نصف السماء في سماء الذاكرة – قراءة تأويلية- الناقد أسامة غانم

تسمى الرواية التي تتبع السرد المستمر دون فواصل مثل الارقام او العناوين أو اجزاء مرقمة ، أو دون تقسيمها الى فصول ، رواية ذات بنية سردية متصلة ، وهذا ما نراه في رواية ” نصف السماء ” للشاعر العراقي ارشد توفيق ، باعتماد الرواية على الذاكرة تماماً ، ذاكرة السيرة الذاتية/ الشخصية ، المرتبطة بالذاكرة المكانية/ الجغرافية ، بنوعيها : الصريحة (حقائق واحداث) والضمنية (مهارات وعادات) . ليتم تصنيفها حسب المدة ( قصيرة / طويلة المدى ). وعلى الرمز المؤول .
وفي هذا يقول ارشد توفيق عن روايته ” نصف السماء ” بانها ” شخصية جداً ، وان العام فيها يمر عبر ذاكرة إنسان فرد .. انها ليست وثائقية ، كما انها ليست سرداً تاريخياً – انني كتبت وانا تحت مطر سماء الذاكرة ليس الا .. ” 1 . تحت القلق الوجودي المتأزم ، والخاص يطغي على العام ، مما يجعل القارىء وهو في قرأته للعام مدبوغ بالخاص السيري . أي ما بين التاريخ / العام ، وبين الشخصي / الخاص ، تتفاعل الذاكرة المنطلقة من شفافية المرجعية التاريخية .
كانت ربة الذاكرة مْنيموزين في الاساطير الإغريقية ، هي نتاج للعلاقة السّفاحية بين أورانوس إله السماء وأمه غايا gaya ربّة الارض . وقد عرفت أسرار الجمال والمعرفة معاً ، حيث انتصبت أمامها الأوجه الثلاثة للزمن : الماضي – الحاضر – المستقبل ، في حاضر دائم .
هكذا عرفت مْنيموزين ، كل ما كان ، وما هو كائن ، وما سيكون . واعتبر الفلاسفة القدامى الذاكرة ، التي سقطت بهذا الشكل من سماء الآلهة فوق راس البشر ، سراً من الاسرار 2 .
وعليه ، نشأت ذاكرة ، توطنت ، واشتغلت على ثقافة القرون الوسطى التي كانت ” ثقافة ذاكرة بالأساس ، بنفس الدرجة والقوة التي تعتبر فيها الثقافة الحديثة للغرب وثائقية “3 كما تقول الباحثة الامريكية ماري كاروثرز . أي تحولت من الذاكرة الى الوثائقية .
وهكذا ، منذ الازمنة القديمة وخلال القرون الوسطى ، اعتبرت الذاكرة أحد اهم الانجازات الذهنية ، ولكن المعادلة تغيرت جذرياً ، عند صناعة المطبعة ، وظهور الكتاب الورقي ، الذي ضاعف بطريقة اقتصادية وفعالة ، في التقليل من فعالية فن الذاكرة ، والذي اخذ بالتراجع السريع بشكل لا رجعة فيه ، ابتداء من القرن السابع عشر .
اما العنوان فيكون متعدد القراءات في دلالاته – التأويلية المختلفة ، فهو يحتمل ثنائيات متعددة ، أو يحتمل مجازات واحالات واستعارات كثيرة ، مع رمزية مبطنة للذات الكاتبة المثقلة بعدم الكشف والبوح ، وعدم الاعتراف العلني ، رغم ما في الرواية من ” نقد عنيف للنظام ورئيسه “4 ، اذا لماذا نصف السماء ؟ اليس من الافضل السماء كلها أم نصف السماء ؟ هنا ، تبرز الذات القارئة ، وتأويلها للعنوان ، وما بين الكتابة والقراءة تتعدد وجهات النظر ، وتتعدد القراءات .
وعلى الرغم من أن هذه الرواية مكتوبة بصيغة المتكلم ، فإنها تفتقر الى العديد من سمات السيرة الذاتية البحتة الشائعة ، ولكنها تبقى حافلة بنصية سيرية من خلال استعمال تقنيات التمثيل الخيالي لإبداع صور متخيلة لعوالم تاريخية – واقعية : العيش لسنوات طوال في الخارج وعدم العودة للعراق لحد الممات ، بسبب تعينه سفيراً للعراق ثم بقائه كألاجىء مغترب ، وهذا ما نجده في الكثير من كتب السير التي كتبت عل شكل سير ادبية مثل كتاب نيتشه ” هو ذا الإنسان ” الذي هو سيرة ذاتية هامشية فقط تعمل عند نقطة تقاطع الذات والنص ، وكتاب ليفي شتراوس ” المدارات الحزينة ” الذي يعتبر مدخلاً لمسألة الزمن في النصية السيرية . وكتاب طه حسين ” الأيام ” سيرة – ذاتية بحتة بصيغة ادبية .
إن نصًية السيرة الذاتية هي تشكيلّ معرفي . فهي توفر معرفة تدور حول كيفية اشتغال نصّ ما ، وحول ماهية المعاني التي يدمجها النص ، وحول الاعتبارات التي يحدد فيها النص نفسه بوصفه تجسيداً لتأملات سيرةٍ ذاتية . وهذا النوع من النصية ، بوصفه تشكيلاً معرفياً ، يعيّن أبعاد الحياة المروية ، وظروفها ، ومعاييرها ، وتحديداتها ، وترسم النصية الحدود التي تؤطر هذه الحياة عندما تٌروى ، وتبرز نفسها من الأشكال والأنماط المتنوعة لنصية ( نص ) لا علاقة له بالسيرة الذاتية 5. وفي ذلك تتحقق سلطة المؤلف في الكتابة . وفي تأسيس نصية سّيَريّة تستحوذ على الفضاءات الأدبية.
وهنا ، كذلك تذكرني الذات القارئة بالمثل الصيني القديم الذي يقول ” النساء يحملن نصف السماء ” ، مسلطاً الضوء على اهمية المرأة وإمكاناتها في المجتمع . ويستخدم مصطلح ” نصف السماء ” هنا ، مجازياً ، للإشارة الى ان النساء قادرات على حمل نصف السماء والمساهمة في بناء المجتمع ، كما في عبارة صينية قديمة استخدمت في سياق النضال ضد القمع وتجسد التضحية التي تقدمها النساء من اجل احبائهن . وفي هذا يقول الراوي ” النساء أكثر حكمة من غيرهن في ارض الله – ص 214 ” .
يجب على القارىء ان يتحقق من مقدمة الرواية ايضاً ، ولماذا وضع الروائي مقطع من ملحمة كلكامش ؟ فهل له علاقة صميمية بما يريد ان يقوله ارشد توفيق عن مسيرته في الحياة وعن علاقته بذاته وعن علاقته بالعالم والاخرين ، فالعنوان هو واقع ما بين مقطع الملحمة ومتن الرواية ، ف ” نصف السماء ” هو ” الما بين ” المتواجد في الانصاف ، نصف الحقيقة ، نصف الحرية ، نصف الأمل ، نصف الحلم ، ورغم ذلك فإن الحياة نهايتها السفر النهائي ، وهذا ما اشار اليه الروائي عندما استعار مقطع من ملحمة كلكامش الذي يبحث في الحياة والموت :
الى أين تسعى يا كلكامش
إن الحياة التي تبغى لن تجد
فحينما خلقت الآلهة العظام البشر
قدرت الموت على البشرية
واستأثرت هي بالحياة ص 7 .
وليس ذلك فحسب ، بل كانت هذه الفكرة مترسخة في ذهنه بقوة ، وعمق ، مترافقة مع الراوي ، التي يحولها الى لوحة نابضة بالحياة بجانب القبور ، بل واحياناً يرسمها بصورة شاعرية ، شفافة ،جميلة ، وهم يرقدون تحت باقات النرجس الصفراء التي تملى الجو بعطره :
” المقبرة إنها المدينة الأخرى التي يمكث فيها البشر مدة أطول من تلك التي قضوها خارجها .
في أسطنبول تطل أحد المقابر على البحر ، وهي المكان الوحيد الذي لا يزوره السواح ، وهنا وراء الجبال البنفسجية يغطي النرجس المقبرة كلها ويعتبر قطفه حراماً ص 31″ .
أو صورة الساعات وعقاربها التي لا تتوقف عن الحركة رغم أن صاحبها قد فارق الحياة وغادرته الحركة : ” وكانت الساعات في معاصم الجنود تنبض بحركة عقاربها لا أدري لماذا كنت أعتقد أن عليها ان تتوقف طالما مات أصحابها ، كانت الريح تهب باردة من الجسر فترتعش ثياب القتلى – ص 61″ .
” الموت هو السيد الجليل الذي يمنح الأشياء معناها – ص 209 ” .
وفي مكان أخر يتكلم عن المقبرة بعذوبة شاعرية ، من خلال صور القرية التي بقيت في مخيلته ، والصورة لتي في زاوية اللوحة ” المقبرة التي تظللها أشجار البلوط ، وتلك الشجرة الغريبة التي أزدحم جذعها بالمسامير فسميت شجرة المسامير ص55 ” .
وهذا يجعلنا نتعرف على جانب اخر للذاكرة ، الذي هو الجانب التأملي العقلي أو الاسترجاعي ، واهميته بالنسبة لنا مختلفة وأشد غموضاً 6. وللنهاية يبقى السرد محكوم ما بين الجانب العقلي والجانب العاطفي . وهذا يعني ان وظائف الذاكرة والمخيلة ملتحمة ، أو ربما تكون غير قابلة للتمييز والتفريق بينهما . وبهذا يمكن فهم القيمة التي نوليها لعملية التذكر .
ومنذ البداية يضعنا الراوي امام القراءة المتداخلة في السرد المتداخل بين الازمنة وبين الامكنة ، لذا القارىء عليه ان يركز في قراءته والا سوف يتيه بين السطور ، ” ماذا أفعل في هذه المدينة التي غبت عنها دهراً ، وحين أنهض صباح كل يوم وأرى الجبل أكتشف أنني لست في حلم وأنني هنا في الطرف القصي من العالم ، لقد راودتني هذه الهواجس وأنا في ” بوينس ايرس ” على ساحل النهر العظيم أو نهر الفضة كما يسمونه ، أي أحساس بالوحشة ، ص 15 ” . حتى الزمن في الرواية هو زمن ماضي مستمر متعلق بالذاكرة ، عكس الزمن الفعلي خارج الرواية ” فالزمن يتكوم أمامي كأوراق مبعثرة يختلط فيها الماضي بالحاضر ص 18 ” .
وما يميز الرواية انها متشظية الازمنة في كل صفحاتها ، وهي متداخلة ، لايوجد تسلسل زمني تصاعدي نهائياً ، عليه يكون الزمن عند القارىء عند قرأته للرواية شبه مفقود في تسلسلاته ، وهذا الاستخدام يتوافق مع اشتغال فوكو في الجينالوجيا لخلق ما يسميه بـ ” الذاكرة المضادة ” أو ” تحويل التاريخ الى شكل زمني مُختلف تماما ” 7 ، يستلزم ذلك تذويب هوية الذات في التاريخ باستخدام مواد وتقنيات البحث التاريخي الحديث :
” أصبحت السنوات كلها يوماً واحداً أمام الثلج ، وأمست عقارب الساعة بيضاء لا تدور ، إنني الملم كومة من الزمن البني كتلك البقعة التي حال لونها .
-ماذا تفعل هنا ؟
– أنني هنا ؟ ماذا افعل ؟
– لقد انقطع الطريق .
– أي طريق ؟ ص 288 ” .
ومن طرفٍ خفي يفصح الراوي للقراء عن ماهية وظيفته بصورة غير مباشرة ، بصورة مبطنة ، في مشهد على شكل حوار مع زوجة السفير الفرنسي ، حوار يدور بصحبة الزمن ايضاً :
” إن الزمن يمر بي ايضاً ، وهذا ما كنت أجهله أو أغفله ، وها هي ذي ساعة الحقيقة . زوجة السفير الفرنسي التي تبدو اكبر من زوجها سألتني ، وأنا أجلس جنبها في حفلة عشاء مملوءة بالابتسامات والانحناءات والألوان كأي مهرجان للزهور الاصطناعية ، سألتني كم عمرك ؟ أجبت خمس وثلاثون سنة .
رفعت وجهها المليء بالتجاعيد لتسأل بدهشة :
كم سنة قضيت في هذا السلك ؟ ص 51 ” .
وهنالك شخصية من الظاهر قد تكون مهمة بالنسبة للراوي التي هي ” الطفل الجميل ” ، فمن يكون الطفل الجميل ؟
1-” رفض الطفل الجميل هذه الحكاية وأعتبرها ناقصة ، أبتي ..إنها أسوأ حكاية . رويت له روايات أخرى مماثلة للأولى في نهاياتها فرفضها وطلب أن اقص عليه حكايات كاملة وليست ناقصة .. هل أقول له الآن ، وهو ينام تحت الشجر الأزرق في بستان الله أن تلك الحكايات التي كان يرفضها هي وحدها الحكاية الحقيقية في هذا الكون .. ص 23 ” .
2- ” تذكرت ذلك وأنا واقف على قبره ، وقد نبتت سنبلة قمح قرب موضع الرأس ، يا للروسية كيف أستطاعت أن تعرف ذلك . ربما كان هذا هو السبب الذي جعل أحد أصدقائي يريد أن يضيف الاحلام الى ذاكرته ، فالماضي والأحلام يتساويان في النهاية ، ص 25 ” .
ونقرأ ، في ثلاثة مواضع ص : 45- 140 – 176 ، عندما كان طفلا رويته لكابوس في منامه ، ويرى ابن سيرين في كتابه لتفسير الاحلام ، ان حلم الشخص للكابوس في المنام تدل عل التعرض للاخفاق في جوانب الحياة ، أو الى وجود عدد كبير من الاعداء في حياة الحالم :
” في طفولتي كان يراودني حلم غريب أو كابوس مرعب : أن استيقظ صباحاً فأجد أن الناس قد ماتوا جميعاً وليس هناك من حي في المدينة غيري – ص 45 ” .
وحلم يشبه افلام الفنتازيا والخيال العلمي التي تعرض في السينما ، خيالات غرائيبة ، مشحونة بصور بعيدة عن الواقع تماماً .
في رواية ” نصف السماء ” ، تأخذ الحرب حيزاً كبيرا ، مع ادانات عديدة للحرب وللنظام ، على شكل دلالات رمزية بلا أسماء صريحة ، أو بصيغ مبهمة وخاصة عندما يتناول الحكام :
” كنت أتمتم بهذه الكلمات وانا احضر اجتماعات متتالية لا تتحدث عن الدم المسفوح وإنما عن مجد الحاكم وكر المحكومين لأنهم شهدوا عصره .
القطارات تصفر ليلاً لتوزع الموتى على البيوت ، يقسو الناس بعضهم على بعض ، قال احمد :
-قد تتوقف الحرب ، لكن الدمار الذي أحدثته في النفوس لا يمكن إصلاحه .
– لقد بدأ الدمار قبل الحرب ، كنا نقاتل ضد تلك الأخطاء ، فتحولنا الى الخطأ الوحيد في هذه المعركة الصغيرة ، ان الحرب هي ثمرة تلك الشجرة المشوهة التي نمت في العتمة .
– كنت تخاف حين كنت أقول ذلك.
– كنت اعتقد ان القائد سيقف معنا ، وانه لن يقبل بما يراه .
– ومتى ادركت قصر نظرك ؟
– عندما جمع حوله ، اكثر القوم جهلاً وعجزاً فأحيط بالمخنثين الذي يكره بعضهم البعض والعلاقة بينهم كالعلاقة بين الزوجة وضرتها .
– ونحن ؟ .
– لقد فعلنا ما نستطيعه ، لم نكن متآمرين ولكن القائد لا يسمعنا . ص 268 – 269 ” .
أما ، التحدث عن الحرب ، فلقد تحدث عن جميع الحروب التي خاضها العراق منذ الحرب التي بدأت عام 1961 في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم والتي سميت حرب الشمال أو حركات الشمال ، لتأتي بعدها الحرب العراقية –الايرانية 1980 ، ثم حرب الخليج الثانية 1991 ” اجتياح العراق للكويت ” ، ثم احتلال العراق من قبل المحتل الامريكي – البريطاني 2003 ، مع صور بشاعة وقسوة الحرب وهمجيتها اللامحدودة ولا إنسانيتها :
-” قريباً من دكان صالح ، وقفت سيارة عسكرية تسحب بحبل قصير رجلاً حياً أشقر الشعر ، كان شبه عار فقد تقطعت ملابسه بفعل السحب ، ولم تبق عليه سوى أسمال من بقايا قميص ملطخ بالدم والطين ، كان الرجل ينظر يمنة ويسرة كطائر جريح حين تقدم منه أحد الجنود حاملاً صخرة مكعبة من التي تستخدم في البناء وجعلها تهوي على راسه .. تطاير مخه وأرتعشت قدماه وطلب الجنود بقسوة من الواقفين أن يتفرقوا – ص 61 ” .
– “توقفت الحرب أربع سنوات ، وعادت لتشتعل من جديد – ص 115 ” .
– ” كانت المدينة الحدودية قد أحتلتها قواتنا .. حين بلغنا الموقع لم تكون هناك مدينة ولا بقايا مدينة كانت ريحاً عاصفة قد حملت البيوت وطارت بها ، كان عشب الخباز والأزهار البرية في كل مكان وكان المبنى الوحيد الشاخص : هو مسجد المدينة الذي لم ينج من آثار الرصاص – ص 139 ” .
– ” كان ادريس يتم الأم كسير النفس ، هرب من الجيش وعاد الى بيته وعلم أبوه ان قانوناً صدر بالعفو عن كل من يسلم نفسه نادما فوجد في ذلك فرصة لأنقاذ أبنه من الموت المحقق فأخذ أبنه بنفسه الى المقر السياسي وسلَمه .. اراد الخفير في المقر أن يثبت نش نشاطه المتميز فأستلم الفتى وكتب في سجله : ( تم ألقاء القبض على الجندي الهارب ادريس محمد عبد الله ..) ولم يقل أن الفتى جاء به أبوه لكي يسلمه .
في فجر اليوم التالي اقتيد الأبن الى باب منزله ، صرخ الأب وهو لا يصدق ما يجري ضربه أحد الجنود بأخمص بندقيته ، وأطلق الرصاص على الفتى – ص 146 ” .
واخيراً ، اتسأل كما تسأل الراوي : اتكون الحرب لعبة نلعبها ..؟ أم هي لعبة الكبار فقط .
واحيانا كثيرة ، يعمل الروائي على تحويل العام الى خاص وبالعكس ، كما نوه جورج لوكاش الى ذلك ، وهؤلاء الابطال يجب ان لا يكونوا نموذجاً ، لأن البطل ” يجب أن يكون من ثم نمطاً ، تركيباً synthesis من العام والخاص ، من كل المحددات الأساسية الإنسانية والاجتماعية . لأن أبطال الميتارواية التاريخية ليسوا انماطاً بالمعنى المحدد للكلمة : إنهم الخارجون عن المركز ، المهمشون ، الشخصيات الطرفية للتاريخ الخيالي “8 . لأننا لا ندري عن يا عالم تشير اليه الميتارواية عن عالم التاريخ أم عالم المتخيل ؟.
” – الغريب أن هؤلاء أميون وطارئون على السياسة لديهم القدرة النادرة على شق الطريق بينما المناضلون الحقيقيون في بيوتهم المستأجرة ، ثمة خطأ ما .
-أتريد أن يبقوا فقراء ، إنها فرصتهم .
– ليت الفقراء صاروا كلهم مثله .
– ما ذنبه ؟
– ان ذنبه أقل بالتأكيد من ذنب الوضع الذي يسمح ببروز حالات شاذة ، أتعرف انه مدير الجمعية الفلاحية في منطقته ، وهناك الكثير ممن يستطيعون إدارة الجمعية ، الكثير من غير الاميين على الاقل .
– إنها الفوضى أذن ؟
– الفوضى تحمل أعذارها معها .. إنها تخريب يجري بكل نظام . ص 117 ” .
ورغم ، ان الموت كان يمكث في زوايا النص ، كان ” العشب رمزاً للصبايا الخلاسيات – ص 43″ وصور الحب والجنس متوزعة على كل صفحات النص ، مرسومة بعذوبة تتقاسمها النساء والمدن : الإسبانية ” زهرة شقائق النعمان ” ، الصحفية الارملة ، الروسية البيضاء ، الفتاة الأرمنية ، العذراء المكسيكية / أسطنبول ، هافانا ، لندن ، مدريد ، بوينس أيرس ، ترينيداد :
” كنا ضائعين التقيا هذه الليلة ، قالت إنها احبت عندما كانت في الثانية عشر من عمرها وترملت في الثالثة عشر ، لم يكن الفتى الهندي زوجها ولكنه كان الفتى الأول في حياتها وبعد كأسين تحدثت عن الحزن في عيني ، ثم عرجت على الثورة وكيف إنها تبدأ بالحب وتنتهي بالدم ، أخذتُ احدثها عن الليل الذي يسكن عينيها وعن الجمال الذي تصنعه الذكريات والتجربة ، وقلت إن الخمر في شفتيها اعتق من هذه الخمرة المنسية ، تغيرت ملامح وجهها وأخذت تتأملني بطريقة فاتنة وكأنها تقول : سأنام معك الليلة ، طلبت قنينة أخرى ، كان علينا أن نستمر بالصعود وان لا نتوقف ، قامت من مكانها والتصقت بي وكان لها طعم ثمرة كاريبية تشبه التمر . مكثت معها أربع ليالي – 212 ” .
والمرأة التي تجعل عشاقها يلقوا بزوجها في نقطة الحراسة ليستلموه الجنود كهدية وليضعوه في السجن القديم في الجزيرة ، بعدها تحزن عليه الزوجة يوماً واحداً فقط ، ثم تتحول الى ملاعبة الرجال الاربعة الذين يحيطون بها تحت شجرة المانغو وقد تقلدت حول عنقها قلادة من الورد مرتدية البكيني لأن : ” غياب الزوج التعيس لم ينه نزاعات أخرى برزت مع الوضع الجديد وتم الأتفاق تحت شجرة المانغو أن يكون كل من الأربعة زوجها ليوم واحد وكتبت الأسماء الأربعة على جذع الشجرة بعد أن تم تسلسلها بالقرعة – 185 ” .
” كانت خلاسية سمراء تجلس بكبرياء وتشرب كأساً من الروم ، يرتفع صدرها النافر ويضيق خصرها لم تسأل عن أسمي ، قالت وهي تلقي قبعتها في الهواء بحركة لا مبالية :
-أيها الرجل ، لك ظهر حاصدي قصب السكر ..
– ماذا تعملين ؟
– اعمل في الميناء .
بعد قليل كنت في حقول قصب السكر ، أعصر مواسمه الحلوة ، تحت شموس الحصاد ، حيث تفر طيور السمان ويطير السمك فوق الحقول – ص 215 ” .
أخيراً ، نتسأل : هل أستطاع الروائي ان يقول كل ما يريد ان يقوله ، فأنا لا اظن ذلك ، ولازال هنالك الكثير مما لم يقال ، ولم يكشف ، ولم يسبر اغواره ، ولكن تبقى رواية ” نصف السماء ” رواية تجربة في عالم نصّية الذات وفي نار بروميثيوس .
الهوامش والاحالات
*أرشد توفيق – نصف السماء ” رواية ” ، دار الشؤون الثقافية ، ط3 ، بغداد / العراق ، 2025م .
1-لقاء ايلاف الاسبوعي ، الشاعر والدبلوماسي ارشد توفيق (3/1 ) الاثنين 8/مارس/2004م . حاوره د أسامة مهدي .
2-لورون بوتي – الذاكرة ، ترجمة : عزالدين الخطابي ، مراجعة : فريد الزاهي، هيئة ابو ظبي للسياحة والثقافة ( مشروع كلمة ) ، ابو ظبي ، 2012م ، ص 13.
3- م . ن . ص 17.
4- لقاء ايلاف الاسبوعي ، الشاعر والدبلوماسي ارشد توفيق (3/2 ) الاثنين 10/مارس/2004م . حاوره د أسامة مهدي .
5- ج. هيو سلفرمان – نصيّات : بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية ، ترجمة : حسن ناظم و علي حاكم صالح . المركز الثقافي العربي ، بيروت / لبنان ، 2002م ، ص 139 .
6- ميري ورنوك – الذاكرة في الفلسفة والأدب ، ترجمة : فلاح رحيم ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت / لبنان ، 2007م ، ص 6 .
7- ما بعد الحداثة – موسوعة ستانفورحد الفلسفية ، ترجمة : فاطمة الزهراء علي ، مجلة حكمة ، 2018م .
8- ليندا هتشيون – شعرية ما بعد الحداثة : التاريخ ، النظرية ، المتخيل . ترجمة : السيد امام ، المركز القومي للترجمة ، 2024م ، ص 172.





