رشفات في كتاب “قهوة باليورانيوم” للكاتب أحمد خالد توفيق “العرّاب” – غرز الدين جازي

*تحيةً لك أيها “العرّاب” وأنتَ الغائب الحاضر ..
أنعشتَ فيَّ ذاكرةً كادت تخبو ل”ميلات” الزمان ..
بين إرث ذاكرتي، و”يورانيوم” قهوتك المخصّبة طفولةً وشباباً، تستفيق أحلام الواقع الزماني لتحتضن البعد المكاني في تكوين سخصيتي خلال هذه السنوات العرجاء حيناً والعمياء حيناً أُخَر ..
شكراً أيها العرّاب ليورانيوم قهوتك الذي لامس حدود الحلم النووي لذاكرتي ..
سأحتسي معك آخر فنجان بقي في “ركوتي” بعد أن خصّبته بيورانيوم أدبك الساخر بمتعةٍ أدبية عذبة ..
*******
الفنجان الأخير
* سأستعير جملتكَ أيها العرّاب التي استعرتها بدورك من “إنريكو فيرمي” في مفارقته عندما سأل “أين ذهب الجميع” .. وبدوري أسأل : “نعم، أين ذهب الجميع؟” .. أين ذهبت المجلات والدوريات وخيال طفولتنا المتفتح ؟ ..
هل اختفت من ذاكرتنا البرامج الإذاعية التي كنّا نقتات حيث لم يكن للتلفزة حضور ؟ ..
صوت الشاعر “يوسف الخطيب” لازال يجتاحني “إلى عرب النكبة عزّة الثورة” ، إذاعة فلسطين من دمشق .. لازال برنامج “ما يطلبه المستمعون” بأداء فردوس حيدر يرتديني ..
“تتر” موسيقى أخبار الثانية والربع الإذاعية من دمشق تصدح أنغام موسيقى محمد عبد الوهاب “أقسمتُ باسمك يابلادي” تعلنُ وصول أبي منصرفاً من وظيفته .. موسيقى برنامج “صباح الخير” الإذاعي بنكهته الأصلية نجاة الجم ومنير الأحمد ..
مجلات سوبرمان وشخصية نبيل .. بساط الريح .. تان تان والكابتن هادوك .. سمير وتهته .. ميكي وبطوط .. ولاحقاً أسامة .
*نعم أيها العرّاب، “أين ذهب الجميع؟” في تساؤلي المشروع عن ذاكرتي الطفولية في كوكبنا الأرضي المرتبطة مجازاً مع “مفارقة فيرمي” التي اعتبر فيها إنريكو فيرمي أنه “وفقاً للمعطيات فلا شيء مميز يحتويه عالمنا حتى يحوي حياة، فالشمس نجم عادي ويوجد مثله الملايين، ومعظم هذه النجوم تحوي كواكب مثلها تماماً، ومن الممكن أن يشبه العديد من هذه الكواكب الأرض” .
*هل نحتاج إلى منطقة 51 الهدف الأساسي من بنائها هو دعم تطوير واختبار الطائرات التجريبية وأنطمة الأسلحة ..
أم نحتاج إلى حادثة كحادثة روزويل حيث “تَحَطّمَ بالون مراقبة عسكري للقوات الجوية الأمريكية زُعِمَت الإدعاءات بأنها سفينة فضائية من خارج كوكب الأرض، وبعد التصريحات الأولية أعلن الجيش الأمريكي أن الحادث كان لبالون طقس تقليدي، ثم ضعف الاهتمام بالموضوع حتى نهاية سبعينات القرن العشرين عندما بدأ اليوفولوجي بإصدار مجموعة متنوعة من نظريات المؤامرة مدّعية أن واحدة أو أكثر من المركبات الفضائية الغريبة تحطّمت على الأرض وأن مخلوقات من خارج الأرض عُثر عليها في مكان الحادث وأن الجيش تستر على الموضوع” …
هل نسير وراء بعض الحلول التي اقترحها العلماء لمفارقة فيرمي وهي أن الكائنات الفضائية الذكية موجودين ولكن لا يتواصلون معنا ..
أو موجودين ويتواصلون معنا ولكن لا يمكننا سماعهم ..
أو كانوا موجودين في وقت لم نكن نحن فيه، وليس بالضرورة مرّوا على الأرض ..
أو موجودين ولكن معظم الناس لا تدرك ذلك حتى الآن ..
أو اختفوا، أي دَمّروا أنفسهم أو دَمّرهم شيء ما ..
أو قد نكون غير مهمين بالنسبة لهم، فقد يكونوا متطورين لمراحل قد تجعلنا بنظرهم غير مهمين ..
أيّاً يكن من ذلك أيها العرّاب فإنه يمكن طرح مفارقة فيرمي بطريقتين :
الأولى : لماذا لا توجد كائنات فضائية أو أية آثار تعود لهم هنا على الأرض أو في النظام الشمسي ؟
الثانية : لماذا لا نرى أية علامات على وجود حضارات ذكية في أي مكان آخر في الكون ؟
أو يمكننا الانجرار وراء “معادلة دريك” هذه المعادلة الاحتمالية المستخدمة لتقدير عدد الحضارات النشطة خارج كوكب الأرض والقادرة على التواصل في مجرّة “درب التبانة” والتي كتبها فرانك دريك عام 1961 ليس لأغراض تحديد عدد الحضارات، ولكن كوسيلة لتحفيز الحوار العلمي، وتلخّص المفاهيم الرئيسية التي يجب على العلماء التفكير فيها عند النظر في مسألة الكائنات الفضائية .
لن أستفيض أيها العراب في التوسع في هذا المضمار، سأدعه لذوي الاختصاص يتابعون، لكني أراك تميل إلى الاعتقاد بأن لا وجود لكائنات فضائية ذكية على كواكب أخرى ..
عذراً أيها العرّاب، اسمح لي أن أخالفك الرأي، فأنا على يقين من وجودها، وهذا ما أكده لي الكائن الفضائي “اي تي” وحدثني عن كوكبه وشعبه الراقي، حيث لا يوجد لديهم ما نسمّيه نحن “إنسانية” الانسان ولا “حيوانية” الحيوان ولا “نباتية” النباتات ولا “جمادية” الأشياء ولا غيرها من المصطلحات الفجّة التي ابتدعها إنساننا يتبجح ويتشدق بها ..
لذا، استعطفته، بل توسلت إليه أن يرسل لي طلب “لم شمل” عند وصوله بأمان إلى كوكبه رغم عدم معرفتي الجهة المخوّلة على كوكبنا بمنحي الموافقة على المغادرة حال وصول “لم الشمل” لي .
*نعم سأغادر أيها العرّاب .. فليس لديهم شعراء يصرخون “إذا مُتُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ” ..
ولا مطربين أمثال “فضل شاكر” و “أدهم النابلسي” ، ولا أدباء مثل سعيد الكاتب و سميّة المسرحي ..
ليس لديهم رياضة تسمى ملاكمة ولا حمل أثقال” ..
ولا حميراً تباع لحومها وقت العوز على أنها لحم عجول، أوقططاً تباع لحومها على أنها لحم أرانب .
لديهم أيها العرّاب “زورباهم” و “ماغوطهم” و “مئدنتهم البيضاء” وبعضاً من “النوّاب” وليس جميعه فجميعه كثير عليهم ..
بل يكفيني أملاً أن لديهم صالونهم الأدبي الراقي، والأهم أن “نخلتهم” و “عفافهم” ترعيان هذا الصالون.
**********
الفنجان قبل الأخير
أيها العرّاب ..
لكلّ جامعة وكلّية “نسرينها” الخاص بها .. وإن لم توجد فالزملاء ينصبون شراك لحاظهم لأجمل فتاة لتكون ” نسرين كليتهم، فيثيرون ضغينة وغيرة زميلاتها لشدة اهتمامهم بها وتهافتهم على الوقوف معها أو التحدث إليها …
فإن كسب أحدهم تحية منها أوابتسامة، ف”الجنة مأواه”، وخيلاؤه يتنمر علينا أسبوعاً كاملاً .
* “نسرين” كليتي أيها العرّاب صنعت من نصف زملائي شعراء لا يفقهون ألف باء الشعر، والنصف الآخر يتراوح بين مطرب هو الوحيد المعجب بصراخه، وفنان تشكيلي يُجسّد أغنية نانسي عجرم “شخبط شخابيط”، ولاعب كرة قدم يجري طوال الوقت في الملعب دون أن يلمس الكرة … جميعهم ينضوون تحت مهاراتهم تحقيقاً لمقولة ” لفت نظر نسرين” .
عند التخرّج أيها العراب ودخولنا معترك الحياة العملية تبخرت مواهبهم الفذّة هذه جميعاً ولم يبقَ سواي لا يزال يتشدّق بما يُطلقُ على نفسه صفة “ناقد أدبي” .
***************
*المراجع :
-ويكيبيديا ،
-كتاب “قهوة باليورانيوم” للكاتب أحمد خالد توفيق .
*الهوامش :
-العرّاب : إشارة للكاتب أحمد خالد توفيق كان يُسمّى به رحمه الله .
-اليوفولوجي : دراسة الصحون والأجسام الطائرة، وهو علم الأجسام الطائرة المجهولة .
-إنريكو فيرمي : فيزيائي إيطالي أمريكي حاز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1938، كان ضمن الفريق الذي أنتج أول مفاعل نووي وأول قنبلة ذرية .
-فرانك دريك : عالم فلكي وفيزيائي أمريكي، أحد أبرز الرواد في مجال البحث عن كائنات ذكية خارج كوكب الأرض .
-مجرّة درب التبّانة : مجرّة حلزونية الشكل تنتمي إليها الشمس والأرض وبقية المجموعة الشمسية، وتشتمل على مئات البلايين من النجوم، تسمّى أيضاً الطريق اللبني .
-إذا متُّ ظمآناً فلا نزل القطر : عجز بيت شعر من قصيدة أراك عصي الدمع لأبي فراس الحمداني .
-سعيد الكاتب، سمية المسرحي : شخصيات أدبية هشّة وهمية من صنع خيال الكاتب .
-زورباهم : إشارة إلى زوربا اليوناني في رواية نيكوس كازانتزاكي .
-ماغوطهم : إشارة إلى الشاعر الكبير محمد الماغوط.
-مئذنتهم البيضاء : إشارة إلى رواية المئذنة البيضاء للأديب الكبير يعرب العيسى .
-النوّاب : إشارة إلى الشعر مظفر النواب .
-نخلتهم : إشارة إلى مدام تامار التي يعني اسمها بالعربي “النخلة” والتي تدير بالاشتراك مع ابنتها المدام نارين صالون نارين الأدبي الراقي بدمشق .
-عفافهم : إشارة إلى مدام نارين التي يعني اسمها بالعربي “العفاف” والتي تدير بالاشتراك مع والدتها تامار صالون نارين الأدبي الراقي بدمشق .
-نسرين : إشارة إلى الفتاة نسرين التي ورد ذكرها في مقالة “حارس البوابة” للعرّاب .





