مقدمة إلى وسائل الإعلام الجديدة والثقافات الإلكترونية✍برامود كيه نايار-ترجمة جلال الدين عز الدين علي

الثقافات الإلكترونية الشعبية
خطة الفصل
- الملامح الأساسية للثقافات الإلكترونية الشعبية:
- التلاقي
- إعادة الوساطة
- الاستهلاك
- التفاعلية
- السايبربنك:
- تشويش الحدود
- الجسد
- التناسل
- الزمن والفضاء
- البيئة
- المعلومات
- السايبورج
- الأبعاد السياسية للسايبربنك والاستجابة النسوية
- الألعاب:
- التآلف الاجتماعي الجديد
- المهارات والمسئولية والألعاب
- السرد
- تأدية الأدوار
- عوالم الألعاب وسياستها
- فن وسائل الإعلام الجديدة:
- النصية الرقمية
- فن الجمهور النشط
- إعادة الوساطة
- الحيوية
- تكنولوجيات الاتصالات الشخصية وأجهزة الآي بود والتسجيل والبث عبْر الإنترنت.
- الفنون الجينومية والبيوميديا:
- العرض
- الوحشي والمسخ
- الأجساد المعلوماتية
- التحكم
- التواصل الاجتماعي:
- مسائل الخصوصية والنبذات التعريفية
- تضخيم العلاقات
- ثقافة الشباب ومواقع التواصل الاجتماعي
يقترح الخيال العلمي إمكانية وجود غرباء في الفضاء الخارجي. أوصل الفنان ستيلارك جسده بالإنترنت ليَحصُل آخرون على «منفذ» سهل، أما المعجبون بهاري بوتر فيستخدمون برامج الكمبيوتر ليُظهروا إعجابهم بشخصيتهم الشهيرة ومودتهم لها بإنشاء مواقع مُعجبين. هذه ثقافات إلكترونية «شعبية»، ودائمًا ما تَرُوج التكنولوجيا المعقدة في المجال العام من خلال مثل هذه الأشكال الشعبية من الترويح أو الترفيه. وليست التكنولوجيات الثقافية الإلكترونية استثناءً من هذا التطويع. تتمتَّع الثقافات الإلكترونية بتنوُّعٍ وشعبيةٍ مدهشَيْن، بطرقٍ تنافي تعقيد التكنولوجيات الكامن وراء جهاز الألعاب المحمول أو الآي بود. وهذا «الاستئناس» للتكنولوجيا داخل الأشكال الشعبية من الثقافة الإلكترونية هو موضوع هذا الفصل.
تَشمل الثقافة الإلكترونية، كما سبق ذكره، تكنولوجيات وأشكالًا جديدة (وشعبية) متنوعة. وتُوسِّع ثقافات وسائل الإعلام الجديدة، وهو مصطلح لقيناه بكثرة في أواخر التسعينيات، أشكالًا ثقافية إلكترونية، مثل الإنترنت، وتُدمِج أخرى مثل تكنولوجيات الهواتف المحمولة. إن صفحات الإنترنت الأقدم المَبنية على النص تُفسِح المجال للصوت والفيديو، بينما تتحوَّل تكنولوجيات الاتصال، مثل الهاتف المحمول، إلى أساليب ترفيه مع تنزيلات الأفلام والموسيقى والألعاب. وتُدمَج المطبوعات، والمرئيات، والصوتيات جميعًا في أشكال ثقافية شعبية على سطح المكتب أو شاشة الهاتف المحمول.
يُدرس هذا الفصل في البداية الملامح الأساسية للتعبيرات الشعبية عن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات. ويتقدَّم من هذا إلى مناقشة أشكالٍ أو أصنافٍ محدَّدةٍ داخل الثقافات الإلكترونية الشعبية؛ الأدب الشعبي، وأعمال المُعجبين، والألعاب، والتواصل الاجتماعي، والأشكال الجديدة من الفن الإلكتروني. كما يُعنَى الفصل عناية خاصة بتساؤلاتٍ عن التبدُّلات في الحياة اليومية من خلال تضافر هذه التكنولوجيات.
- كيف تُطوِّع الثقافة الشعبية التكنولوجيات المعقَّدة وتمثلها؟
- هل التكنولوجيات من قبيل محركات البحث محايدة أم إن لها تبعات سياسية، من خلال استخدام الإعلانات التجارية على سبيل المثال؟
- هل العوالم الافتراضية مفصولة عن العوالم المادية؟
- هل يؤدي تمجيد السايبربنك للسايبورج أو الأجساد ما بعد البشرية إلى سنِّ سُنَّة جديدة من الأجساد المعدلة؟
- هل الهالة الدعائية المُحيطة بالطابع التفاعلي (في عوالم الألعاب) مبرَّرة، وهل «يَمتلك» المستخدِمون حقًّا هذا النوع من التفاعلية؟
- هل يؤدي ظهور ثقافات الألعاب والمُعجَبين إلى شكل جديد من الفردية، أو هل يُعيد تشكيل التآلف الاجتماعي؟
- أي أشكال الفن تنشأ في عصر الهندسة الوراثية، والمعلوماتية الحيوية، وتكنولوجيات المعلومات والاتصالات، وما هي رُؤاها للمُستقبل البشري؟
- كيف تُؤثِّر التكنولوجيات الاجتماعية صراحة؛ مثل مواقع التواصل الاجتماعي، في الخصوصية والفرادة والهُويَّة والمجتمع؟
(١) الملامح الأساسية للثقافات الإلكترونية الشعبية
الثقافات الإلكترونية «تشكيل» يظهر في تقاطع السياقات الفنية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية. ويستند هذا «التشكيل» إلى هذه السياقات في إنتاجه واستهلاكه، بينما يُؤثِّر فيها. وهذه السياقات، وخصوصًا في حالة الثقافات الإلكترونية المتعلِّقة بالأمور اليومية؛ مثل: الإنترنت الشعبي، وتكنولوجيات الاتصال الشخصي، والثقافات الرقمية لأماكن العمل، والثقافات المعلوماتية الترفيهية لوسائل الإعلام الجديدة؛ موسومة بأربع سمات أساسية:
(١-١) التلاقي
«التلاقي»، مصطلح روَّجَه هنري جنكينز (٢٠٠٦ب)، هو التقاء صور مختلفة من وسائل الإعلام على منصة أو واجهة تفاعلية مشتركة. يؤدِّي التليفزيون وظيفة واجهة الإنترنت، وتساعد أجهزة المسانَدة الرقمية الشخصية والهواتف المحمولة على تصفُّح الشبكة، وصنْع الأفلام، والبث (التسجيل والبث الرقميَّين).
التلاقي
التلاقي هو التقاء تطبيقات مختلفة عبْر أشكال الوسائط المتعددة على منصة أو واجهة تفاعلية مشتركة تتيح للمستخدم رؤية صفحات الإنترنت، وإجراء المكالمات الهاتفية، وتسجيل الموسيقى، وإذاعة المواد.
(١-٢) إعادة الوساطة
يُبيِّن بولتر وجروسين (١٩٩٩) كيف تُمدِّد أشكال وسائل الإعلام الجديدة القدرة الكامنة في وسائل الإعلام الأقدم وبنياتها، وتُوسِّعها. وهكذا يُوسِّع الإنترنت عمل الأفلام والتليفزيون.
تقوم «إعادة الوساطة» على منطق مزدوج؛ فهي، من جهة، تسعى إلى «المباشَرة» أو الحيوية؛ حيث تُحاوِل التكنولوجيا جعْل الجمهور يشعر وكأنه هناك من دون أي تدخل؛ أي من دون وساطة الوسيط/التكنولوجيا. ويعني هذا أنها ترغب في محو «العملية» والتكنولوجيا من الوساطة ذاتها. ومن الجهة الأخرى، تجذب أشكال وسائل الإعلام كلها الاهتمام إلى السياق الفائق الوساطة؛ أيُّ زاوية كاميرا يلتقطها الجمهور للمتابعة، أو أيُّ رابط يُنقر عليه للتعرُّف على شخصية معينة في البرنامج الذي يُبث بثًّا «حيًّا» (مثل برنامج «الأخ الأكبر» (بيج براذر)). وهكذا؛ فالشاشات المنقسمة، والرسوميات، والصوت المصاحب للعرض، وبث المقاطع المصوَّرة، والمؤثِّرات الصوتية، ونصوص الأخبار؛ كلها تؤكِّد حقيقة أن خبرتنا بما هو واقعي أو حي تَعتمِد بشدة على الوسائط. هذا المنطق المتناقض ما بين المباشَرة والوساطة الفائقة هو ما عبَّر عنه بولتر وجروسين (١٩٩٩: ١٩) بالتذبذب بين الشفافية والعتامة.
إعادة الوساطة
إعادة الوساطة هي المنطق المُزدوَج والمتناقض، الذي تنشد فيه تكنولوجيا وسائل الإعلام أن تمحو وأن تُبرِز في الوقت نفسه عملية الوساطة. «يُعاد توسيط» أشكال وسائل الإعلام الأقدم بفعل الأشكال الأحدث، ومثال ذلك أن تليفزيون الإنترنت يجمع ما بين التليفزيون والسينما والشبكة العنكبوتية العالَمية. وتشمل هذه العملية منطقَيْن؛ منطق «المباشَرة» (الذي تبدو من خلاله عملية الوساطة، والوسيط نفسه — وليكن الكمبيوتر — غير مرئيَّين)، ومنطق «الوساطة الفائقة» (حيث يَتضاعف مقدار الوسائط المتاحة للموضوع نفسه).
(١-٣) الاستهلاك
يُشير «الاستهلاك» إلى الثقافة الاستهلاكية الناجمة عن تكنولوجيات وسائل الإعلام الجديدة. تشكِّل الأجهزة الإلكترونية أحد أكبر مكوِّنات السوق الاستهلاكية العالمية. والثقافة الإلكترونية مُرتبطة ارتباطًا لا انفصام له بالثقافة الاستهلاكية. تؤدِّي الأفلام إلى تصميم ألعاب الكمبيوتر قائمة على حبكتها، وتُنتج ألعاب الكمبيوتر مواقع مُعجبين، وحبكات أفلام، وألعابًا. وكل وسيط هو الآن وسيطٌ مُعبر، يُحوِّر الصيغة الأخرى، أو يستعير منها، أو يحاكيها. وأرى أن كل شكل من أشكال الوسائط يجري «تضخيمه» في الثقافة الاستهلاكية؛ حيث يعمل الهاتف عمل جهاز للبريد الإلكتروني، وكاميرا للأفلام، وأداة لبثِّ المؤتمرات، ومنصة للألعاب، ومفكرة شخصية، وأداة لتشكيل الجماعة، وبوصلة أو أداة لتحديد الأماكن الجغرافية.
يعني تركيز ثقافة المستهلك على الفرد أن المنتجات تُصمَّم لتضمن أن التكنولوجيا كلها «شخصية». وهكذا، يُمكن ربط الهواتف المحمولة وتكنولوجيات الاتصال الشخصي الأخرى بالووكمان، أو الآي بود، أو المفكرة الشخصية. وتسعى الثقافة الاستهلاكية إلى ضمان أنك متصل باستمرار ببياناتك الشخصية، وأحبائك، ومكان عملك. «التشخيص» كلمة أساسية في الثقافة الاستهلاكية؛ حيث كل شيء، من الأفاتار وصفحات الإنترنت إلى رنَّات الهاتف المحمول وهُويات المتصل من المفترض أن تعكس هُويتك.
في عصر برامج الكمبيوتر والمنتجات المنتجة بكميات هائلة، تلعب الثقافة الاستهلاكية على الحاجة إلى النزعة الفردية. تعمل الثقافة الإلكترونية، مثل كل الثقافات الاستهلاكية، مع التناقض الاستهلاكي؛ فهناك توحيد متزايد للمَعايير، وفي المقابل هناك السعي إلى إضفاء السمات الشخصية، وتميز المرء عن جمهور المستخدمين. تزدهر ثقافة المستهلك على موضوعات رئيسية مثل الأسرة، والنزعة الفردية، والمقدرة الاتصالية، والأمن؛ لكي تبيع منتجات ثقافية إلكترونية مثل الهاتف المحمول، أو البرامج، أو الكمبيوترات الشخصية. بغض النظر عن هيوليت باكارد بمقولتها «الكمبيوتر شخصي مجدَّدًا.» أو مجلة «وايرد» (التي تعني: متصل) المصقولة، يقوم «فضاء المنتَج» (وهو مصطلح استخدمه سيلفرستون وهادون لوصف الفضاء الثقافي وغيره من الفضاءات التي يُباع فيها المنتَج؛ ١٩٩٦: ٥٣) على أيديولوجيات محدَّدة عن البيت، والخصوصية، والسلامة، وسهولة الاتصال، والأمن؛ ولذا أثارت الهواتف المحمولة استجابات عاطفية وشخصية جدًّا (سريفاستافا ٢٠٠٦). وفي حالات أخرى، تُمكِّن التكنولوجيا الرقمية، أو الفوتوشوب، أو الاتصالات عبْر الأقمار الاصطناعية المتديِّنين من «الاتصال» بمعبوداتهم وآلهتهم. وفي كلٍّ من هذه الأمثلة نرى نوعًا آخَر من التلاقي؛ تلاقي السياقَين الاجتماعي والثقافي والثقافة التكنولوجية، وهو تلاقٍ تستغله الثقافة الإلكترونية على النحو الأمثل.
تُسوِّق الثقافة الاستهلاكية كذلك منتجات متنوعة — ألعاب الكمبيوتر، وتسجيلات الفيديو، وبرامج الكمبيوتر، والهواتف المحمولة، وأجهزة الاستريو — معًا. وغالبًا ما يركِّز أدب السايبربنك القصصي على إضفاء الطابع التجاري على تكنولوجيا المعلومات، من أحدث نماذج الكمبيوترات الشخصية إلى النُّسخ المتقدمة من برامج الكمبيوتر، إضافة إلى السوق السوداء المتضخِّمة في البرمجيات وأقراص الموسيقى/الأفلام المدمجة والرقمية المرئية المقرصنة.
تُسيطِر سوني وماكينتوش ومايكروسوفت على مجالات الثقافة الإلكترونية الاستهلاكية. وتجدُ الرأسمالية الفضاء الإلكتروني سوقًا جديدة للاستغلال حيث يُمثِّل الشباب، مثلًا، سوقًا متسارعة الاتساع للأجهزة والألعاب والبرامج. وتستهدف الشركات الرأسمالية الكبيرة أفراد هذه الطبقة (ما يَصطلِح أوريجي وجراهام على تسميتهم «المتسوقين الرقميين» مقابل «النخبة الرقمية» التي تتحكم بالاقتصاد).
ومن الأبعاد المتصلة بثقافة الإنترنت الاستهلاكية المراقبة المتنامية للمستهلكين وعمليات البحث على الإنترنت. استحوذت محركات البحث، مثل جوجل، ومايكروسوفت، وياهو! جميعًا على حملات إعلانية على الإنترنت في عام ٢٠٠٧ (اشترت جوجل دَبِلكليك، واشترت مايكروسوفت إيه كوانتيف، واشترت ياهو رايت ميديا). بل إن إريك شميدت، المدير التنفيذي لجوجل، أعلن أن جوجل قد تعمل منذئذٍ «بصفتها نظام إعلان في المقام الأول» (فوجلستاين ٢٠٠٧). ويدلُّ هذا على تحوُّل مثير للاهتمام فيما يخص الإنترنت كله، وثقافة التسويق الاستهلاكية خصوصًا.
غير أن التكنولوجيا تقوِّي معارضتها أيضًا. إذا كانت تكتلات وسائل الإعلام تستغل التكنولوجيا من أجل الإعلانات، فوسائل الإعلام التكتيكية (انظر الفصل الرابع حول الثقافات الفرعية الإلكترونية) والجماعات الراديكالية تُنتِج «الإعلانات الهدامة»؛ وهي نوع من الإعلان يُطلَق عليه غالبًا «التشويش الثقافي» (سمَّاها تيم جوردان في ٢٠٠٢ «الإرهاب السيميائي»). حينما ابتدعت منظمة جرينبيس شعارها المناهض لشركة إكسون موبيل، الذي يعلن «الجفاف المتطرف: الاحترار العالمي الذي ترعاه إكسون موبيل» مارست إعلانًا هدامًا، حمل رسالة اقتصادية سياسية عن أعمال إكسون، وأساليبها المعادية للبيئة. وظلَّت أدْباسترز (www.adbusters.org) رائدة في مثل هذه التلاعبات الراديكالية بالعلامات الإعلامية.
الإعلانات الهدامة
هذه تهكُّمات أو تلاعبات فكاهية بالإعلانات، غالبًا ما تحمل رسالة سياسية عن استراتيجيات الشركات، واستغلالها، أو عن القَمع الحكومي.
أما محرِّكات البحث المخصَّص — وهي تطوير للمحركات «الروتينية» في المستعرِضات الأقدم — فغالبًا ما تترك سجلًّا لأسئلة المُستخدِم، يولِّد مقدارًا لا بأس به من البيانات عن تفضيلات المستخدم المخصصة. وحينما يتجمع مقدار كافٍ من مثل هذه البيانات من أعداد كبيرة من المُستخدِمين، يكون لدى أقسام التسويق حينئذٍ توصيف لجموع بأكملها. ولذا، فليس المُستخدِم الفرد، ولكن الجمع أو المجموعة السكانية هي التي توصَّف، وتُستخدَم للتنبؤ بسلوك المستخدم وطلبه. هذا الجمع بين المراقبة، والبحث الشخصي، والتسويق هو في تحليل ثيو رول (٢٠٠٧) الدمج بين «البحث على الإنترنت والتسويق على الإنترنت في نظام فني واقتصادي واحد». يعني هذا ببساطة أن ما يُسمَّى خيار المُستهلِك وقوة الاختيار (سواء في الاستعراض أو البحث عن أشياء محدَّدة) هو وثيق الصلة ﺑ: (١) مسائل الخصوصية (وكالات التسويق التي تَتتبع تصفُّحك/مشترياتك لتصنف ذوقك، وتفضيلاتك). (٢) البيع الخفي للمنتجات عبْر الإعلانات الفقاعية، وتنظيم ملفات محدِّدات المصادر الموحدة (اليو آر إل) على محركات البحث. و(٣) سرقة البيانات التي تتَّخذ شكل سرقات بطاقات الائتمان. ويُمكن لمحرِّكات البحث المخصص أيضًا أن تكون بمنزلة آليات المراقبة الشخصية.
تعمل ألعاب الإنترنت أيضًا لوضع العوالم الافتراضية في العالم الواقعي، وخصوصًا بالمعايير الاستهلاكية-الاقتصادية. وكما عبَّر عن ذلك أحد المعلِّقين، فإن «اللعب افتراضي، والمكسب واقعي» (ووليس ٢٠٠٥). في عام ٢٠٠٣، منحت «سكند لايف» حقوق الملكية الفكرية لمنتجات مبتدَعة في المجال الافتراضي وفي المجال الواقعي. وبيَّن كلاين وزملاؤه (نقلًا عن هرمان وزملائه، ٢٠٠٦) كيف أنه بالإضافة إلى «العملية الثقافية» (اللاعبين، و«أدوارهم»، وفاعليتهم) و«العملية التكنولوجية» (التفاعل بين البرامج، واللاعبين، والكمبيوترات)، تُجسِّد الألعاب عملية ثالثة — وهي عملية «التسويق». يُنتِج استخدام لاعبٍ ما للبرامج وموقف اللعبة إشباعًا ومتعة، يضمنان في المقابل اللعب المتواصل، والاستهلاك، وتطوير المنتَج في علاقة تكرارية. حينما أحالت ليندن لابس (التي تشغِّل «سكند لايف») اللعب إلى عمل — حيث يعمل اللاعبون في إنتاج أدوات افتراضية أو «ابتداعها»، وتكون الأدوات «مِلكًا» فكريًّا لهم — كانوا يستغلون هذه العلاقة التكرارية. تُوضِّح «سكند لايف» أن التسويق والتجارة أمران مركزيان للعالم الافتراضي بقَدْر ما هما كذلك للعالم الواقعي:
تدعم السوق في الوقت الراهن ملايين الدولارات الأمريكية في المعامَلات الشهرية. وتُدار هذه التجارة باستخدام وحدة التجارة في هذا العالم، دولار ليندن، الذي يُمكن تحويله إلى دولارات أمريكية في مبادلات مزدهرة فورية عديدة لدولار ليندن تتمُّ على شبكة الإنترنت. («سكند لايف» ٢٠٠٧)
يعني هذا أن العالم الافتراضي من قبيل «سكند لايف» يُحدِث تغييرات ملموسة للغاية في العالم المادي. ومرةً أخرى، يُعيدنا هذا إلى الفرضية الأساسية لهذا الكتاب: أن الافتراضي ليس، على الإطلاق، افتراضيًّا معزولًا، ولكن له تأثيرات خطرة ومادية في العالم الواقعي.
(١-٤) التفاعلية
تُشير «التفاعلية» إلى الدور المُتغيِّر للجمهور والمستمعين والمشاهدين. لم تَعُد الجماهير مستهلكين سلبيِّين، ولكن غالبًا ما يكونون مشاركين على نحوٍ وثيق في تركيب الأداة الثقافية وشكلها وقصتها. يتجلَّى باطِّراد أن الجماهير تؤدي دور «المنتجين» للبرامج التليفزيونية التي تلتمس آراءهم، وأفكارهم، ومشاركتهم في الاستطلاعات، وحتى النصوص. يَندمج التليفزيون والشبكة العنكبوتية العالمية، وتليفزيون الإنترنت، وجماهير التليفزيون مَدعوُّون للمشاركة بوصفهم لاعبين، ومعلِّقين، ومصوِّتين.
يندمج التليفزيون مع الشبكة العنكبوتية العالَمية بطرقٍ لا حصر لها. يمكن أن يكون هذا من خلال مراجعات البرامج التليفزيونية المُعاد نشرها من الصحف، والقوائم التليفزيونية، والمواقع الرسمية للبرامج التليفزيونية (والأخيرة متصلة أيضًا بالثقافة الاستهلاكية بمعنًى حرفي؛ لأن الكثير من المواقع الرسمية تبيع سلع عن/من البرنامج أيضًا). كذلك، توجد أعداد كبيرة من مواقع الإنترنت غير الرسمية لهذه البرامج ومواقع المعجبين. وربما تُطوِّر هذه المواقع نُسَخها الخاصة من المسلسلات الاجتماعية المبتذلة، ومجلات المعجبين التي تلتمس القصص والأعمال الدرامية القائمة على نصوص لها طائفة من المعجبين؛ من قبيل «حرب النجوم» (ستار وورز) أو «بافي قاتلة مصاصي الدماء» (بَفي ذي فامباير سلاير)، وهي جزء لا يتجزأ من الثقافة الإلكترونية ونُموذَج على «إنتاج المعجَبين» (فيسك ١٩٩٢). وصلت العروض التليفزيونية الناجحة مثل «الأخ الأكبر» هي أيضًا إلى جماهير أوسع بفعل انتشار بثها على الإنترنت بلا انقطاع لجمهور محدَّد. مثل هذا الحضور والنشاط على الإنترنت يُمكن أن يدلَّ على علاقة «عمق» أو «امتداد» (ديري ٢٠٠٣: ١٦٦-١٦٧). وقد تكون التفاعُلية نفسها «عميقة» حينما يقرِّر الجمهور شكل العرض — من خلال التصويت مثلًا.
حَكْي القصص التفاعلي — الذي يشمل، حسبما تذكر المنظِّرة الرائدة للنصوص التشعبية ماري-لور ريان (٢٠٠٥)، أشياءَ وأنواعًا متنوعة بقدْر ألعاب الكمبيوتر، والتليفزيون التفاعلي، والأفلام التفاعلية، والدُّمى الذكية، ولَعِب الواقع المضخَّم، والرسوم المتحرِّكة التفاعلية، ونصوص السرد التخيُّلي التشعبية، والسرد التخيُّلي التفاعلي — هو رؤية أخرى من محترفي البرامج فيما يخصُّ متعة المستهلك. «مؤلف» القصة في مسلسل «اختر مغامرتك» هو القارئ-المُستخدِم الذي يستخدم مساعَدة البرنامج و«التلميحات» أو الموضوعات المحمَّلة سلفًا لتطوير قصته.
تفترض ماري-لور ريان أن درجة التفاعلية ومستواها يختلفان من طبقة إلى طبقة في القصة. في الطبقة الأولى، تدور التفاعُلية حول تقديم القصة؛ حيث توجد القصة قبل تشغيل البرنامج. وفي الطبقات المتوسِّطة تختص التفاعلية بمشاركة المستخدِم الشخصية في القصة، ولكن الحبكة لما تزل محكومة سلفًا. وأخيرًا، في الطبقات الأعمق تُخْلَق القصة ديناميكيًّا من خلال التفاعل بين المستخدم والنظام. تطلب «الواجهة» — وهي دراما تفاعُلية ابتدعها مايكل ماتيس وأندريو سترن (www.interactivestory.net) — من المُشاهد أن يساعد في تطوير الحبكة. زواج زوجَين في منتصف الثلاثينيات من عمريهما ينهار أثناء محادثة مسائية. يكتب المُستخدِم أسطرًا من الحوار يستجيب لها الزوجان مع تزايدٍ مُطردٍ للاستغلال، والافتراء، والاتهامات. وفي النهاية تخلو قاعدة البيانات من التوليفات الحوارية المُمكنة، ويكون على «الزائر» أن يغادر، مشيرًا بذلك إلى المستوى المَحدود من التفاعلية الممكنة، بالنظر إلى قاعدة البيانات.
ومع هذا يظلُّ تقيُّد هذه «التفاعلية» برواية عالم الألعاب أمرًا لا نزاع عليه؛ لأن التحكُّم الكلي بشكل اللعبة وسوقها وأرباحها يَبقى بيد الشركة أو المؤسسة.
هذه الملامح الأربعة: التلاقي، وإعادة الوساطة، والاستهلاك، والتفاعُلية، تتشكل بطرائق مُتباينة في «صنوف» الثقافات الرقمية الشعبية أو أشكالها. وبقية هذا الفصل تستعرض هذه الأشكال المتباينة.
(٢) السايبربنك
تُؤثِّر التكنولوجيا، إلى جانب غيرها من العوامل الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية في طريقة حياة «أغلب» الناس في المدن الكبرى عبْر العالم؛ أي تتوسَّطها. وبعبارة نايجل ثريفت، «غدَت برامج الكمبيوتر تتدخل في كل جوانب الحياة اليومية تقريبًا، وبدأت تغوص في خلفيَّتها المُسلَّم بها» (٢٠٠٥: ١٥٣). السايبربنك هو الجنس الأدبي الذي يتناول هذا النوع من الحيوات في قصص الخيال العلمي؛ حيث يقضي كثير من الناس أقسامًا كبيرة من حيواتهم متصلين بعالمٍ آخَر.
سايبربنك
صِنفٌ من أدب الخيال العلمي نشأ في ثمانينيات القرن العشرين، ويعالج في المقام الأول موضوعات التكنولوجيا الإلكترونية، على سبيل المثال الواقع الافتراضي، وغالبًا ما تُعرض ثقافات فرعية في سياق عالَم الشركات التكنولوجية الرأسمالي.
سك بروس بيثكي المصطلح بقصته القصيرة «سايبربنك» التي نشرتها في عام ١٩٨٣ مجلة «أميزينج ساينس فيكشن ستوريز» (المجلد السابع والخمسون، العدد الرابع، وهي متاحة على: project.cyberpunk.ru/lib/cyberpunk/) وحظيَ مُصطلَح بيثكي بمكانةٍ نوعية كبرى في الكتابة الشعبية بعد رواية ويليام جيبسون «نيورومانسر» التي نُشِرت عام ١٩٨٤. وبلغ صنف السايبربنك ذروته في عَقد التسعينيات مع أعمال بروس سترلينج، وويليام جيبسون، وبات كاديجان، ومليسا سكوت، ونيل ستيفنسون، وغيرهم. أجمل بروس سترلينج، محرِّر أول مجموعة من مُقتطفات السايبربنك بعنوان «نظارات عاكسة» (١٩٨٦)، الموضوعات الأساسية في السايبربنك فيما يأتي:
- غزو الجسد من خلال الأطراف الاصطناعية (التكنولوجيا «في الأحشاء»: سترلينج ١٩٨٨أ).
- التعديل و/أو التغيير الوراثي.
- الدارات المزروعة.
- الجراحات التجميلية.
افترض سترلينج أن السايبربنك وسَّع اهتمامات السرد التخيُّلي العلمي، مع إضافة عناصر ثقافية مضادَّة، مثل فيديوهات موسيقى الروك والاختراق الإلكتروني بوصفهما موضوعين، إلى المزيج (سترلينج ١٩٨٨أ). والسايبربنك هو التعبير الأدبي عن كلٍّ من ثقافة مضادة ذات فكْر (وتسيير) تكنولوجي، وخُلُق (أو فلسفة، إن كنت تفضِّل ذلك) لما بعد البشرية.
يُعامل السايبربنك التكنولوجيا على أنها مدمَجة في الحياة اليومية. ويرفض، عمليًّا، «النخبوية التكنولوجية»؛ ولذلك يُصبح حركة ثقافية مضادة.١ الموضوع الأساسي هو الطابع الشعبي والاستهلاك الجماهيري للتكنولوجيا العالية؛ حيث يمتلك المخترقون والبائعون برمجيات معقدة كانت حكرًا على الشركات العملاقة في وقتٍ ما، ويستخدمونها ويوزعونها.
يَمزج السايبربنك الأجناس الأدبية؛ السرد التخيُّلي العلمي الكلاسيكي، والقصة البوليسية، والخيال الجامح والرومانسية، مشوشًا بذلك الحدود بين الثقافتَين الراقية والجماهيرية.
السايبربنك هو التعبير الأدبي عن فلسفة ما بعد البشرية؛ لأنه يناصر الرؤية بأن قيود الجسد يمكن تجاوزها. ومثل عمل ستيلارك وهندسة التبريد، يرى السايبربنك أن مظاهر الحياة البشرية مثل الكبَر، أو الوهن، أو العجز تختفي باستخدام الوسائل التكنولوجية. يبدو بُطلان الجسد وشيكًا في كل أعمال السايبربنك.٢
ما بعد البشرية
ما بعد البشرية هي وجهة نظر، وأيديولوجيا واعتقاد بأن قيود الجسد البشري — السن، والمرض، والمظهر، والإعاقة — يمكن التغلُّب عليها، وأن بالإمكان تضخيم قدراته — المظهر، والذكاء، والقوة، ومقاومة المرض — من خلال التدخل التكنولوجي.
(٢-١) تشويش الحدود
يعمل السايبربنك على نشر تصنيف جديد للبشر، مقترِحًا وجود السايبورج إلى الأبد.
يقترح السايبربنك أنواعًا فرعية جديدة من البشر؛ حيث تسقط حدود البشر/الآلة/الحيوان؛ وحيث يُتجاوز الجسد (على الأقل أثناء الوجود في الفضاء الإلكتروني). أبطال السايبربنك الذين يُمثِّل النموذج الأوَّلي منهم شخصية كيس في رواية جيبسون «نيورومانسر» هم في الغالب رعاع متمرِّدون، ماهرون في التكنولوجيا، يرتدون الملابس الجلدية، مُندمجون بسهولة مع الدارات الإلكترونية، وموصلون الأسلاك، ولا يَكُفُّون عن تناول العقاقير في أغلب الأحوال.
يستلزم السايبورج إعادة تعريف مفاهيم من قبيل «الطبيعة» والصنعة؛ فغير الطبيعي — عالم الآلات والتكنولوجيا — مدمج الآن في الإطار البشري، بينما يؤكد الاستنساخ وزرع الأعضاء سقوط التمييز بين «الأصل» و«الصورة»، وبين «الطبيعي» وغير الطبيعي/الاصطناعي. في السايبربنك، كل البشر ذوو أعضاء اصطناعية بطريقةٍ أو بأخرى؛ ولذا، فالسايبورجات لها مغزًى واقعي، مادي فيما يخصُّ الأجساد المصابة والعاجزة، والوظائف العالية المخاطر (ومنها الجنود)، والتدابير الجراحية.
السايبورج
يعني السايبورج — وهو مُصطلَح نحَتَه مانفريد كلايْنس وناتان كلاين عام ١٩٦٠ — كائنًا حيًّا شبه آلي. ويُشير إلى نظام بشري-آلي يُجمَع فيه بين الجسد البشري، وأحيانًا العقل، وبين الأنظمة التكنولوجية (بما فيها الكمبيوتر).
وتتبع ظهور ما بعد البشري والسايبورج مسائل أخلاقية أخرى. على سبيل المثال، ما مصير حقوق الإنسان في حالة ما بعد البشر؟ هل يستأهلون الحقوق نفسها مثل البشر غير المعدَّلين؟ يقترح كتاب كريس هيبلز جراي، المعنون «ميثاق حقوق السايبورج» (٢٠٠١)، سلسلةً من التعديلات لمواءمة الخصائص المعدَّلة للأجساد ما بعد البشرية. أما بول لوريتزن، فيعتقد — إذ يكتب عن أبحاث الخلية الجذعية وحقوق الإنسان — أن «علم الأحياء الجديد يُهدِّد التزاماتنا الأخلاقية القائمة» (٢٠٠٥: ٢٨). ويُوضِّح أندي مِيَا وإما ريتش أن بيان جراي يَستعين بمفهوم السايبورج من أجل «مخاطبة اهتمامات الجماعات الهامشية التي لا يُعطى لبشريتها الاعتراف الأخلاقي أو القانوني الكامل» (٢٠٠٨: ١١٣). هذه جميعها مسائل متعلقة بالعدالة، والمسئولية السياسية، وحقوق الإنسان في عصر ما بعد البشرية. إذا كانت حقوق الإنسان تعتمد على تقليدٍ سرديٍّ الإنسان فيه مُعرَّف، فأنا أفترض أن مثل هذا التقليد مُطبَّق بالفعل حيث يطالب السايبورج وما بعد البشر بالحقوق، ويتمثَّل في اتجاه السايبربنك، والنصوص من قبيل رواية ماري شيلي بعنوان «فرانكنشتاين» (١٨١٨)، وأفلام السايبورج (نايار ٢٠٠٨إ).
(٢-٢) الجسد
في رواية ويليام جيبسون «الحصيلة صفر» يُعاد صوغ الجسد البشري بهذه الطريقة:
استنسَخوا مربعًا من الجلد من أجله، ونَمَّوْه على شرائح من الكولاجين وسكريدات غضاريف القرش المتعددة. اشتروا العينين والأعضاء التناسلية من السوق المفتوحة. (١٩٨٦/ ١٩٩٤: ٩).
غالبًا ما يظهر الجسد وكأنه سجْنٌ في السايبربنك. ويُربط التركيز على العقل والوعي، اللذَين يمكن مدُّهما إلى عوالم ومناطق زمنية أخرى، بموضوع «الجسد المحدود». يجب أن يُرقَّى الجسد لكي يسمح للعقل بالأداء الكامل. ومن هنا يصبح الجسد بيولوجيًّا أو أصيلًا بقدْر أقل فأقل، وتخليقيًّا، وبلاستيكيًّا، وإلكترونيًّا بقدْر أكبر فأكبر.
(٢-٣) التناسل
بطبيعة الحال يَفترض التصنيف الجديد للبشرية — الذي يتضمن أنواعًا فرعية جديدة وناشئة — إمكانيةَ ظهور طريقة حياة جديدة بالكامل. دائمًا ما افتُتن أدب الخيال العلمي بموضوع التناسل، لكلٍّ من البشر والغرباء، ويكون تهديد الإنسانية ناجمًا مرارًا من استيلاد الغرباء (الذي استهلَّتْه رواية ماري شيلي «فرانكنشتاين»). مخاوف بروس سترلينج الأدبية الخيالية المُتواصلة المتعلِّقة بالشيخوخة والاستمرارية (كما في رواية «النار المقدسة» (١٩٩٧)، على سبيل المثال) هي امتداد لموضوع الموت، المتصل هو نفسه بمسألة التناسل.
تكاثر الغرباء في ثلاثية أوكتافيا بتلر التي تدور حول اختلاف النسل الأصل («الفجر» (١٩٨٧)؛ «طقوس المراهقة» (١٩٩٨)؛ «إيماجو» (١٩٨٩))؛ وكتاب مارجاريت أتوود بعنوان «أوريكس وكريك» (٢٠٠٣)؛ وموضوع السايبربنك نفسه عن الاستنساخ؛ كل ذلك يتعامل مع إمكانيات التغلُّب على الموت من خلال التناسل المعزَّز بالآلات.
يبدي السايبربنك قلقًا ثقافيًّا واضحًا، ليس فقط بشأن الأشكال الجديدة من البشر، الناشئة من خلال الأفعال التكنولوجية، ولكن أيضًا بشأن الانقراض المُمكن للأنواع البشرية كما نعرفها. هل ستَتناسل هذه السلالة من الوحوش وتحُل محل البشرية، محيلة البشر إلى عبيد أو إلى ما هو أسوأ؟
(٢-٤) الزمن والفضاء
يفكك السايبربنك الأفكار التقليدية عن الزمن والفضاء. ينزلق الزمن الحقيقي تحت الزمن الإلكتروني، مع إبطاءات، وحركات مسرَّعة، وطبيعة سريالية للتفاعل مع البث المسجَّل سلفًا المؤجل للرسائل/الصور/المحادثات. كايس في رواية جيبسون متحير في أغلب الوقت بعد إقامته المؤقتة في الفضاء الإلكتروني؛ بينما كان «جسده اللَّحمي» في الزمن والمكان الفعليَّين، كان وعيُه يجوب مكانًا آخر. يؤكد موضوع الزمن والفضاء السُّرياليَّيْن أن التمييز بين العالَمَين الواقعي وغير الواقعي يتهاوى. ويتشارك السايبربنك هذه السمة مع السرد التخيُّلي ما بعد الحداثي لويليام بوروز وتوماس بينشن، الذي يَندمِج فيه الواقع كما يُعرَّف ويُنَظَّم بزمن الساعة والمكان اندماجًا مرتبكًا مع «نسق» آخر للواقع.
(٢-٥) البيئة
الجو السُّريالي في السايبربنك والأفلام من قبيل «الراكض على حدِّ النصل» (بلايد رنَّر) أو «المصفوفة» (ذا ماتريكس) هو المسئول عن مناخ جديد بالكامل: مناخ ما بعد نهاية العالم بما يَنطوي عليه من انعدام القانون، ومصالح الشركات القوية، وسيطرة برامج الكمبيوتر، وشيء من المقاومة. يعني تلاشي الحدود بين العوالم الواقعية والإلكترونية أن مسألة الداخل/الخارج تَتهاوى أيضًا. البشر مندمج في بيئة، حتى بينما تدخل البيئة البشر من خلال الشبكات الإلكترونية. يشغل الجسد «كونًا أعلى» («ميتافرس»، وهو مُصطلَح يعود لنَيل ستيفنسون من رواية «انهيار ثلجي»، ١٩٩٣)، كونًا إلكترونيًّا سُرياليًّا، هذيانيًّا. يتضاعف هذا الكون ويتوسَّع توسُّعًا استثنائيًّا في اتجاهات كثيرة، مُظهرًا بذلك السمات التي يتميز بها كائن حي. يمزج السايبربنك البيانات الإلكترونية، والخرائط المنتَجة بالكمبيوتر، والمكانية البشرية بوصفها سمات تشغل عوالم لا هي هنا ولا هي هناك، بل هنا وهناك في آنٍ واحد.
(٢-٦) المعلومات
موضوع المعلومات بالغ الأهمية للسايبربنك كله؛ جمعها، والتحكُّم بها، ونشرها. ويبدو هذا الموضوع طبيعيًّا في عصر معلوماتي؛ حيث يكون النوع الصحيح من البيانات ثمينًا أو خطِرًا؛ فالمعلومات الشخصية، من قبيل تفاصيل بطاقة الائتمان أو الموقع المادي تتعرَّض باطِّراد للانتهاك والسرقة. تقع الأسرار الصناعية والعسكرية مع الأسرار المالية في مستوًى واحد، وكل شيء معرَّض بالطبع للاختراق المحتمَل؛ لأن المعلومات تخضع في لحظةٍ ما في تَرتيبها وبثِّها للحَوسَبة. هذا الارتباط بين حفظ المعلومات وبين إساءة استغلالها هو ما يُثير اهتمام السايبربنك.
لذا، تُعَدُّ الكمبيوترات أهم عناصر السايبربنك. والسيطرة على الكمبيوترات وبنوك بياناتها هي الموضوع الأساس في كثير من أدب السايبربنك؛ لأن المعلومات يُمكن التلاعب بها والإحساس بها في الزمن الواقعي «نتيجة» ذلك. وتعني إمكانية تغيير الهُويَّات التعريفية في الفضاء الإلكتروني أن الجسد البشري في العالم الواقعي يُمكِن أن يحس بواقع مختلف — حالَما تُبدَّل هُويته على الإنترنت أو في بنك البيانات أو تُسرَق، تتبدَّل هُوية حياته الواقعية. ويُثير التوسُّع في استخدام الكمبيوتر، كما يفترض السايبربنك، خطر تغيير الواقع من خلال تغيير البيانات.
(٢-٧) السايبورج
بين البشر والآلة، يكتشف السايبربنك فئة ثالثة، يبدو أنها تشترك في سمات الاثنين، وقادرة على تخطيهما؛ ألا وهي السايبورج.
السايبورج في السرد التخيُّلي للسايبربنك، وألعاب الكمبيوتر، والأفلام؛ محل افتتان وقلق معًا. (في الحقيقة، إذا كان السايبورج هو توليفة من الإنسان والآلة، فحتى لاعبو ألعاب الكمبيوتر هم بشر سايبورج، بما أنهم موصولون، من خلال دائرة تحكُّم آلي، بالآلة وبيئة اللعب.) أما الافتتان، فلأن جسد السايبورج تجاوز حدود الجسم البشري، سواء شوارزينجر المزود بعضلات حديدية في فيلم «المبيد» (تيرمناتر)، أو جسم لارا كروفت المبالَغ في إبراز ملامحه الجنسية في لعبة الكمبيوتر المسماة باسمها. وأما القلق، فيستثيره السايبورج لأن التحكُّم البشري بالرقاقة أو بالشبكة يبقى محل شك. وبينما تزداد السايبورجات شيوعًا، يقلق السايبربنك بشأن استحالة التمييز بين البشر والآلات.
يُؤكَّد هذا القلق في تصوير السايبورج على أنه آلة جافة قاسية، تفتقر للمَلَكات البشرية مثل «المشاعر». ومما يعزِّز هذا القلق أن السايبورج مقيَّد ببرمجته — فلا يستطيع على سبيل المثال أن يُحطِّم مُنشئه حتى لو أراد ذلك. تُحرِّك السايبورجات دوائرُهم الإلكترونية ورقاقاتهم ليؤدوا أجنداتهم، وبينما قد يستطيعون تقليد تعبيرات البشر العاطفية، ويَصُوغون رسائل «مسجلة» عاطفية، فهذه تعبيرات فارغة. يفترض السايبربنك أن افتقارهم للمشاعر هو ما يجعلهم غير بشريِّين. وإضافة إلى هذا، بالطبع، يحاول السايبربنك أن يُعرِّف البشر بأنه كائن عاطفي (يجدر تذكُّر الأنسنة المتزايدة للسايبورج في الجزأين الثاني والثالث من فيلم «المبيد»). وإجمالًا، يُعنى السايبربنك بالتكنولوجيا الراهنة من حيث السؤال الفلسفي الذي تُثيره: ما الذي يجعلنا بشرًا؟ التفكير؟ المشاعر؟ تبدو السايبورجات أجسادًا خالصة مع قليل من العقل (باستِثناء الرقاقة المبرمجة سلفًا)، وبلا «روح». والمفارقة أن هذا يهدم موضوع التجاوُز الجسدي (هولاند ١٩٩٨).
ومن علامات القلق الثقافي من الأزمنة أن معظم أفلام السايبورج ينتهي بانتصار «البشر». يجب إخضاع الآلة أو غير البشري أو «إقالتها» (اللفظ المُستخدَم في «الراكض على حدِّ النصل»). ولذا من المُثير للاهتمام ملاحظة التغيُّر من «المبيد ١» إلى «المبيد ٢». في الجزء الثاني يُؤمر تي ٢ من جانب قائده كونر (في عام ٢٠٢٩) بالعودة إلى عام ١٩٩١ حتى يستطيع «كونر» الاحتماء مِن الإبادة؛ فيُعهَد للسايبورج بواجب حماية البشر، على نحوٍ يَسِم السايبورج أو الآلة مرة أخرى بأنها خادمة للجنس البشري.
(٢-٨) الأبعاد السياسية للسايبربنك والاستجابة النسوية
يشي معظم نصوص السايبربنك برابطة ماكرة وشريرة بين الدولة، والتكنولوجيا، والرأسمالية. وتُربَط المعلومات ذاتها بالاقتصاد الرأسمالي للعصر الجديد في السايبربنك؛ ولذلك يَحظى الاختراق، الذي يُفسِد حلقة الوصل بين المعلومات وتكنولوجيا الكمبيوتر والرأسمالية، بأهمية بالغة لموضوع القوة في السايبربنك؛ ولذلك فالاختراق الذي يُمكِن ربطه أيضًا بحركة المصدر المفتوح التي تقاوم السيطرة على المعرفة أو برامج الكمبيوتر، هو موضوع سياسي رئيسي في السايبربنك.
ومع هذا، تَشي أبعاد أخرى للسايبربنك بسياسة أكثر محافَظة. التركيز على العلامات التجارية، والمنتجات الاستهلاكية — من لوحات المفاتيح إلى المظاهر — يوحي بأيديولوجية استهلاك «رأسمالي». أخيرًا، فإن عالم النوع هو ما يُصبِح فيه معظم الفكر المحافظ جليًّا.
يُنشئ السايبربنك سايبورج فحلًا. وتفترض الناقدات النسويات (مثل سينثيا فوكس ٢٠٠٣) أن السايبربنك يُجسِّد «هستريا ذكورية» معيَّنة حول قضايا التناسل البشري والهُوية الذكورية. غالبًا ما يُشكِّل الملوَّنون والأقليات والنساء الطبقةَ الدنيا في السايبربنك، المحرومةَ من التكنولوجيا. ومما يجدر ذكره أن اليابان وغرابتها التكنولوجية تَبْرُز على نحوٍ مهيمن في السايبربنك، غالبًا في هيئة ند خسيس للبطل الأورو-أمريكي. تَصير التكنولوجيا علامة مُميِّزة للاختلاف الاجتماعي وحتى العِرْقي، ويحتل السايبربنك النسوي موقفًا تنشد فيه النساء السيطرة على التكنولوجيا من أجل بقائهن. ويكشف النقد النسوي كون هذا الجنس الأدبي تعبيرًا أدبيًّا عن الظروف الاجتماعية الواقعية للتَحيُّز على أساس الجنس، والأبوية، والاستغلال، والظُّلم. يعتقد الكُتَّاب النسويون (كادورا ١٩٩٥؛ فلانجان ٢٠٠٢؛ هاراواي ١٩٨٥؛ هاربر ١٩٩٥) أن السايبربنك يُظهر الأحكام المسبقة الثقافية الاجتماعية القائمة والأيديولوجيات في صورة بِدَعٍ تكنولوجية جديدة.
يفترض السايبربنك النسوي أن النساء خبرن تاريخيًّا التكنولوجيا والرأسمالية والحرب بطريقةٍ جد مختلفة عن الرجال، وأن هذه الخبرة لم تَلقَ تعبيرًا في السايبربنك السائد «الذكوري». ويستلزم هذا جِنسًا أدبيًّا جديدًا يبرِز خبرة النساء بالتكنولوجيا العالية. يبدأ السايبربنك النسوي بافتراض أن السايبربنك يعزِّز التفاوتات القائمة المُستندة إلى النوع. ويبرز هذا الجنس الأدبي التكنولوجيا في الظروف المادية للعالم الواقعي الذي تتركَّز فيه السيطرة على التكنولوجيا في الأيدي الذكورية والرأسمالية، وتخدم أغراض الاستغلال القائم على أسسٍ عنصرية ونوعية اجتماعية. حينما لا يكون السايبربنك النسائي جزءًا من الطبقة الدنيا، يُصبح رمزًا ﻟ «الآخر» الغريب (سأعود إلى هذا الموضوع لاحقًا)؛ حيث تَبقى المرأة دومًا في الخارج بوصفها مصدرَ تهديد. يعكس السايبربنك النسوي هذه الثنائية، مفترضًا أن جعل المرأة «آخر» هو في الواقع نسخة من الهستريا الذكورية التي يُخشَى فيها من «الآخر» العِرقي. يَضع السايبربنك النسوي الروبوت أو السايبورج الأنثى في فئةٍ تقع خارج مثل هذه الثنائيات من قبيل المحلي/الأجنبي، والأبيض/غير الأبيض، والذكر/الأنثى.
تَقْلِب بات كاديجان، وماري روزنباوم، ومليسا سكوت على نحوٍ مثيرٍ للاهتمام، موضوعَ السايبربنك التقليدي المُتمثِّل بالتجرُّد من الجسد، وبالذاتية الموزَّعة (انظر الفصل الثالث عن الجسد). ويعيد السايبربنك النسوي تأكيد الجسد، انطلاقًا من افتراض أن التجزُّؤ والتجرُّد ينكران على المرأة جسدها، إلا بوصفه جسدًا هامشيًّا، وملونًا، وخاضعًا. نادِرًا ما يُعرِّف السايبربنك الذكوري «راعي البقر في منصات الألعاب» على أنه «ذكر أبيض»؛ لأنه يُفترَض أن الأجساد الذكرية البيضاء هي الأصل. أما السايبربنك النسوي فيضع جسد المرأة في المركز من أجل استِكشاف خبرة المرأة بالتكنولوجيا.
يُنكِر تشتُّت الذات — كما افترضه السايبربنك المحافظ وصبغه بصبغة خيالية — على المرأة «فاعليتها» بصفتها ذاتًا. لا يمكن للمرء أن يتجاوز لون بشرته أو جسمه المادي؛ لأنهما يظلان هما محلَّ الاستغلال والتمييز في العالم الواقعي. ما نحتاج إليه هو تكرار الجسد الأسود أو الأُنثوي، ولكنه تكرار يسعى إلى ذاتية وفاعلية مجسَّدتَين. وهو يستلزم علاقة مختلفة بالتكنولوجيا، تُطوِّع فيها المرأة التكنولوجيا لأغراضها.
(٣) الألعاب
من «سبيس وور» (١٩٦٢) إلى ألعاب تأدية الأدوار على الإنترنت للاعبين المُتعدِّدين ذات الطابع الجماهيري الحالية، لعبة الكمبيوتر هي أشهر تطبيق للتكنولوجيا الرقمية على الإطلاق، بل إن صناعة الألعاب تفوق صناعة الفيديو المنزلي التي تبلغ قيمتها ٢٠ مليار دولار. حينما أُطلِقت لعبة «هالو ٢» في نوفمبر ٢٠٠٤، حصدت ١٠٠ مليون دولار في اليوم الأول وحده (وحصدت لعبة «سبايدر مان ٢» ٤٠ مليون دولار) (نيكولاس وزملاؤه ٢٠٠٦: ٥). صناعة الألعاب واستخدامها الشعبي كبيران الآن بما يُبرِّر إقامة فعالية للألعاب الإلكترونية العالَمية يُشارك فيها مشاركون من أكثر من مائة دولة.
ما يأتي هو «أصناف» اللعب المقبولة:
- الاستراتيجية («روم: توتال وور»، «باتل فور ميدل إيرث»، «رولر كوستر تايكون»).
- التصويب من منظور اللاعب («هالو ٢»، «ريترن تو كاسل وولفنستاين»).
- ألعاب المنصَّات («ماريو»، «ريمان»).
- الرياضة (فيفا).
- المحاكاة (إف إس فلايت فنشرز).
- القيادة (جراند ثيفت أوتو).
- الحركة/المغامرة («لارا كروفت»: «تومب ريدر»).
- ألعاب تأدية الأدوار (وورلد أوف ووركرافت).
- الإدارة (ذي سيمز ٢).
- الضرب الْمُبَرِّح (مورتال كومبات).





