ساخر عصره : مارون عبّود – 1962 – 1886✍مفتاح الشاعري

مارون حنا الخوري يوحنا عبّود , أديب لبناني من مواليد قرية عين اللبنانية في أسرة كهنوتية , والدته ” كاترينا الخوري موسى عبوّد تلقى تعليمه بمدرسة ” تحت السنديانة ” فنهل من مبادئ القراءة العربية والكتابة على يد ” طنّوس حنّا “, ثم أنتقل إلى مدرسة ” مار يوسف ” والتحق بتخصصية الدراسات الكهنوتية والقواعد ثم التحق بمدرسة ” مار ساسين ” ومنها إلى مدرسة ” النصر ” ثم مدرسة ” مار يوحنا مارون ” واثناء ذلك كان قد عززّ رصيده اللغوي في مادتي العربية والسريانية تميّز عبّود بالتحرر من القيود الأدبية المعتادة في عصره فكان صاحب الأسلوب الساخر ومنهجية النقد وتجلىّ ذلك في نتاجه الأدبي على مستوى الحكاية أو التعليقات أو فن الإضحاك ” النكة” حتى أن هذا الاتجاه كان قد أعلن عنه بوضوح في مقاله تحت عنوان أو نكته ” هذا مذهبي ” يقول عبودّ :- -( مذهبي في الحياة أن لا مذهب لي فيها, فكل أعمالي خبص في خبص , ما أريده لا أفعله، والشيء الذي لا أريده، إياه أصنع. احسبني كرة في يد لاعب جبار يقذفها في الفضاء، فلا هو ولا هيَ تدري أنى تتوجه وأين يكون مستقرها. فالحياة في نظري لعبة تتلهى بها قوة سرمدية أزلية، تخرج منها أنماطا لا تدرك، ولا يزال في قراراتها غرائب وعجائب لا نهاية لها، كلما تزاوجت انسلت أقزاما وعماليق، وكلما انفعل الكائن الأزلي تفجرت قواه اللامتناهية وانبثق إلى الوجود ما يحيّر كل موجود , في مذهبي أن الدماغ البشري هو المستودع النائمة فيه، إلى حين، إسرار الطبيعة، وقد عاينته، يبرزها إلى الوجود واحداً واحداً في سبعين عاماً فما كان مستحيلاً تمسى ممكناً , لا أتمثل الحياة إلا مدرسة لا نهاية لدروسها.
خريجها يتوارى في الظلمة قبل أن يرى النور الذي ينتظر. ومع ذلك أراني أؤمن بالحياة إيماناً عميقاً لا قرار له، وأحبها محبة كلية ولكنها بدون رجاء .. أؤمن بالإنسان ابنها الوحيد أما الخالق الأعظم المنبثق من الأرض والسماء، فهو جرم أرضي سماوي في وقت معاً إني أرى الأرض مصدر كل خير وبركة، ومع ذلك يكفر بها الناس، ينكرون فضلها عليهم، ويفتشون عن سعادتهم في غيرها. أما أنا فمذهبي في الحياة هو مذهب طرفة القائل : فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي .. فدعني أبادرها بما ملكت يدي لا أؤمن إلا بأني سوف أموت، ولا يعنيني كل ما يقال عني بعد ذلك مذهب غيري القناعة غنى، أما أنا فشعاري الطمع في هذه الحياة، وأرى القناعة من طباع البهائم، أما في محبة الدنيا على دين معاوية، أود لو تكون في يدي بيضة فأحسوها كما هي دفعة واحدة… مذهبي في الحياة أن أعمل دائماً، وهمي أن اسبق من قبلي واعجز من بعدي، ولكن يا ليت أكره القمر ولا أفرح بولادته لأنه بشير بزوال، وأنا لا أريد أن أزول قريباً. وأحب الشمس لأنها رمز الديمومة أتعد هذا فلسفة؟ أنا لا فلسفة لي في الحياة، ولا أؤمن بالفلسفة. واعتقد إنني حجر في مقلاع الجبار ، فتارة يضربني وآونة يضرب بى، فخير ما أعمل هو أن أعمل بلا انقطاع لأجد اللذة فيما أعمل ولا في ما أفكر, لي في حياتي مذاهب تتغير وتتقلب مع الأنوار والظلمات، ومع الحر والبرد، وفي العسر واليسر، ولكن الشيء الذي لا يتغير هو الانصراف إلى العمل الذي ينسيني جميع شؤوني وشجوني فكل أمنيتي ألا أذيب شخصيتي في مستنقعات الآخرين، وأن أظل منسجماً مع ذاتي، وأن أبقى ساذجاً لا تكلف ولا تعقيد في حياتي، وألا أتخلى عن شيء من بساطة أورثنيها المربي فأكره شيء إليّ التقليد , لا تسلني عن مذهبي في حياتي لأني لا أعرف ذلك المذهب لأحدثك عنه. فكل ما أعرف إنني بدلت أثوابا كثيرة، ولم يبقَ لي لأقول هذا يعجبني، فأمري ليس في يدي.. فكل ما أعرف هو إنني نشأت نشأة زمنية في كنف رجل يرى الضحك جريمة، فكان يهز لي العصا كلما خف وقاري، فأعود إلى الترصن، وكان صباي وشبابي رصانة لا قيمة لها لأنها مصطنعة وضد طبعي. فأضعت ذاتي زمناً طويلاً ولم أعثر عليها إلا في ظهر العمر وصرت أخيرا كما يقول أبو نواس: وشيبي بحمد الله غير وقار أرأيت إنني، كما قلت لك، مسيّر لا مخيّر، كثيراً ما أحاول أن أعدي عن الهزل، ثم لا أجدني إلا انبريت له، فكأني أو كأن الحياة تريد أن تعوض عليَّ ما حرمته في صباي وفتوتي ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها فمفترق جاران دارهما العمر يظهر أن هذا الضحك نافعي. يجب أن نضحك كثيراً حتى نقابل جهومة الشيخوخة العتيدة، ونرعبها فترتد على أعقابها وتختفي علاماتها من أمام أعيننا ومذهبي الأخير، أقول الأخير الآن، فربما كان لي غداً مذهب غير هذا، هو أن استهزىء بالموت، وإني لأعجب كيف يخاف الموت من لا يرى أمامه حقيقة ثابتة غيره.
نعلم إننا ميّتون، وإذا حصل الموت قمنا وقعدنا وتفجعنا كأنما حلّ بنا أمر غير منتظر ولا مقدر. فمن لي بمن يضحك ويقهقه يوم أتوارى لتقرّ بذلك عيني وتطيب نفسي كممثل هزلي يسدل عليه الستار بين تصفيق النظارة وعربدتهم الضاحكة. وهل الحياة غير رواية هزلية؟ لا أتمنى على جسدي إلا أن يظل خادماً أميناً لما خلق له. وألا ينذرني قبل أن يخذلني، وإن كان لا بد من عمر طويل فارضي أن أعيش ما ظللت قادراً على العمل. ولو كنت واثقاً من أنني أطالع وأكتب في دنياي الجديدة لما طلبت المزيد من حياتي هذه . ولكنني أخشى أن يصح ما يقولون: وأمسي وأصبح في جنة لا عمل فيها من هذا خوفي لا من الموت يشغل بال البشرية تطويل العمر، أما أنا فأرى أن محاولة هذا التطويل تحول دون التمادي في العمل، والذي يستريح ليطيل عمره يكون قد قصره من حيث لا يدري، فالعمر الذي لا يملأه العمل هو عمر أجوف كالقصبة. ولعل لي رأياً يخالف رأي غيري، فأنا لا أشغل نفسي بإصلاح ما بعُد عني إلا بعد ما أصلح ما قرب مني، وأبدأ بنفسي، ولذلك أحاول دائماً أن انمي رأسمالي الأدبي لعلمي الأكيد أن ما يبنيه الاتفاق يهدمه الاستحقاق وأخيراً لست أدري إذا كنت أعربت عن مذهبي، ولكن من أين لي المذهب وأنا – كما قلت- تلك الكرة التي تتقاذفها يد القدر. ما قالت الناس نحن في التقدير والله في التدبير فليدبر ما شاء، وإذا حالت مشيئته دون مرامي فما في ذلك كبير شأن ما زلنا نقول: إنه ضابط الكل، ووسع كرسيه السموات والأرض )- ومارون حين كان في مدرسة الحكمة ببيروت تشكّلت لديه فترة انتقالية كبيرة وربما كما يقول نقّاد عصره كان بفعل أن تلك المدرسة كانت مختلطة جمعت تلاميذ من أديان عدة ولها هيئة تدريس مميّزة منهم سعيد الشرتوني وآلمير يوسف شهاب وشبلي الملاّط هذه النقلة تميّزت بنظم مارون للشعر وكان وقتها في صحبة أحمد تقي الدين , ومرشد خاطر , وحبيب اسطفان، وسعيد عقل ثم انتقل عبّود إلى مدرسة ” الفرير ” ليتقلد مهام التدريس للغة العربية , ومنها الى كلية القديس يوسف وكان في ذلك المهتم بالشأن الصحفي فعمل كمحرر في جريدة الروضة ثم النصير ثم ” جريدة لبنان ” وفيها كان المعبّر والنصير لمطالب قومه المراونة وحقهم في تأليف مجلس ملّي , ولأستكمال هذا المضمار كان قد اتجه صحبة سليم وهبة الى تأسيس جريدة الحكمة في قرى جبيل وأبان أحداث الحرب العالمية الأولى أنتقل إلى لدية غرزوز وعيّن في بلديتها ومنها الى قرية عين كفاع ليعمل في فلاحة الأرض وليتزوج من السيدة نظير عبّود حيث أنجبا أبنة واحدة وثلاثة بيان وهم نظير – نديم – محمد . وحين اتخذ لأبنه الثاني اسم ( محمد) واجه الكثير من اللوم والتعصب من ابناء عقديته فكتب :- رزقت ولداً فسمّيته محمداً، فقامت قيامة الناس، فريق يستهجن ويقبّح ويكفّر، وفريق يوالي وينتصر. وكان أوّل من قدر هذا العمل وأعجب به أشدّ الإعجاب، صديقي المرحوم أمين الريحاني ولعبود قصيدة طويلة في شأن تسمية أبنه ” محمد ” ومنها :- عشت يا ابني، عشت يا خير صبي * ولدته أمه في رجبِ فهتفنا وأسمُهُ محمدٌ * أيها التاريخ لا تستغربِ خَفّفِ الدهشةَ واخشعْ إن رأيتَ * ابنَ مارونٍ سميّاً للنبي اُمّه ما ولَدتْهُ مسلماً * أو مسيحياً ولكن عربي والنبيُّ القرشيُّ المصطفى * آية الشرق وفخر العربِ خمسون كتاباً كانت مجموعة مؤلفاته متناولة آثار ادبية ونقدية ويذكر له منها :- في الروايات والقصص :- الأمير الأحمر – قصة لبنانية – وجوه وحكايات – قصص من الواقع القروي – من الجراب – الأمير الأحمربشير الشهابي – فارس آغا – جواهر الأميرة الأمير الأحمر بشير الشهابي – فارس آغا – جواهر الأميرة,-رينه وأتالا في النقد الاجتماعي والمقالات :- أشباح ورموز حبر على ورق على المِحَك مجددون ومجترون مناوشات على المحك من كل واد عصا في المسرح :- – كريستو كولمبس – مغاور الجن -أشباح القرن الثامن عشر -جنون ليلى – تاودوسيوس قيصر – الأخرس المتكلم – في النقد :- رواد النهضة الحديثة جدد وقدماء وفي المجال الادبي : أدب العرب الشعر العامي الرؤوس أقزام جبابرة نقدات عابرة في المختبر على الطائر وقد كانت بعضٍ من هذه المؤلفات قد تٌرحمت إلى الروسية والفرنسية ومنح على أوسمة محلية ودولية وظّل عبّود ينتقل طيلة ثلاثة عقود بين الجامعة الوطنية في عاليه وعين كفاع حتى بدأ المرض يلّم بجسمه فلزم البيت للتفرغ لكتابة أعماله الأدبية حتى خمد نشاطه الجسدي والفكري واشتدّ عليه المرض و فقد القدرة على النطق وتوفى في ابريل عام 1962 ودفن في قريته عين اللبنانية وعبودّ مختتماً يظل في سيرته صاحب الفكر والنتاج الأدبي المتسامح رغم تعنّت بعض من المتعصبيّن ليذكر بأنه اديب الأنسانية وهذا اللقب لم يجعل بعيد عن ذاكرة الأدب اللبناني الذي خلّده بصفة أديب لبنان الساخر





