مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة نقدية موسعة في قصيدة “ثنايا الضياع” للشاعر خالد عمامي – رياض الشرايطي

شاعر يتحدث في ميكروفون، يرتدي قبعة سوداء، ويظهر التعبير الجاد على وجهه في مناسبة ثقافية.

في قصيدته “ثنايا الضياع”، يُبحر الشاعر خالد عمامي في مجرّات الذات والكون، عبر خطاب شعري تتناثر فيه رموز التيه، والعشق الكوني، واللغة كمأوى أخير. إنها قصيدة لا تُقرأ من سطحها، بل تُغاص من أعماقها، حيث تتناسل المعاني وتتشظى الصور في بنية فنية مركّبة وعالية الكثافة. وفي ما يلي توسعة لكل نقطة من النقاط الثمانية، يليها خاتمة نقدية شاملة:

01. انفتاح النص على الوجود الكوني

منذ بدايته، ينفتح النص على الفضاء الكوني، وكأنّ الشاعر يبحث في المجرّات والسديم عن صدى صوته الداخلي. هذا الانفتاح هو انفتاح على المطلق، على السؤال المجرّد، على ما لا يُقال. إنها قصيدة تبدأ من عتبة “الكون”، لا من عتبة “الواقع”، لتعلن عن خيبة العقل البشري في اختزال الحب أو المعنى في تجربة ضيّقة.

يتقاطع هذا الطرح مع ما قاله غاستون باشلار: “الخيال الحقّ ليس هروبًا من الواقع، بل تعميقًا له.”
فالنص لا يهرب من الواقع، بل يتوغّل في أعماقه الكونية.

02. الحيرة والتيه الوجودي

تسكن الحيرة القصيدة كما يسكن الليل النجوم. لا تتيه الذات في درب خارجي، بل في داخلها، في اللغة، في المعنى، في جسدها ورغباتها. التيه هو الحالة الأصل، وليس عرضًا طارئًا. ولذلك، فإن النص لا يقدّم أجوبة، بل يكثّف الأسئلة.

يتردّد صدى جان بول سارتر في الخلفية حين يقول: “الإنسان مشروع مؤجّل، قلق، لا يكتمل إلا بوعيه بتفاهته.”
وهكذا، تتحول “ثنايا الضياع” إلى تمجيد لهذا القلق، إلى تأريخ حميم لتفكك المعنى.

03. الجسد والرغبة ككثافة كونية

يتجلّى الجسد في القصيدة ككوكب مشتعِل، لا كجسد أنثوي مرسوم. الرغبة لا تُقال مباشرة، بل تُدوّي كاهتزاز كوني، كموجة طاقة. الجسد ليس مساحة لذة، بل معراج روحي، يتلوّى في لغة المجاز ويشتعل بصور مركّبة تحوّله من غريزة إلى استعارة كونية.

يذكرنا ذلك بمقولة جيل دولوز: “الرغبة ليست ما ينقصنا، بل ما يصنع العالَم.”
الجسد، إذًا، هو وسيلة لصناعة عالم خاص، لا مرئي، عالم شعري صرف.

04. تفكك الحبيبة إلى رموز غير شخصية

لا تظهر الحبيبة في النص ككيان محدد، بل كطيف، كرمز. تتماهى مع الماء، مع النار، مع الضوء، مع الألوان. إنها لا تحضر جسديًا، بل مجازيًا، لتصبح أكثر عمقًا، وأقل حضورًا. هي فكرة أكثر منها شخصًا.

كما قال رولان بارت في كتابه “شذرات من خطاب في العشق”:
“كلّ حبيبٍ هو كتابة، وكلّ كتابة هي تواطؤ مع الغياب.”
والحبيبة في “ثنايا الضياع” هي هذا الغياب المكتوب.

05. التجليات الصوفية والعرفانية

تمتلئ القصيدة بمفردات روحية، لا تفهم إلا في سياق صوفي. الحبيب يُحرق، والذات تنصهر، والمحبوبة تُناجى لا تُمتلك. يكثر الحديث عن السديم، عن الضوء، عن التماهي، عن الغواية… وكلها إشارات إلى العشق العرفاني.

يتماهى هذا الطرح مع ما قاله ابن عربي: “الحبّ هو دين المتصوف، ومن لا حبّ له لا معرفة له.”
القصيدة بهذا المعنى ليست قصيدة غزل، بل نشيد صوفي، يُكتَب في الحضور ويُقرأ في الغياب.

06. تكرار “أليف”: رمز الألفة والبداية

تكرار “أليف” في القصيدة ليس اعتباطيًا، بل طقسيًّا. هو حرف البداية، أول الأبجدية، علامة التوحيد والتكوين. “أليف” تُقال وكأنها اسم سرّي، نداء روحي، أو حتى تعويذة حبّ تُقال في الظلام.

نتذكر في هذا السياق جلال الدين الرومي: “الحرف الأوّل يحمل كلّ الحروف، كما تحمل الروحُ كلّ الحياة.”
فـ”أليف” هي النداء، وهي الكينونة، وهي المفتاح.

07. ازدواجية المقدّس والمدنّس

لا تفرّق القصيدة بين المقدّس والمدنّس، بل تجعلهما في رقصة واحدة، في احتراق واحد. الشهداء يرقصون، والملائكة تهوي، والرغبة تُقدَّس. إنها رؤية تدمج الأضداد في لحظة شعرية كثيفة.

وكأن الشاعر يتمثّل مقولة آرتو: “في داخلك ملاك ميت، وشيطان حي، وكلاهما يتكلمان شعري.”
بهذا، يتحول النص إلى مرآة للإنسان كلّه، لا لجزء منه.

08. اللغة كمأوى وحيد للذات

تنتهي القصيدة في حضن اللغة. بعد أن تفككت الهوية، واحترق الجسد، وضاعت الحبيبة، لا يبقى للشاعر إلا الحروف: النصب، والجر، والسكون. إنها استعارة لآخر مأوى… اللغة.

كما قال هايدغر: “اللغة هي بيت الكينونة، ومن لا بيت له، لا وجود له.”
اللغة هنا ليست وسيلة، بل خلاص، وليست بناءً، بل وطنًا مهجورًا يُعاد تشييده من الحطام.

الخاتمة: بين الضياع والولادة الشعرية

قصيدة “ثنايا الضياع” للشاعر خالد عمامي ليست تجربة غنائية كلاسيكية، بل شهادة شعرية على قلق الكائن، وانشطاراته، واحتراقاته. إنها نشيد العاشق المعاصر الذي لم يعُد يؤمن بالعواطف الجاهزة، بل يسكن في رماد الأسئلة. كل نقطة فيها تُشكّل مجرّة شعرية، وكل بيت هو حقل لغوي يُفجّر المعنى ليعيد تركيبه شعريًا.

إنها قصيدة لا تُحكى بل تُعاش، لا تُحلّل بل تُصغى كتراتيل متقطّعة في ليل الروح.
وفي زمن تزدحم فيه القصائد بالخواء، تأتي “ثنايا الضياع” كقصيدة ملأى بالضياع المضيء، حيث كل فقدٍ هو خلق جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading