدالة. فالمرأة السجينة لا تعيش السجن بالطريقة نفسها إذا كانت شابّة أو مسنّة، فقيرة أو ثرية، ريفية أو حضرية، مهاجرة أو مواطنة، منتمية إلى أغلبية عرقية أو إلى أقلية مهمّشة… وتتضاعف أشكال الهشاشة والوصم والعنف كلّما تداخلت هذه المواقع الاجتماعية المختلفة. يُضاف إلى ذلك أنّ السياسات العقابية لا تؤثّر في جميع الأفراد بالكيفية ذاتها.
وفي مجال الدراسات السجنية النسوية، سمح المنهج التقاطعي بالانتقال من سؤال: “كيف تعيش النساء السجن؟” إلى أسئلة أكثر تعقيدًا مثل: كيف تتقاطع بنى الهيمنة: الدولة، الاستعمار، الهيمنة الذكورية، البطريكية،…؟ كيف تتحدّث نساء عن تجاربهنّ؟ وفي أيّ سياق اجتماعي وسياسي صيغت تجاربهنّ وخطاباتهن؟
وأتاح هذا المنهج أيضا الانتباه إلى أشكال من العنف غير المرئي مثل: أثر الأمومة والمسؤوليات الرعائية في تجربة السجن، العلاقة بين الفقر والتجريم والسجن وتأثير السياسات الاستعمارية والعنصرية في المؤسسة السجنية، وأنماط العقاب وخصوصية معاناة السجينات المهاجرات أو المنتميات إلى أقليات إثنية، وتجارب الأشخاص ذوي الهويات الجندرية غير المعيارية داخل المؤسسات العقابية. ويمكن القول إنّ أهم ما قدّمته التقاطعية لدراسات السجن هو نقل الاهتمام من “السجين/ة” كفئة إلى التركيز على دراسة الأشخاص في مواقعهم الاجتماعية المتعددة، ما يسمح بفهم أكثر دقّة وتعقيدًا للظلم/القهر العقابي وآثاره الجندرية والاجتماعية.
س4: لننتقل للحديث عن السرد والتحول من المحو إلى الفاعلية، فإذا كان السجن أداة لكسر إرادة المعارض وكسر المرأة، فكيف يمكن أن تتحول تجربة النساء من أداة للمحو والتحطيم إلى منصة لإنتاج خطاب خاص مناهض للكسر ولإعادة صياغة الهوية؟
ج- لا تكتفي أنظمة الهيمنة بإلحاق الأذى بالنساء، بل تعمل أيضًا على حرمانهن من فرص التعافي من الصدمات، وتجريدهنّ من القدرة على تسمية ما يتعرّضن له، فضلا عن منعهن من تفسير تجاربهنّ والتحدّث عنها، وخير مثال يعكس هذه السياسات منع السلطة الجزائرية المناضلات من الإفصاح عن تجارب الاغتصاب في فترة الاستعمار. وبناء على ذلك يبدأ التحوّل لحظة تستعيد النساء حق الكلام عن ذواتهنّ وعمّا عشنه، وتمكنّهن من الانتقال من “موضوع” لتحليل العنف أو القهر إلى موقع “ذات” منتجة للمعنى. فحين تروي النساء تجاربهنّ في السجن وأشكال العنف أو التهميش أو الإقصاء المسلّط عليهنّ، فإنّهن يوثّقن ما حدث، ويكشفن، في الآن نفسه، عن الآليات الاجتماعية والسياسية التي جعلت تلك التجارب ممكنة. وهنا تتحوّل المعاناة من تجربة فردية إلى معرفة نقدية تحلل تقاطع السلط وبنى الهيمنة وأشكال التواطؤ.
وعندما تكتشف النساء أوجه التشابه والاختلاف بين قصصهنّ، تتكوّن ذاكرة جماعية وخطابات مضادّة تتحدّى الروايات الرسمية التي سعت إلى إسكاتهنّ أو اختزالهنّ في صورة الضحية. ومن هذا المنظور، تُعاد صياغة الهوية عبر الإقرار بوجود الألم وصعوبة تجاوزه، وكذلك عبر إعادة امتلاك معناه. فالتجربة التي أُريد لها أن تكون أداة للكسر يمكن أن تصبح مصدرا للفاعلية حين تُروى بلسان صاحبتها، وتُقرأ بوصفها شهادة دالة على مدى قدرة النساء أيضا على الصمود والمقاومة وإنتاج المعرفة.
س5: حديثكِ دكتورة آمال عن استراتيجيات الصمود في وجه الوصم المزدوج، يعيدنا إلى الأدبيات السوسيولوجية العالم الاجتماع الأمريكي الشهير إرفينغ غوفمان (1922 – 1982)، وتحديداً في أطروحته التأسيسية حول ‘إدارة الهوية المشوهة’. فقد أكد غوفمان أن الأفراد الموصومين اجتماعياً لا يقفون موقف الاستسلام، بل يبتكرون آليات تفاعلية دفاعية لإعادة بناء كرامتهم وحماية هوياتهم من المحو المنهجي الذي تمارسه الجماعات المهيمنة…وسؤالي، كيف تتقاطع أطروحة غوفمان مع واقع المعتقلات بمعنى إذا كانت المؤسسة السجنية تمارس على المرأة عقابا مضاعفا (سياسيا واجتماعيا)، فهل استطاعت المعتقلة العربية أن تحمي هويتها الجندرية والنفسية من الوصم المجتمعي المتربص بها خلف القضبان؟
ج- لا أعتقد أنّه بإمكاننا الحديث عن “المعتقلة العربية” لأنّنا كما وضّحت، إزاء نساء مختلفات وتجارب متنوعة غير قابلة للتنميط. فالسجينة السياسية أو سجينة الرأي قد تجد شبكات تضامن تستطيع أن تمارس الضغوط وتدفع باتجاه تدويل القضية. أمّا سجينة الحق العامّ فإنّها قد تستسلم أو تضطر إلى التفاوض ولعب أدوار مختلفة حتى تضمن الحصول على بعض الخدمات. ولئن اعتبر السجن في حدّ ذاته، فضاء لتفكيك الهويات وإخضاع الأفراد وإعادة تشكيلهم وفق منطق المؤسسة العقابية فإنّ كثيرًا من المعتقلات/السجينات طوّرن استراتيجيات متعدّدة للمقاومة والصمود مكّنتهنّ من الحفاظ على قدر من التماسك الذاتي في مواجهة الوصم المزدوج: وصم السجن ووصم خروج النساء عن الأدوار الجندرية المعيارية، يكفي أن نتابع أوضاع المعتقلات الفلسطينيات في سجون الاحتلال حتى نتبيّن حدود حمِاية الهوية الجندرية والبنية النفسية من الوصم بصورة كاملة.
وفي العديد من السياقات العربية، لا يُنظر إلى المرأة المعتقلة/السجينة بوصفها شخصًا ارتكب فعلًا مجرّمًا أو عارض السلطة، بقدر ما ينظر إليها باعتبارها امرأة “خرقت” أيضًا الحدود الاجتماعية المرسومة للأنوثة والمعايير الجندرية. لذلك تصبح “سمعتها وشرفها” وأنوثتها موضع رقابة ومساءلة مستمرة، سواء داخل السجن أو بعد الخروج منه.
وفي مواجهة هذا الوصم، لجأت السجينات /المعتقلات إلى تنظيم شبكات التضامن النسائي داخل السجون حتى يتجاوزن محاولات العزل والتجريد، وأنتجت بعضهن أشكالًا من الرعاية المتبادلة وتقاسم الخبرات والدعم النفسي، بما ساعدهن على صون الإحساس بالكرامة والانتماء. وكانت هذه العلاقات الرعائية بمثابة فضاءات بديلة تعيد الاعتراف بالنساء بوصفهنّ ذواتًا كاملة لا أجساد خاضعة لممارسة أشكال من الضبط والتطويع والعقاب. وبالإضافة إلى ذلك تمكّنت بعض المعتقلات/السجينات من إعادة تعريف ذواتهنّ من خلال الانتماءات السياسية أو النضالية أو الفكرية، بما سمح لهنّ بإعادة تأويل تجربة الاعتقال بوصفها تجربة مقاومة لا تجربة “انحراف اجتماعي”.
والمتابع/ة لهذه الكتابة السجنية ينتبه إلى أنّ السرد اضطلع بدور محوري في حماية الهوية. فكتابة المذكرات والشهادات والرسائل وتبادل الحكايات بين السجينات مكّنهن من الحفاظ على خصوصياتهن ومنع المؤسسة العقابية من احتكار رواية تجربتهنّ. فالسرد هنا يساعد على إعادة بناء الذات، ويمنحها معنى يتجاوز صورة “السجينة” التي يفرضها المجتمع أو السلطة. وبالعودة إلى أعمال نوال السعداوي وفريدة النقاش وغيرهما نتبيّن أنّ بعض من وثّقن تجاربهن استطعن الفصل بين هوية المرأة وبين الصورة الوصمية التي يسعى المجتمع إلى إلصاقها بها. فالمعتقلة/السجينة لا تقبل بالضرورة، تعريف نفسها من خلال تجربة الاعتقال، بل تعمل على إنتاج رواية مضادّة تؤكد استقلالية قرارها وإنسانيتها وقدرتها على الفعل والاختيار والتفكير.
ولذلك فإنّ حماية الهوية الجندرية والبنية النفسية لم تتحقق في كلّ الحالات، عبر الانسحاب من المواجهة، بل نجد أنّها استندت أيضا إلى عملية بناء معانٍ جديدة للاعتقال نفسه، جعلت من التجربة فضاء لإعادة اكتشاف الذات، بدل أن تكون أداة لمحوها وشطبها وتهميشها. ومن هنا تكتسب شهادات المعتقلات/السجينات العربيات أهميتها، لأنّها تروي تاريخ القمع وتوثّق أيضًا الكيفية التي قاومت بها النساء محاولات كسرهنّ رمزيًا ونفسيًا وسياسيا واجتماعيًا.
س6: إذا كانت الكتابة عن التجربة السجنية، عملية تهدف إلى “إعادة امتلاك” للجسد وضمان الحق في احترام حرمته فهل تعتبرين أنّ الكاتبات تمكنّ بالفعل، من حفظ التفاصيل الحميمة التي استبعدت وشطبت لكونها “تفاصيل نسائية” لا يليق في نظر المجتمع الأبوي، توثيقها؟
ج- إنّ محاورتي لعدد من السجينات السياسيات في تونس، وتمحيصي في كثير من الشهادات السجنية النسائية، وخاصة ما وقع في السجون السورية، وفي معتقلات الاحتلال يجعلني أُقرّ بأنّ صاحبات الشهادات وكاتبات السير الذاتية لم “يُعدن” سرد التجربة، بل غيّرن بالفعل، شروط ما يمكن قوله أصلًا. فكتابة تفاصيل تخصّ الجسد: ألم التعذيب، ألم الحيض، ألم الطلق عند الولادة، التفتيش الجسدي القسريّ، العري القسري، الخوف من النظرة، الإحساس بالقهر بعد التحرش أو الاغتصاب، وحتى تفاصيل العناية اليومية (حلق الشعر، قصّ الأظافر، الاغتسال…)، هي في حد ذاتها كسرٌ لصمت طويل فرضه الخطاب الذكوري الذي يعتبر هذه التفاصيل “هامشية” أو “مخجلة” أو “غير سياسية”.
بهذا المعنى، نحن إزاء لحظة استعادة. لأنّ تحويل هذه التفاصيل إلى نصّ يعني إخراجها من دائرة العيب/العار/المخجل/التافه/ إلى دائرة المعرفة، ومن المجال الخاص إلى المجال العمومي، وبالتالي إعادة الاعتراف بالجسد بوصفه موضوعا سياسيا وليس فقط جسدا أنثويا مُراقَبا.
لكن لا يمكن الجزم بأنّ هذه الاستعادة كانت كاملة أو بلا شروط. فهناك عدة إكراهات منها أوّلا: رقابة المجتمع بعد السجن إذ تثبت هذه النصوص أنّ كثير من الكاتبات اشتغلن داخل حدود ما يمكن قوله دون إعادة إنتاج الوصم، أي أنهنّ وازنّ بين التوثيق والحماية الاجتماعية. وهذا يدفع أحيانًا إلى استخدام التلميح بدل التصريح، أو توظيف الرمزية بدل التفصيل، وثانيا، الرقابة الذاتية التي تنبع من خوف داخلي من أن تتحول الكتابة إلى أداة لإعادة إيذاء الذات أو تعريض الجسد مجددًا للنظرة العقابية أو الصدمة، وثالثا أفق التلقي الذكوري فالنصوص تُكتب في الغالب، مفترضة قارئ قد يعيد تأويل “الحميمي” بشكل أخلاقوي أو وصمي، ما يجعل الكتابة نفسها حذرة ومفاوضة.
وبالرغم من هذه الإكراهات والقيود المفروضة على السجينات، حتى في لحظات الصمت أو التخفيف، تبقى هناك أهمية سياسية لهذا النوع من الكتابة لأنّ ما يُحجب أحيانًا لا يختفي، بل يظهر عبر أثره : في اللغة، في نبرات الصوت، في التوتر، في الانقطاع، في اختيار ما يُقال وما يُسكت عنه في تغيير وجهة الحوار…ومن هنا يمكن القول إنّ الكاتبات لم يكتفين بإعادة امتلاك الجسد كموضوع سردي، بل أعدن تعريف معنى “الحميمية” نفسها لم تعد “شيئًا مخجلا” يجب إخفاؤه، بل جزءًا من تجربة سياسية واجتماعية وجسدية تُنتج معرفة عن العنف وعن الدولة وعن المجتمع.
في ختام هذه السيرة المعرفية السامقة والمميزة، لا يسعنا إلا أن نتقدم بأسمى معاني الشكر والامتنان لضيفتنا العزيزة، الأستاذة الدكتورة آمال قرامي. شكراً لأنكِ أهديتنا إجاباتٍ لم تكن مجرد ردود، بل كانت نصوصاً جديدة بحد ذاتها، اتسمت بدقة المنهج، وبهاء الرؤية.. كما نشكر متابعينا الأفاضل من النخب الفكرية؛ وكل المتابعين والمتابعات هذا الجمهور المتميز الذي يمنح البرنامج نبضه، ويُسهم في إثراء المحتوى المعرفي وتحقيق أهدافه.
حتى نلتقي في الأسبوع القادم بمشيئة الله تعالى، لنفتح معاً نصاً جديداً، دمتم بخير
مع تحيات الباحثة شمس الأصيل العابد المكلفة بالإعلام بالرابطة العربية للآداب والثقافة





