شُبّه له .. شُبّه لي، أن الحياة مهنة تافهة .. قراءة في نصوص الشاعر سامي الأحمد – غرز الدين جازي

شُبّه لي
أنّ الشمسَ في بلادنا
تُشرقُ من الشرق
والأرض تدور
شُبّه لي أنّ لي بلاداً”
“وقدري أنني لا أُطلُّ
على هذه الأرض
هكذا جمع الشاعر التكويني سامي الأحمد، سيرة عشقٍ في ديوانيه الشعريين “شُبّه لي”، و”الحياة مهنة تافهة”
سامي الأحمد، الشاعر التكويني، يذهب بعيداً في أفق المدى :
“حزينٌ أنا في الأربعين
لا أكرهُ شيئاً”
يمنح ذاته بُعدها الحياتي :
“لا أحد يرسم لجسده قبراً في الظلام”
يداعبُ مفردات قصائده بكل دلالاتها، حيث المكان والزمان، والعمق البنيوي والتكهن، وحيث الرصد والانغلاق :
“نهاري أبسط من ليل
وأصغر من حَلَمة تضيع في الظلام
ليلي أقصر من المسافة
وأكبر من حجر يضربني”
“شُبّه لي صـــ 9”
امتصّها بوعي، وبلا وعي، لريادتها ونسقها الشعري، وانهمار مفردات صورها الكثيفة المختزلة 00
تخترق ذات القارئ، تلقي الضوء الوجداني على مشاعره في ظل الظرف المضطرب، وحالة الخمول الذهني المسيطرة على ذائقته الفنية والعقلية :
“إذا أردت لقلبك أن يستريح
قل لدمعك أن يتعب”
“الحياة مهنة تافهة صــ99”
تكتسب قصائده حضورها الشعري من بنية الجملة، وتستبيح أفق القارئ في هيئتها استمراراً لرشفها حتى النهاية 00
تتعثر كثافة ومضاته الشعرية غرضاً فنياً جمالياً، ومغلفاً برؤية ذاتية يسوقها حالة تلتحم بالقارئ :
“لا تعرف الريح في هذه المدينة
أن تمشط شعر الشجر”
“الحياة مهنة تافهة صــ30”
ولذا :
“لسنا غباراً كما ندّعي
لكنه الوقت أغلق أبوابنا على الريح”
“الحياة مهنة تافهة صــ31”
فـ :
“النسيان في هذي المدينة
أجمل من الذاكرة”
“الحياة مهنة تافهة صــ32”
سامي الأحمد، يعيش قصائده ويفسح لها فضاءً في زوايا مشاعره على استحياء، تنهمك في نبش ذاكرة القارئ المخزونة في إرث قلقه وتبعثر تخيلاته من تلك المشاعر المحبطة، فيلتقطها بروح الشاعر المتعب، الهائم على أرصفة الصور الشعرية في طريق إبداعه ودقة توصيفه :
“أنام في النفق، كي
أكونَ نطفةَ القلق في الهاوية”
“شُبّه لي صــ16”
“كلّ الشوارع في خطواتي
ربما أسمع أشياءً لا أراها
ربما أرى وقع حذائي”
“شُبّه لي صــ17”
يقرعها ضجيجاً يصمّ الوجدان صخباً فنياً 00 تغربل مخزونه الفكري والذاتي ببعدها الفلسفي الواقعي حيناً، ووقع الحياة اليومية حيناً آخر، يرافقه في ذلك الفن الموسيقي الداخلي للقصيدة متجاوزاً حدود التأطير الشعري المقولب في أصص السرد المقيد لروح القصيدة المنفلتة من عقال أحاسيسه :
“من عينيّ أرى ما حولي :
جبالاً سوداً، وجنة الشك
ألعب بها بسراب يقيني”
“شُبّه لي صــ74”
“ليس لدربي معنىً
لأمرّن قدمي على المشي عليه
ولا لعيني مقلتان من الطين
ليس لشمسي نهار
لتصحو
ولا سرير تنام عليه”
“شُبّه لي صــ75-76”
يسير فيها بحرية الشاعر الجميل في الخروج إلى فسحات لم تطأها صور الشعر النمطية 00 يقلّب مفرداتها كما يشاء ويلقي بذور بيانها حيث يريد، وحيث يطلب، بتوائم دقيق وانسجام راقٍ مع رهافة مشاعره 00
أراها حيناً فوضوية بحريتها غير المقيدة والمنتهكة لبنية تصوره، وأراها أيضاً تستعيد الجزء المفقود من خيال القارئ حين يهدأ غبار مفرداته ليصبح لزاماً عليه أن يستعيد الجزء الصالح من أفقه وخياله بعيداً عن “الاستفاضة” التي تُفقد جمالية القصيدة ورونقها :
“أعشق الحياة باستمرار
أكتب بحبرها
وأرسم وجهي على ملامحها
بتجويد أصمّ، بكحول أكثر
لا أحاول مع الحياة شيئاً
ألوك أحلامي بهدوء
قبل أن أصحو”
“شُبّه لي صــ32”
تمتلك قصائده يقين الصور الشعرية ليحارب انكماش أحاسيس المتلقي ليقوده لليقين المطلق لمداعبة مشاعره، محتكراً ذوق المستقبل الفني لهمساته الشعرية ومتحدثاً باسمها، فشقّت لنفسها مجرىً يغور في بنية الكلمة، متفاوتة العمق، وحقيقة لا تُنبذ ولا ينكر حضورها :
“لِمَ عليّ أن أسمع أشياءً لا أراها”
“شُبّه لي صــ13”
“لِمَ عليّ أن أفرغ من الشِّعر
عندما أذهب إلى النوم”
“شُبّه لي صــ13”
تتداخل مفرداته الشعرية مرحلة الكيّ والوخز 00 مفرداته تلسع ركود مشاعر القارئ 00 تنتشر مصابيحاً ملونة تعشق اللمعان الشعري المقرون بعواطف ذاك القارئ السابح في حسه الطلق، فيشتهي الهروب لمتعة التخيّل بذوقه وذائقة الشاعر0
تشقّ قصائده مساراً مميزاً عبر مفرداته وصوره الشعرية التي تجعل القارئ وربما حتى الناقد، يمتطي واقعيته بتميز وفق مزاجية صوته الشعري النابض عذوبة وملفتاً لحيوية القارئ :
“أيتها السعادة
اذبحيني”
“الحياة مهنة تافهة صــ44”
“درّب ظهرك على الانحناء
لافتة تتكرر كثيراً على جدران هذه المدينة”
“الحياة مهنة تافهة صــ45”
تغرق قصائده في هموم اليوميات بذاك البعد اللغوي المتميز، وتنغمس في تفاصيل واقعية لا تتوسل أو تستجدي البناء الخطابي الأدبي الشعري، بل وفق جماليات اللغة ودقة توصيفها وتسللها للمشاعر، فتسعى قصائده للتخلص من تشظّي ذهن القارئ في التماهي بين الواقع والأدب، فيستعيد زمام مفرداته حساً ووعياً يشكل به نصاً أدبياً شعرياً ينتمي لقصيدة مميزة تخص هويته الأدبية وتنأى عن السرد اللغوي البعيد عن الشعر والشاعرية :
“في حروبنا الدائمة
لا نستخدم غير الثلج
ولا يُراق إلا دمه”
“شُبّه لي صــ63”
تمثل قصائده مشهداً شعرياً يلج فيه إلى توتر ذاته الشعرية، فاتحاً فسحةً من عبثه العذب بحرارة وعفوية ينبثق من رقة مشاعره متوهجاً وقادراً على استحضار القارئ لنصه الأدبي بعيداً عن التكلف ومحافظاً على متعة القصيدة الجمالية، متكئاً على مفرداته اللغوية بحس عال وشفاف، مترافقاً مع ذائقة شعرية خلقها ببوصلته المميزة لمناخ قصائده بأناقة وشفافية، مما جعلها ترتقي فوق ثرثرة الهذيان العبثي خارج إطار العمق البنيوي للقصيدة :
“أنا الوثني الذي
هان عليه الزمان
أقول :
لستُ حياً،
ولا أتحرك إلا بجسدي”
“الحياة مهنة تافهة صــ63”
يدرك عدم حرفية الصورة في الشعر ووضوحها القاتل للمعنى الأدبي فيها، فيلجأ إلى ابتكار صوراً أخرى تعيد تشكيل الواقع، ومحافظاً على وظيفة الخيال واللغة لينقذها من هاوية السرد الفج والرتابة الفاقدة للدلالة الشعرية الفنية، فهو يقدم معنىً شعرياً وأدبياً جمالياً وليس لغة فارغة تقود إلى التشتت وتبتعد عن ملامسة القارئ، فهو لا يُكْمل فحسب، بل يُضيف أيضاً :
لقد استطاع الشاعر التكويني سامي الأحمد، توظيف اللغة الشعرية الكثيفة المختزلة متحايلاً على نصوصه بذكاء أدبي مميز ويفجرها اجتراراً لغوياً أدبياً أنيقاً بعيداً عن السطحية والتكرار الفج :
“يسّاقط وجهي في وجه الشمس
يرتطم في وجه الليل
وجهي ثلج يعلّق بياضه
في مسبحة البرد”
“شُبّه لي صــ23”
وتبقى قصائد التكويني سامي، لغة شعرية حالمة 00 هذياناً عاطفياً 00 يسرق اللحظات ببعدها الجمالي المميز بعفوية حقيقية 00 مستعيداً ومضمّناً نصوصه كياناً أدبياً لا يسمح للواقع المتردي أن يلتهم شرطه الإبداعي والجمالي :
“أنا السلّم المعلّق على الغبار
والباب الذي لم يصرع بعد
أنا المعلّق بثياب متعبة
وبعقول تجهل المعنى”
“شُبّه لي صــ51”
وهو :
“أنا الأحمق أحياناً، دائماً
أدّعي الارتباك
لأجرّب تماسكي”
شُبّه لي صــ64″
“أعيش دهراً بلا لحم
فهل يغفر لي العظم ؟
وهل يغفر لي العظيم ؟
“شُبّه لي صــ65”
نعم أيها التكويني، تغفر لك قصائدك، وتغفر لك شاعريتك 0





