قراءة في قصة مفاتيح القيود المتبادلة – بقلم : مفتاح الشاعري


تكثيف الصورة كان من خلال مبنى وأجهزة وشواغل تتناهي الى الإسماع , ثم المجاور وهي المرأة المستقر جلوسا صحبة قهوتها وأنية لحظتها المتمثلة في عينين متأمل إلى السنة نار الموقد والنقر القلق على المفاتيح , ثم الهاتف الذي يظل مقلوباً بشكل بنبي عن وجود القطعية عن العالم الخارجي , وفي كادر الصورة ثمة من كان قادماً ” يوسف ” بكأس خاو وقلق مستولى وزاوية ضوء وترقب من أيدي المرأة
ثم كان ثمة رهن شهري وفائدة تجنى و دلالات رخاء , ثم صراع عن سلطة القرار , فهنا رافد من تعزيز مكانة او سلطة او سعة في مادية كانت مادة للصورة , ورأي واقع ورأي مغيبّ ووعد بزيادة النعمة، واستلام مركبة خاصة , وبوادر عراقيل بوعيد .لم يكن الأمر في حلّ من وثائق المعارضة رغم الاعلان (ستكون لي خيل المسافات بين فروع السلطة الجديدة. ) , ففي مقابل الوضع كان الانذار الجانبي الجاد (خطا نحوها. “الخطر ينتظرك. أعين الحساد لا تنام. لا أجيز لك الانطلاق. )
ثم أن هناك ثمة معادلة غير متكافئة بين ضحكة قاشية وكلمة تعى هدفها ( أنا من تقود هذا الكيان يا يوسف. لم أعد أحتاج صك إجازة. ) , ثم التقاطع الحاد حين رنين هاتفها .. وصمتها .. ثم محاولة منه لكسر حصار اللحطة حين مد يده ليأتي ردها بزجره الذي قوبل منها بنوع من شعور مريع وسط اجواء في غير حميمية , صورة تنقل المتلقي الى جانب آخر معاير يراد به التواصل لسردية ما .. كانا في قاعة محكمة هو بقلمه ونظره اليها وتفاعل نفسه في محاولة لايجاد شى ما مقابل منحوتة متجسدة ’ والقاضي السائل ) أتعودان إلى رباط المودة؟ ) وجواب بالتأكيد منها على شكل ايماء بالرأس منها بثبات موقفها وابداء الموافقة على النهاية , الطلاق المكلل بجبروتها قوبل بشىء لايفهم تماماً منها (وقع على الطلاق. شعر بخفة الوجود ) , ثمة تنازع غير واضح فيها حين حلولها في المطار حين كانت في وضع الاستعداد للتغير , وكانت في تأكيد لواقعيته المفرطة وسيطرة عقل المهنة والوظيفة بنية وضوح النية عقب التغيير ( كانت تجر تابوت سفر أحمر. على منكبها، مخزن عقلها المهني. عيناها تضجان بزفير الاحتمال (
وهذه التغيرات في المشهدية السردية في انتظار امها في مكان غير بعيد عنها , ثم ما كان لها من فعل تمثل حين المقابلة بوضع الشىء المحكومة بتوجيه شىء من النصيحة التى تقبع خلفها نتيجة مرجوة (وضعت الأم في كفها شيئاً بارداً ووقوراً: مفتاح نحاسي مهزول وخرقة ورق مطوية. ) او حكمة تعلمها الأم ( أبصري حقيقته بعد الإقلاع )
ونحن في مشاهدية ايضافيه تمثل في انصراف الأم وما اعقب ذلك من فتح المرأة لورقة الأم المطوية (المفتاح لمغرس العزوبة قرب المرسى, أعددتها كجسر منفرد منذ كان عهدك في الجامعة ستجدين في المغرس من يرتقبك. هو يطلب معايشة بلا شروط المواثيق وافقي على فقِه المرحلة الآتية. )
ولمتطلبات اللحطة كانت النتيجة المتوقعة من ردة فعل من المرأة المدققة في ورقتها المطوية كان ذلك عندما ( ألقت نظرة على صمت المفتاح العتيق، ثم على رقعة عبورها الجديدة. دبَّ البرد من باطن كفها إلى أطراف عنقها , أدارت ظهرها للزجاج. نظرت إلى حمرة حقيبتها وهي تتدافع على الرخام اللامع. صوت دوران العجلات كان كدقات بندول خانع.
هذا النص القصصي , مغلق لمتلقي يمتلك التأني والتعمقّ والاسترسال في محاولة للوصول الى نتيج ’ ثم انه مركبّ الى ابعد الحدود , فثمة تفاعلات , وسيكولوجية في تنوع إيقاع وتفاعلات جاءت في تتابع صادم , ثم أنها باعث عن تتابع الاسئلة , كونه أن في ثنائية لم تقاطع الا في مرحلة متأخرة حين حضور الأم للمشهدية السردية برمتها , أيضا هناك سؤال عن هدف القاص حين وضع ثنائية بين مسؤوليات ما ومحاولات لانعتاق او تحرر او تباعد او ايجاد طريق منفرد ’ وربما ما يلفت نظر المتلقي أن القاص قد وضع هذه التقابلية بين ايقاعات لمشاعر انسانية أتكأت على نوع من احادية الموقف ومجموع الالات ومفاتيح انبئت عن واقعية مفرطة تحاول ان تكون في منأي عن عوامل التفاعل الداخلي للأنسان , ففي وجود الالات التى لا تتفاعل مع حقيقة المشاعر فأن الأمر يكون في جانب عملي جاد يكتسب في النهاية هوية من يحملها او يجلس اليها او يحاول حوارها , وهي في النهاية معنى لسلطة مادية لا تتوقف كثيرا عن تفاعلات بشرية ضعيفة , وهذا لايقابل بالطبع مع دعوى العودة الى المشاعر من جديد وان وجهت النصيحة , وفي النهاية فأن الأمر برمته في النص هو صراع او نوع من التحدي بين موقفين اثنين لا يؤديان في عمق نتأجهما الى الوصول الى نتيجة خاصة حينما يكون الأمر في تنازع للتسلط انتهي بالانفصال وانتصرت الالة في نهاية المطاف.
* أديب وقاص وشاعر وناقد ليبي
قصة قصيرة/مفاتيح القيود المتبادلة
في أفق العمارة المتصلب، حيث الأجهزة الصماء تئز بصلصلة الشواغل، استقرت خلف هيكل عمل مصقول. تعاقر قهوتها السوداء. عيناها نار موقدة على زجاج الشاشة. هاتفها منقلب، لا يبدي إلا ظهره الأصم. صوت نقرها التمردي على المفاتيح هو إيقاع اللحظة الوحيد.
اقتحم يوسف المشهد، يحمل كأساً خاوية، قميصه سجن لوتر القلق. تسمر على حافة الضوء. رأى إصرار يديها.
“حصة الرهن الشهري ضوعفت. العقد الجديد أطلق يد الرخاء.” تكلمت كقطع حجة، نظرها مرسوم على البيانات.
“حسناً.” أطلق الكلمة كرصاصة ضلت هدفها. بقي كنصب.
أدارت كرسيها ببطء السيادة. “هناك زيادة في النعمة، سأستلم مركبة خاصة.”
اشتد جسده. نظر إلى أصابعها التي عاودت عزف القوة. “متى انقطع هذا الرأي من دوني؟”
“لم ينقطع. تجسد. ستكون لي خيل المسافات بين فروع السلطة الجديدة.”
خطا نحوها. “الخطر ينتظرك. أعين الحساد لا تنام. لا أجيز لك الانطلاق.”
اندلقت ضحكتها، شفافة قاسية، تشبه تحطم وهم. “أنا من تقود هذا الكيان يا يوسف. لم أعد أحتاج صك إجازة.”
رن هاتفها المنكفئ. ظلت هي جبلاً من صمت. ترنح بنظره نحو الجهاز. مد يده بوهن.
“اثبت.” كان صوتها كإيقاع رعد.
سحب يده. شعر بخواء مريع.
في قاعة الحكم المعقمة، كان يمسك قلماً كقشة. نظر إليها، منحوتة في بهاء متجمد. سأل القاضي: “أتعودان إلى رباط المودة؟”
هزت رأسها بثقل اليقين. شعرها المنسدل خيط من إرادة صلبة.
وقع على الطلاق. شعر بخفة الوجود.
بعد مواسم عابرة، في رحاب المطار الزجاجي، كانت تجر تابوت سفر أحمر. على منكبها، مخزن عقلها المهني. عيناها تضجان بزفير الاحتمال.
كانت أمها تنتظرها. وضعت الأم في كفها شيئاً بارداً ووقوراً: مفتاح نحاسي مهزول وخرقة ورق مطوية.
همست الأم: “أبصري حقيقته بعد الإقلاع.” ثم انسحبت.
فتحت لغز الورقة تحت سوط ضوء المطار. خط أمها قال:
“المفتاح لمغرس العزوبة قرب المرسى. أعددتها كجسر منفرد منذ كان عهدك في الجامعة. ستجدين في المغرس من يرتقبك. هو يطلب معايشة بلا شروط المواثيق. وافقي على فقِه المرحلة الآتية.”
شخص بصرها. ألقت نظرة على صمت المفتاح العتيق، ثم على رقعة عبورها الجديدة. دبَّ البرد من باطن كفها إلى أطراف عنقها.
أدارت ظهرها للزجاج. نظرت إلى حمرة حقيبتها وهي تتدافع على الرخام اللامع. صوت دوران العجلات كان كدقات بندول خانع.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي





