مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات علمية

مقدمة إلى وسائل الإعلام الجديدة والثقافات الإلكترونية✍برامود كيه نايار-ترجمة جلال الدين عز الدين علي 

أثمرت دراسات استخدام الألعاب التي تدور حول النساء والبنات وتأثيرها عليهن نتائج مهمَّة. وكان للتحوُّل من ألعاب الأركيد إلى الأجهزة التي أمكن تنصيبها في المنزل، آثار في استهلاك الألعاب، مُرتبِطة بالنوع؛ لأن ألعاب الأركيد كانت في أساسها مناطق ألعاب «الأولاد»، ومكَّنَت الأجهزة المنزلية المزيد من البنات من لعب الألعاب وهن ناعمات بالأمان والراحة في منازلهن/غرفهن (جوين ٢٠٠٤). ما إذا كان هذا علامة على تحوُّل من نمط عام نسبيًّا من الترفيه (مشاركة فضاء ألعاب الأركيد مع كثير من المراهقين الصارخين المتعرِّقين المنغمسين في اللعب) إلى نمط أكثر فردية (محاطات بأسباب الراحة في المنزل) هو نقطة جدلية؛ لأن ألعاب الإنترنت وألعاب تأدية الأدوار القائمة على الحركة الحية تُجسِّد خبرة اللعب الاجتماعية والجمعية بالفعل.

وتظهر الدراسات التجريبية أن ألعاب الفيديو نفسها حلَّت محل أشكالٍ أخرى من الترفيه للرجال (سلوكومب ٢٠٠٥). ركَّزت هذه الدراسات على «تمثيلات» النساء في هذه الألعاب (كما رأينا أعلاه) أو على «اللاعبات». وفيما يخصُّ النساء البالغات، قدَّم اللعب أنواعًا أخرى من الفرص. أدمجت النساء الألعاب في حيواتهنَّ اليومية؛ إذ وظَّفْنها بوصفها أساليبَ لتعريف أنفسهن. وأسهمت المخاطر المخاضة، والمنافَسات الخائبة، والانتصارات المكتسبة إسهامًا كبيرًا في إحساسهن بالذات. وهكذا تستمتع «لاعبات القوة» — فئة من النساء اللاتي هن لاعبات مُنتظِمات ومُتمكِّنات — بالمهارات المضافة، والمنافَسة، و«اقتحام» مناطق (لعبة) الذكر. وكما يُبيِّن رويز وزملاؤه (٢٠٠٧)؛ فالألعاب هي، بوضوح، «تكنولوجيات للذات القائمة على النوع»؛ حيث يُظهِر انهماكِهن في ثقافة الألعاب أيضًا تأثيرات على حيواتهنَّ «الواقعية» بطرقٍ مهمة؛ فالانتصارات في ساحة الألعاب ومُغامرتها تُغيِّر إحساس اللاعبة بذاتها وبقيمة ذاتها، ويُحدِث هذا اختلافًا في هُويتها في العالم الواقعي ومساوماتها معه. اجتاحت سياسة عنصرية مجال اللعب — من حيث كلٍّ من اللاعبين وعالم الألعاب الافتراضي. بيَّنت دراسات السوق المعاصرة — من قبيل مسح نيلسن إنترتينمنت عام ٢٠٠٥ عن اللاعِبين النَّشِطين — أن اللاعبين السود واللاتينيِّين يُعَدُّون سوقًا ناشئة للألعاب (بي آر نيوزواير ٢٠٠٥). وحينما أُقيم معسكر تدريب للاعبي الفيديو (الأكاديمية الحضرية للألعاب الفيديو) في مدرسة بواشنطن العاصمة، كانت الإحصائيات مُثيرة للاهتمام، كانت الأغلبية من الأمريكيِّين ذوي الأصول الأفريقية، والبقية من اللاتينيين، وكان الثلث تقريبًا من البنات (فارجاس ٢٠٠٥).

لوقتٍ طويل، ظلَّت الشخصيات السوداء قليلة في الألعاب. وحينما بدأت في الظهور، كانت في أغلب الحالات تُمثِّل «الأشرار» الذين كان يجب اعتقالُهم وإبعادهم من أجل سلامة النظام الاجتماعي. وكشفت الدراسات أن طبيعة الشخصيات السوداء في الألعاب الموجَّهة إلى الأطفال شُوِّهت؛ كانت الإناث الأمريكيات من أصول أفريقية أكثر تعرُّضًا للعنف، ونادرًا ما كنَّ يَمِلن إلى الأنين في ألمٍ، موحيات بذلك بمزيد من التسامح مع العنف (تشيلدرن ناو ٢٠٠١؛ كيلمان ٢٠٠٥). وحتى الخطابة النَّقدية عن ألعاب الفيديو تتحدَّث عن «الجبهات النهائية»، والغزوات الجديدة، والحدود في خطاب الاستعمار (الذي كان له أساس عِرقي بالتأكيد) (انظر على سبيل المثال جنكينز ١٩٩٨).

كانت الشخصيات السوداء غائبة في ألعاب الرياضات المتطرِّفة مثل «ديف ميرا» أو «آمبد»، وفي ألعابٍ أخرى، مثل «إس إس إكس» و«بي إم إكس»، نُمِّطت الشخصيات الملوَّنة: راقص الهيب هوب الأسود، المرأة الآسيوية الفاتنة، والمرأة اللاتينية التي تضع وشومًا حربية. تلقَّت ألعاب مثل «شادو وورير» (١٩٩٧) لأسباب مُماثلة انتقادات على «إضفائها صبغة إرهابية على الشخص الآسيوي» (أو ٢٠٠٠: ٥٤)؛ إذ تتَّفق الذكورية الطافحة للشخصيات الذكرية، وانحرافها عن القواعد الاجتماعية، واختيالها في مثل هذه الألعاب مع الصورة الشائعة (ليونارد ٢٠٠٥). وعلاوة على ذلك، فحتى فضاءات السود — المَعازل — مكرَّسة في كثير من هذه الألعاب (ليونارد ٢٠٠٥: ١١٨).

(٤) فن الوسائط الجديدة

الأفلام على الهواتف المحمولة، والمرئيات على الكمبيوترات المكتبية، والموسيقى على الإنترنت، وهاتف الإنترنت، والنصوص الأدبية بصِيَغ الرسائل النصية القصيرة؛ كلها صور جديدة من المرئية والسمعية والنَّصية واللَّمسية تُشكِّل التحوُّل الثقافي الإلكتروني. وهذه هي أيضًا أشكال «يُنتجها المُستخدِم» في الغالب. تَمنح «ثقافة التلاقي»، كما يُسمِّيها هنري جنكينز (٢٠٠٦ب)، داخل الثقافات الإلكترونية قدْرًا هائلًا من القدرة للمُستخدِم ليصمم الواجهات التفاعلية، والجماليات، والتعديلات داخل عالم الكمبيوتر.

أصبح فن وسائل الإعلام الجديدة تَجليًا مهمًّا لمثل هذه الأدوات التي ينتجها المستخدِم، وتُشكِّلها التكنولوجيا.

يُبدِّل فن وسائل الإعلام الجديدة جوهر الجمهور و«النص». يمكننا أن نشعر في النصوص التشعبية بلغة شاملة؛ تتمثَّل في عروض الواقع الافتراضي مع المَشهد المرئي، والموسيقى، والأُغنية، والنص، والرقصة. ويَستغلُّ الشِّعر المرئي، مثل ذلك الذي كتبه جون كايلي، الترتيبات المكانية والجغرافية للكلمات على الشاشة؛ ومن ثَمَّ يؤثِّر في خبرتنا ﺑ «القراءة». وتَمنح برامج الكمبيوتر المتعلِّقة بالفن — مثل «ذي إمبرناننس إيجنت» الذي راقب تصفُّح المستخدم للويب ليُنشئ أعمالًا فنية مخصصة — بُعدًا جديدًا كاملًا لفكرة النص والتأليف. سرعة الزوال، وحرية القارئ، والنص المَنزوع المركز، وحس اللعب والعشوائية، والقراءة السائلة، والحركة المتقطعة للنص التشعبي (ريان ١٩٩٩: ١٠١-١٠٢) كل ذلك يُشكِّك في التصوُّر الأساسي للأدب باعتباره عملًا نابعًا من المؤلِّف. وكما بيَّن عمل ليف مانوفيتش (٢٠٠١) المبدع، فلغة الوسائط الجديدة مبنية على قواعد البيانات أكثر منها على السرد (وهو ما يُوحي بترتيب قائم على علاقة السبب-الأثر)، وتنقُّلات المستخدِم من صيغة إلى أخرى.

(٤-١) النصية الرقمية

تُشير «النصية الرقمية» إلى مُجمَل الصيغ، والسجلات، والنُّظم الدلالية المرئية في الوسائط الجديدة. تَبني تكنولوجيات وسائل الإعلام الجديدة نصًّا جديدًا، ليس فقط من خلال «الاستيعاب والتحويل للنصوص الأخرى، ولكن أيضًا من خلال دمج كلية النصوص الأخرى (التناظُرية والرقمية) بسهولة فيما هو جديد» (إفريت ٢٠٠٣: ٧). تُعامِل النصية الرقمية كلَّ نصٍّ بوصفه واجهة تفاعلية لكثير من «أشكال» النصوص؛ المرئية، والسمعية، والمتحرِّكة. كانت واجهة المُستخدِم التفاعلية الرسومية نقلةً نحو نوعٍ من الواجهة تُقسَّم فيه شاشات الكمبيوتر إلى نوافذ عدَّة، كلٌّ منها مصدر مُمكن للتفاعل المستقل. والآن، مع كون مدخل الصوت وبث الفيديو مُتاحَيْن أيضًا على سطح المكتب، مرة أخرى في شكل نوافذ، تكون واجهة المستخدِم التفاعلية أكثر من مجرد «رسم».

يُمكن أن يتخذ فن الوسائط الرقمية أو الجديدة أشكالًا عدة؛ حيث يجمع كل «موضوع فني» بعينه أشكالًا عدة من الوسائط.

النصية الرقمية

تُشير النصية الرقمية إلى تلاقي أشكال عديدة من الوسائط في العصر الرقمي؛ حيث يُمكن النفاذ في وقتٍ واحد إلى المطبوعات، والصوت، والفيديو، والرسوم، وتشغيلها من خلال برنامج كمبيوتر واحد مشترك.

والنصية الرقمية هي مثال للتلاقي الذي يَعني، كما رأينا، اجتماع أنواع كثيرة من الوسائط على منصَّة مشتركة. ومع ذلك، كما يُشير بولتر وجرومالا (٢٠٠٣: ١٠٠)، فما لدينا ليس تلاقيًا واحدًا ولكنه مجموعة من التلاقيات؛ حيث تترافق التكنولوجيات ترافقًا مؤقتًا (الكمبيوتر المحمول الذي يُشغِّل الأقراص المرئية الرقمية، والكمبيوترات الكَفِّية التي بها مفكرات، وآلات حاسبة، وساعات، وأجهزة الآي بود التي تعمل عمل الراديو، والهواتف المحمولة التي تعمل عمل أجهزة عرض الأفلام). ما نراه في التلاقي هو نزعة للتصغير؛ حيث تصبح أشكال تكنولوجية كثيرة أصغرَ لدرجة أن تتمكَّن الواجهة التفاعلية/الكمبيوتر الشخصي من استيعاب وظائف أكثر فأكثر.

من النقاط التي أغفَلَها بولتر وجرومالا في مناقشتهما المُتبصِّرة في مواضع أخرى، أن التلاقي يشتمل أيضًا على تلاقي التكنولوجيا «داخل الجسد البشري». فجسد الزائر/المشاهد هو محلُّ تأثير التكنولوجيا. يبني المشاهدون الفن من خلال تفاعلهم مع التكنولوجيا. وتتمدَّد حدود الموضوع الفني إلى الخارج وتَنتقِل إلى داخل جسد المشاهد. ويتصدَّع الخط الفاصل بين الموضوع والمُشاهد، حينما تقرِّر أفعال المشاهد وسلوكه طبيعة الموضوع.

(٤-٢) فن الجمهور النشط

في الأشكال الفنية المعاصرة، تضمن الكمبيوترات، والمُستشعرات، والتكنولوجيا الرقمية علاقة إسهامية بين الموضوع الفني وبين المُشاهِد. تُقدِّم مثل هذه الأشكال نسقًا مختلفًا من المجتمع ومن التفاعل الاجتماعي في عوالم مُتزايدة التشظِّي. في عصر الفردية، والأعمال الانفرادية، تُقدِّم مثل هذه الأشكال الفنية تفاعلًا اجتماعيًّا مثيرًا للاهتمام مع الفن والفنان.

في العمل الفني المركَّب «ذي ليجيبل سيتي» (١٩٨٨–١٩٩١) كانت الأحرف الثلاثية الأبعاد تُشكِّل الكلمات والجمل، بينما يجوب المستخدِم مدينةً افتراضيةً على دراجة ثابتة. وفي «المعمار الرشيد» لرفائيل لوزانو-هيمر، ضُخِّم المعمار المادي باستخدام معمار افتراضي، بينما ركَّب عمله المُعنوَن «ديسبليسد إمبرورز» (١٩٩٧)، المصمَّم لإعادة تشكيل لينتس كاسل، إمبراطوريةَ الأزتيك (التي حُفظ تاجها المصنوع من ريش الكويتزل في المتحف الإثنولوجي في فيينا) على الإمبراطورية المكسيكية. وبدا أن تحرُّكات الزوار، المتتبَّعة باستخدام مُستشعرات الحركة، تغلغلت في الأجزاء الداخلية التي كانت منعكسة حينئذٍ على بناء القلعة. وتمكَّن الجمهور أيضًا من استحضار غطاء الرأس المريش من خلال أزرارٍ موضوعة على منصات البناء المختلفة. أما عمل «أدريفت» (١٩٩٧–٢٠٠١) لجيس جلبرت، وهيلين ثورينجتون، ومارك ولتشاك، وغيرهم، فمزج فضاءات واقعية وافتراضية. مثل هذه الأشكال الفنية تُنعِش الجمهور؛ ومن ثَمَّ أمكن وصفها بأنها «فن الجمهور النشط».

في أنواعٍ معينةٍ من فن التركيب تُثير الكمبيوترات استجابات من الأجسام الجامدة، استجابات محكومة بحضور الجمهور أو تحرُّكاته. في تركيب «أوتوبويسيس» (٢٠٠٠) لكينيث رينالدو، أُدْلِيَتْ ١٥ منحوتة ذات هياكل شبيهة بالأذرع من السقف. راقبت المُستشعراتُ داخل الأذرع حركةَ الزائرين، واستجابت وفقًا لها. كما تواصلَت الهياكل أيضًا فيما بينها من خلال كمبيوتر موضوع في المركز حتى إنَّ الهيكل بأكمله عمل مثل كائن حي، مُستجيبًا للبيئة.

أما عمل «تكست رين» الفني فقد بَنى (٢٠٠٠) على التفاعل بين جسد المُشاهد والمعروض. تقف الزائرة أمام الشاشة، بينما تَلتقِط كاميرات الفيديو وجهَها وصورتها الظلية وتُسقَط على الشاشة البيضاء والسوداء. ويَصحب هذا دفْق من الحروف الملوَّنة، تسقط كالمطر من أعلى الشاشة. وكلما لمَست الحروف صورة المشاهدة، توقفت عن السقوط، ولم تتحرَّك إلا حينما تتحرَّك المُشاهدة. يدعو المعروض المشاهدين إلى تشكيل أشكال من الحروف من خلال الحركة.

لم يَعُد الجمهور أو المُشاهِد سلبيًّا؛ فهو «مُستخدِم» يخلق العمل الفني من خلال الاستخدام. وكما يفترض ديفيد مارشال (٢٠٠٤)، فنحن بحاجة إلى مقارَبة ﻟ «الجمهور النشط» لكي نميِّز السمات الإنتاجية لاستهلاك الوسائط. وكما لحظنا بالفعل، فالمقارَبة التفاعلية في فن الوسائط الجديدة المعاصر تعني أن شكل الموضوع الفني ومحتواه يُحدِّدهما المستخدِم الذي يكون بذلك منتجًا نشطًا أكثر منه مستهلكًا سلبيًّا. كل الوسائط الجديدة تفاعلية، على معنى أن الموضوع الفني حساس لوجود الجمهور (اشتباك مع السياق)، حتى بينما يبني الجمهور شكلًا معينًا من الموضوع الفني.

ولذا، ففن الوسائط الجديدة كله «شخصي» كما أفترض؛ داخل حدود نظام البرنامج، كل مُستخدِم هو على الأقل منتج-فنان ولو جزئيًّا. وهنا يسقط التمييز بين الهواتف المحمولة، أو نغمات الرنَّات الشخصية، وأي موضوع فني «متاح»؛ فكلها «قابلة لاكتساب الطابع الشخصي» على السواء.

(٤-٣) إعادة الوساطة

الأعمال الفنية الراهنة من قبيل «تكست رين» أمثلة جيدة لإعادة الوساطة (بولتر وجرومالا ٢٠٠٣)؛ حيث تَنبثِق، كما رأينا، الوسائط الجديدة من القديمة. يمزج «تكست رين» بين الافتراضي والمادي. وفي فن التركيب الذي ناقَشناه أعلاه، نرى الفيديو يرافق الصور والصوت المسجَّلَيْن، ويُفعَّل كلٌّ منها ويُعدَّل من خلال حركات الجمهور. لا تُغيِّر نقرةٌ على فأرة أو حركة يد الزائر المحتوى فقط، ولكن أيضًا «شكل» الموضوع نفسه. سيولة الشكل في الفن المعاصر هي إعادة وساطة أيضًا، ولكنها إعادة وساطة نابعة من «الجمهور»؛ لأنها تُحيي أشكالًا أقدَم من تفاعل الجمهور-المؤدي (كما في حالة المغني الذي يصل إلى الجمع، أو متاحف الأشياء التي يصنعها المرء بنفسه، وخصوصًا للأغراض التربوية، وفي متاحف الأطفال).

(٤-٤) الحيوية

تخضع طبيعة العرض «الحي» نفسها للتساؤل مع أعمال فنية مثل فيلم «إمباير ٧ / ٢٤» (٢٠٠١) لوولفجانج ستيل. وهو عبارة عن صورة فوتوغرافية لمبنى الأمباير ستيت تلتقط ما يطرأ عليه من تغييرات في الضوء والظل على مَدار اليوم. وكما تُوضِّح كريستين بول، الصورة التي يُقدِّمها الفيلم هي من ناحية «حية»، ومن الناحية الأخرى منقولة (بوساطة الكاميرات). وكلٌّ من المعالجة وإضفاء الصبغة الجمالية والوساطة هي أمور مركزية في المشهد الذي نراه للمَبنى. ولكن المشهد يظل مع هذا حيًّا؛ لأننا لا يمكننا أبدًا أن نراه مرة أخرى إلا في هيئة تسجيل (بول ٢٠٠٣: ١٠٢–١٠٤).

الحيوية هي أيضًا أداء يتَّسم بقدْر معيَّن من غياب القدرة على التنبؤ؛ كما في تليفزيون الواقع الهَجين الذي يجمع بين المغامَرة والدراما، من قبيل برنامج «الناجي» (سرفيفور). وحينما تُصوِّت الجماهير لإخراج لاعب في برنامج «الأخ الأكبر»، فهم يشاركون في الطبيعة الحية للبرنامج. وفي حالة «تكست رين»، يحرِّك الجمهور الأداة، بقدْر ما تُحرِّك الأداة الجمهور. إنه فن «حي» تُيسِّره التكنولوجيا.

تُصبح مُتصفحات الإنترنت نفسها أكثر جمالية، بتغيير الطريقة التي تعمل بها الواجهة التفاعُلية. وتلك ظاهرة تُجسِّد أيضًا مفهوم «الحيوية» من ناحية التواؤم مع حركات المستخدِم وتفضيلاته من أجل التطوُّر. يتيح فن المتصفح، باستخدام برنامج «وبستوكر»، على سبيل المثال، للمستخدم بناء تشكيلة من المصادر أو المواقع المختلفة على الإنترنت. ويتجاهل برنامج «نتومات» صفحة المتصفح التقليدي وتنسيقه وحتى مصدر المادة، فيستجب لسؤالٍ ما عبْر البحث عن المحتوى في الشبكة العالمية، ثم تُقدَّم النص، والصور، والصوت بالتزامن على شاشة المستخدم، دون اعتبار لتنسيق مصدر المادة.

يُبرِز فن الوسائط الجديدة «تكرارية» الأداة؛ أي أنها موصولة اتصالًا وثيقًا بالعالَم الواقعي عبْر أجساد الجمهور، وإدراكاتهم، وحواسِّهم، وأفعالهم. ويَرفُض فن الوسائط الجديدة المعاصر فصل الأداة عن الجمهور الذي يُشاهِدها. والواقع أن ما يفعله فن الوسائط الجديدة هو نقل الأداة من كونها مجرد مشهد أو منظر إلى جعلها «بيئة».

الأداة هي البيئة التي يتحرَّك الجمهور من خلالها، وتتشكَّل الأداة-البيئة بفعل حركة الجمهور. و«التفاعُلية» هي هذه الرابطة المتبادَلة؛ تَجذُّر الأداة في الجمهور، وتَشكُّل خبرة الجمهور بفعل الأداة. وتُبرِز أشكال الفن التي تعتمد على الثقافات الإلكترونية مرةً أخرى حقيقة أنه لا يمكن دراسة الثقافة الإلكترونية بمعزل عن الواقعي والمادي.

(٥) تكنولوجيات الاتصالات الشخصية، والآي بود، والتسجيل والبث عبْر الإنترنت

بشَّرَتْ أجهزة ووكمان من شركة سوني بتخصيص وسائط الإعلام وإضفاء الطابع الفردي عليها بطريقة جديدة جذرية (انظر دو جاي وزملاءه ١٩٩٧). وبمعايير الثقافة الشعبية، أثبتت الموسيقى المخصَّصة المحمولة أنها أكثر المنتجات الاستهلاكية دومًا. وتُميِّز القابلية للنسخ، والقابلية للنقل، وإضفاء الطابع الفردي أجهزة الآي بود وأنظمة الموسيقى المحمولة.

ويتصل بذلك ظاهرة التسجيل والبث عبْر الإنترنت. يُتيح التسجيل والبث عبْر الإنترنت لأي فرد أن يُوزِّع الموسيقى أو أي ملفات ترفيهية/معلوماتية أخرى. وتستخدمه المؤسسات التعليمية والعامة بكثافة، وحتى الكنائس وأماكن العبادة لتوزيع الصلوات والخدمات. ويمكن تخصيص المواد المذاعة حسب ذوق الفرد أو المؤسسة أو احتياجاتهما.

السمات الأساسية لأجهزة الآي بود والتسجيل والبث عبْر الإنترنت هي «التخصيص»، و«التضخيم»، و«التوزيع». وعلى خلاف أجهزة الووكمان أو الديسكام، اللذَين عامَلا المستمِعَ على أنه مجرد مستهلك سلبي، يُحوِّل التسجيل والبث عبْر الإنترنت المستهلك إلى منتج. تتيح التكنولوجيا لأي فرد أو مؤسسة البرنامج المناسب لتوزيع ملفات الوسائط الإعلامية، وجعلهم من ثَمَّ جزءًا من جانب الإنتاج، لا محض مُستهلكين. كان دورها الأكبر في التعليم؛ إذ استخدم الطلاب التسجيلات الصوتية على الإنترنت في البداية ليُسجِّلوا المحاضرات والمواد التوجيهية فقط (لي وآخرون ٢٠٠٧). لكنهم سرعان ما بدءوا يُنتِجون موادَّهم للنشر بين الأقران. وما يشي به هذا هو أن تكنولوجيا التسجيل والبث عبْر الإنترنت تصير طريقة لإنشاء «نمط جديد من خلق المعرفة وبثها»، نمط غير مُعتمِد على المؤسَّسات.

يَنتقِل التسجيل والبث عبْر الإنترنت من نموذج التعليم القائم على الاستحواذ إلى نموذج المشاركة؛ حيث يُنتِج المستخدمون موادهم (لي وزملاؤه ٢٠٠٧: ٩-١٠)، ويُمحِّصون النصوص التوجيهية تمحيصًا نقديًّا، ويُقدِّمون توضيحاتهم و«مساعدتهم» للأقران. ويعني المزيد من تحكم الطلاب في التكنولوجيا، وخبرتهم بالمؤسسات المتنوعة أنه سيكون لهم دور أهم في إنتاج المعرفة.

أما اختصاصيو الرعاية الصحية والطبية فيحظَوْن بتسجيلات صوتية خاصة بمجالهم، تُمكِّنهم من الاستماع إلى مقالات الدوريات ومواد البحث أثناء تحرُّكهم. وتَستخدِم دورياتٌ مرموقة مثل «نيو إنجلاند جورنال أوف مديسين» (content.nejm.org/misc/podcast.shtml) وجماعاتٌ من قبيل مديسين. نت www.medicine.net هذه التكنولوجيا بكثافة لبث الأخبار الصحية، والبحوث، والتوجُّهات في الطب.

(٦) الفنون الجينومية والبيومديا

طوَّعت أشكال الفن في التسعينيات التطورات المعاصرة لها في الثقافة التكنولوجية وجمَّلتها، وخصوصًا في مجالات البيولوجيا، والطب، والوراثيات. وأفضل مثال لتكامل البيولوجيا والكمبيوترات والإلكترونيات — حتى قبل أن تدخل الفنون الوراثية المشهد — هو عمل ستيلارك. تكشف هذه الأشكال من الفن، كما أفترض، عن «كلٍّ من» الخوف «و» الافتتان ﺑ:

  • إمكانات الهندسة الوراثية.
  • التحكُّم الإلكتروني بالأجساد.
  • المزيج «الوحشي» من الحيوان، والإنسان، والآلة.

يتفاعل ستيلارك (ستيليوس أركاديو) بجسده مع الآلات والإنترنت (انظر الفصل الثالث للاطلاع على مناقشة لهذا الموضوع). كما سمحت تجربة «إبيزو» (١٩٩٤) التفاعُلية لمارسيللي أنتونيس روكا أيضًا للجماهير بالتلاعب بجسد الفنان. «الجسد باطل»، هذا ما يعلنه ستيلارك على موقعه (www.stelarc.va.com.au/).

يجمع الفن ما بعد البشري ما بين تكنولوجيا الكمبيوتر والجسد، ويطوِّع الهندسة الوراثية ومفاهيمها للفن. تُنقَل الوراثيات عبْر الوسائط للاستهلاك الشعبي، على الأقل في الغرب، باستخدام الأساليب المتقدمة في صنع المرئيات، ومن خلال عملية إضفاء طابع جمالي. نظَّم صندوق ويلكم — وهو مؤسسة تمويل علمية — برنامجًا «فنيًّا علميًّا» لتشجيع العمل التشارُكي بين الفنانين والعلماء. وأُسِّسَت مشروعات الفن الجيونمي ذات التوجُّه المُستقبَلي من قبيل «سيمبيوتيك إيه» وثقافة الأنسجة وفنها (تيشو كالتشر آند آرت) في مدرسة التشريح والبيولوجيا البشرية التابعة لجامعة غرب أستراليا بفضل عالِمة البيولوجيا الخلوية، ميراندا جراوندز، وعالِم الأعصاب، ستيوارت بَنت، والفنان أورون كاتس (www.symbiotica.uwa.edu.au).

وقد استخدم فنانون مثل كارل سيمز («الصور الوراثية»، ١٩٩١)، وكريستا سومرر، ولورنت ميجنناو («إيه-فولف»، ١٩٩٤؛ انظر ميجنُناو وسومرر ٢٠٠١)، وستيف جراند («المخلوقات»، ١٩٩٦) أشكالًا اصطناعية أو حياة افتراضية في فنونهم التركيبية. وفي عام ١٩٩٧، أَطلقت سوني كوميونيكيشن نتورك كوربوريشن برنامج البريد الإلكتروني القائم على الحياة الاصطناعية «بوستبيت» الذي سمح للمُستخدِمين بامتلاك حيوانات أليفة رقمية كانت تُوصِّل رسائلهم. وابتكر سومرر وميجنناو أيضًا «لايف سباسيز» عام ١٩٩٧، وهو برنامج كان يسمح لزائري معرض تركيبهم بكتابة بضعة أسطر. وبعد ذلك يُنتَج هذا النص في «صورة حياة» في العالم الافتراضي، وكان بوسع الزائر أن يَرعى «الحيوان الأليف» (من الإطعام إلى التزاوُج). والنص المُدخَل في هذا المقام هو الشَّفرة الوراثية للمخلوق/صيغة الحياة الاصطناعية.

في عام ٢٠٠٠، أبرز إجزيت آرت جاليري في نيويورك الإمكانات الفنية لعلم التحكُّم الإلكتروني البيولوجي (الجمع بين تكنولوجيا الكمبيوتر والعلوم البيولوجية). صور عمل «المزرعة» (٢٠٠٠) لأليكسيس روكمان حقل فول صويا يضمُّ نباتات وحيوانات يُمكن تمييزها، وتوقَّع كيف يُمكن أن تبدو في المستقبل؛ إذ كانت الأشكال الفنية «محوَّرة وراثيًّا»، تمحو الحدود بين الإنسان، والحيوان، والخضروات، ناقلة شفرات هذه الأجساد إلى شيء آخر كليًّا. لقد تحوَّلوا إلى خيامر — كائنات مصنوعة من خلايا وأنسجة من كائنَين أو أكثر (استُخدم المصطلح لأول مرة لوصف تعابُر الأنواع في ظروف المعمل عام ١٩٦٨). ومن المهم أن نلحظ أن الخيامر اعتُبرت تقليديًّا وحشية؛ لأنها تمحو الحدود بين الكائنات والتصنيفات. ويرمز «الأنكوماوس» لبرايان كروكيت إلى أول فأر معمل محوَّر وراثيًّا، ومسجَّل ببراءة اختراع. في عام ١٩٨٦ جمع عالم الوراثيات ديفيد أو بين جينات التبغ والخنافِس المضيئة لإنتاج نباتات تتوهَّج في الظلام. وفي عام ٢٠٠٠ خلَّق مركز أريجون الإقليمي للرئيسيات قرد ريسوس حاملًا لبروتين جي إف بي (البروتين الفلورسينتي الأخضر)؛ وكان مِن ثَمَّ قردًا مُتوهِّجًا حيويًّا. ويُوصَف تركيب «جنيسيس ١٩٩٩» الذي أنشأه إدواردو كاك بأنه «فن مُتحوِّر وراثيًّا مُرتبِط بالإنترنت»، يُبرِز التحوُّل الوراثي من نوع إلى آخر بما يُنتِج كائنات حية فريدة. أرنب كاك المُسمَّى «ألبا» مُتوهِّج. ويوحي عمل «الطماطم الباسمة» للورا شتاين بأننا قد نُنتج فواكه وخضروات ذات أوجه مُبتسمة. ويُعنى نحت رونالد جونز بالحجم الطبيعي للهيكل الوراثي للسرطان بالنمذجة والمحاكاة في الطب. وتصف منظمة آرت تو ذي إنث باور (على www.artn.com) مثل هذه الأشكال المتنوعة من الفن. ركَّب لاري ميلر، من باب شهرة الترخيص الجينومي، صور ١١ فنانًا حيًّا في ترتيب خطي إلى جانب عينات من أحماضهم النووية.

(٦-١) العرض

الصورة الطبية لجسدٍ ما (في شريحة أقل من ملِّيمتر سُمكًا، مصوَّرة، ومحفوظة بصيغة رقمية) هي معرض للجسد الداخلي. وهي تقلب الجسد من الداخل إلى الخارج — حرفيًّا، كما في معرض جونتر فون هاجنز «عوالم الجسد» (www.bodyworlds.com). فيما يتعلَّق بالجينات والكروموسومات، يُضخَّم أصغر مكوِّنات الإنسان في مُتعةٍ مرئية. أما الحيوانات والنباتات المعدَّلة، فهي، في حالة الفن الجينومي، عروض وخلاصات لعمليات التطور والنمو والاضمحلال «الطبيعية». ولا يُقارن بصنع هذه الصور إلا صُنْع صور الفضاء المنشورة في الصحف. هذه الصور للنباتات أو الظواهر الفلَكية غالبًا ما يَصحبُها تعليق أسفلها يقول «انطباع الفنان»؛ حيث استخدم الفنان البيانات الرقمية المبثوثة ليُقدِّم صورة.

يُعنى الفن الجينومي بإضفاء لمسة جمالية على عمليات الجسد البشري الخفية تمامًا. ويُمثِّل التشويه أو الأشكال المُتقَنة المقدَّمة في الفن الجينومي محاولات لعرض الاحتمالات. إنه فنٌّ ثقافي إلكتروني يتعامل بجدية شديدة مع الشكل والمُستقبَل البشريَّيْن في سياق البيئات المُعتمِدة بشدة على التكنولوجيا. ويلجأ إلى أشكال جمالية معيَّنة من أجل إبراز التحوُّل المُمكن للواقعي/الجسدي من خلال التكنولوجيات.

(٦-٢) الوحشي والمسخي

من الأوصاف التي تُطلق على جماليات مثل هذا الفن الجينومي والفن الحيوي هو «الوحشي الجديد» (نايار ٢٠٠٧أ). وهما «وحشيان» بمعنى أنهما يَشغلان المساحة بين الأصناف (الفاعل/الشيء، الفن/البيولوجيا/العضوي/المنتَج بالكمبيوتر) التي قد تكون مُستقبلية تمامًا.

ترتبط كلمة «الوحشي» من ناحية أصل الكلمة بلفظ «مونسترم» اللاتيني، الذي يعني الفأل أو النذير أو العلامة، ولفظ «مونير» الذي يَعني «يُنذر». ومع ذلك، فهي تُشير أيضًا إلى المُشوَّه، وإلى المسخ (كانت ولادة حيوان أو إنسان مشوَّه تُعَد نذيرًا في أوروبا في بدايات العصر الحديث حينما بدأ استخدام الكلمة). ولذا، ثمة حتمية «كاشفة» و«مستقبلية» في الكلمة ذاتها.

ما تُخبِرنا به الصور أو العروض أو التركيبات في أعمال روكمان أو ستيلارك — وخصوصًا بعد أن يشرحها لنا الطبيب — هو المسار الذي قد تتَّخذه حياتنا «المُستقبلية». يسترعي مشروع «ذي بيج وينجز» الانتباه إلى هذا الجانب.

تجعلنا الخطابة المُحيطة بتطور التكنولوجيات البيولوجية الجديدة نتساءل عما إن كانت الخنازير ستَتمكَّن من أن تَطير يومًا ما. لو تمكَّنت الخنازير من الطيران، فما الشكل الذي ستتَّخذه أجنحتها؟ يُقدِّم مشروع أجنحة الخنازير أول استخدام لأنسجة الخنازير الحية لإنشاء أشياء شبه حية، مجنَّحة الشكل، وتطويرها. (www.tca.uwa.edu.au/pig/pig_main.html)

الحيوانات المعدَّلة في أعمال بريان كروكيت، وإدواردو كاك، وألكسيس روكمان وحشية، على معنى أنها أشكال «مُحتمَلة» (تعني كلمة افتراضية في الواقع أنها محتملة، بانتظار التحقُّق؛ ومِن ثَمَّ فالحياة الافتراضية هي حياة بانتظار «التحقُّق» الجسماني). وهي ذات توجُّه مُستقبلي، على معنى أنها تُنبئ بما هو مُمكن من خلال الاستنساخ والتلاعب الوراثي.

«الوحشي» في التصوير الطبي والفن الجينومي هو رمز يُوجِّه انتباهنا نحو المستقبل، وهو يكشف للعين العمليات الداخلية التي «يُمكن» أن تُفضيَ إلى هذه الأشكال. لا بأس بهذا بالضرورة، وإن كان يجمع بين الموت والحياة بطريقة ملتبسة، على نحوٍ دفع كاثرين وولدبي (١٩٩٧) لتسميتِه «الخارق الرقمي». ثمة إحساس بالشبحية فيما نَشهده من أدوات فنية، شيء يُمكننا إدراكه، وعناصر أخرى لا يُمكننا إدراكها. ويعني هذا أن الوحشي في الفن المعاصر هو مُحاوَلة لخلق عقلانية جديدة، تَعكِس تصدُّع العقلانية الأقدم؛ حيث تفقد مسائل الحدود والهُويات أهميَّتها. كما يمثِّل — في التراث الحقيقي للوحشي — قلقًا ثقافيًّا بشأن ما هو «البشر». الوحشي هو جمالية التوسُّع-التمدُّد، عرض شيء ما مُنذر، نذير بشكل الأشياء القادمة، كما يُوحي به غلاف لمجلة «تايم» يرجع إلى عام ١٩٩٣، يُظهِر «وجه أمريكا الجديد» — وهو عبارة عن صورة منتَجة بالكمبيوتر منتَخبة من أنواع عِرقية كثيرة. إنه التصوير الحي لعالَمٍ ما مِن خلال النسخ الدائم التحسُّن لأشكال الحياة.

يُمكِن باستخدام العلوم الوراثية هدم التصنيفات. يجبُ تذكُّر أن الأنظمة والفئات التصنيفية لا غِنى عنها للجماليات (يَزدهر المسخ، على سبيل المثال، بفعل «اختلاط الأنواع» وانهيار التصنيفات، كما أوضح جيفري جالت هارفام عام ١٩٨٢). تحلُّل الأجساد/الحدود في أعمال «الأنكوماوس»، أو «المزرعة»، أو «كريماستر ٤» (ماثيو بارني) يُميِّز الجسد بطريقة مختلفة. في الفن الجينومي، تُصبِح الحدود بين الحيوان والنبات والإنسان عرضة للاختراق؛ بوسع كلٍّ منهم أن يتخذ حتى شكل «الآخر» الغريب كليًّا، أو وظيفته، أو ملمحه. يُعيد الوحشي في الفن الجينومي، شأنه شأن السايبورج، تعريف الحدود والتصنيفات، مُنشئًا رُؤًى عن أشكالٍ واحتمالاتٍ بايوموروفية جديدة. غير أنه يُوحي أيضًا بقلق ثقافي بشأن «نقاء» الجنس البشري، وبشأن التجريب المعملي والجيني (أنكر ونيلكين ٢٠٠٤: ١٠٩).

(٦-٣) الأجساد المعلوماتية

افترض إدواردو كاك أن الفن الجينومي يُمثِّل نقلة ثقافية؛ أي تحوُّل البيولوجيا إلى علم معلومات (كاك ٢٠٠٥أ: ٢١٨). تكوَّن تركيب كاك المسمَّى «نقل حالة مجهولة» (١٩٩٤–١٩٩٦) من بذرة واحدة على قاعِدة فيها طين، في غرفة حالكة الظلام. ويستطيع الأفراد، باستخدام عارض فيديو مُعلَّق من أعلى ومواجه للبذرة، أن يُرسلوا الضوء من خلال الإنترنت؛ ليُمكِّنوا البذرة من التمثيل الضوئي والنمو.

يصفُ يوجين ثاكر أشكال الجسد الجديدة في علوم البيولوجيا والمعلومات بأنها «بيوميديا» — مُصطلَح يبدو أنه يَصف على النحو الأمثل «أجساد» كاك (ثاكر ٢٠٠٤أ: ١٣). الجسد في البيوميديا هو وسيط، والوسائط نفسها لا يُمكن تمييزها من الجسد البيولوجي. ويُدرك المصطلح أيضًا نوع الفن الذي شهدناه في عمل سومرر وميجنُناو «لايف سباسيز»؛ جسد المخلوق الافتراضي «مُجسَّد» بناءً على شفرة؛ ينبغي فهْم الجسد العابر للشفرات هنا بطريقتَين؛ بصفته جسد كائن بيولوجي وجزيئي، «و» بصفته جسدًا مُؤلَّفًا من خلال أنماط من التخيُّل، والنمذجة، ومنظومات البيانات. تطويع كاك لتكنولوجيا المعلومات، والعمليات البيولوجية، والأجهزة الميكانيكية لإنتاج الفن هو استخدام جمالي لكلٍّ من البيولوجيا والثقافة الإلكترونية، يَهدم الحدود بين الفن والطبيعة، بينما يستكشف عواقب اختزال الجسد إلى قاعدة بيانات تَفتقِر إلى السياقات، ويُنتِج فيها الحمض النووي أشكالًا معيَّنة من سلوك الجسد. وكما يَفترض ستيف توماسولا (٢٠٠٢)، يتصدَّى الفن الجينومي لمسائل التغيُّر في المجتمع، بينما يُناقِش أبعاده الأخلاقية بكشف الاحتمالات داخل التغيُّر الاصطناعي (لا الطبيعي).

(٦-٤) التحكُّم

يستكشف فن التحكُّم الإلكتروني قيود الشكل والوعي البشريَّيْن. ويُوسِّع حدود الواجهة التفاعُلية بين البشر والتكنولوجيا، ولو مع بعض القلق. ويطرح أشكالًا وأصنافًا جديدة بينما يكشف كيف تَعتمِد العلوم على السياقات الثقافية فيما يخصُّ عملها وانتشارها. ويُعلِّم المسئولية بطرح أسئلة مُزعجة عن مواءمة المعلومات (في مشروع الجينوم البشري، مثلًا)، والهندسة الوراثية (مثل خلق أنواع جديدة في المعمل). يفيد الفن هنا الغرض المزدوج لترويج التكنولوجيا الحديثة، وإثارة التساؤلات بشأنها بكشف آثارها الجانبية غير المرغوبة.

كما يُشير الفنانون المشار إليهم هنا إلى رغبةٍ أخرى في العلم التكنولوجي الراهن؛ الرغبة في التحكُّم في المستقبل. فبدلًا من ترْك الارتقاء والتكيُّف للعمليات «الطبيعية»، يَرغب العلم في الاضطلاع بذلك، حتى بينما يتصوَّر الفنانون هذا المستقبل (انظر نايار ٢٠٠٧أ).

ما بعد البشَري كما يظهر في أشكال الفن الحالية هو ذروة النزوع البشري إلى الاضطلاع بمهمَّة القَدَر نفسه.

الكلمات الأخيرة التي نُوردها ها هنا عن إمكانيات النزعة ما بعد البشرية وأشكالها الفنية هي للفنانَيْن ستيلارك، وإدواردو كاك:

شكل الجسد محسَّن، ووظائفه ممدَّدة … يُعيد الفضاء الإلكتروني بناء معمار الجسد ويُضاعف إمكاناته العملية. (ستيلارك ١٩٩١)

يشيد فن التحوير الوراثي [يُشير كاك إلى الأرنب ذي البروتين الأخضر المفلوَر] بالدور البشري في تطور الأرانب بوصفه عنصرًا طبيعيًّا، بوصفه فصلًا في التاريخ الطبيعي لكلٍّ من البشر والأرانب؛ لأن الاستئناس هو دائمًا خبرة ذات اتجاهَين … [وهو] يُساعد العلم على إدراك دور المسائل العلاقية والاتصالية في تطوُّر الكائنات الحية. ويُمكن أن يساعد الثقافة بكشف قناع الاعتقاد الشائع بأن الحمض النووي هو «الجزيء المهيمن»، من خلال تسليط الضوء على الكائن الحي كله والبيئة (السياق). وأخيرًا، يمكن أن يسهم فن التحوير الوراثي في حقل الجماليات بكشف البُعد النفعي والرمزي الجديد للفن، بوصفه إبداع الحياة والمسئولية عنها حرفيًّا. (كاك ٢٠٠٥ب: ٢٧٢، ٢٧٦)

(٧) التواصل الاجتماعي

الإرسال الفوري، وخدمات الرسائل القصيرة، والبريد الإلكتروني، والهواتف المحمولة، والتواصُل الاجتماعي الآن هي كلها أساليب لصنع العلاقات وبناء العلاقات. وهي كذلك للشباب، خصوصًا الذين برزوا بجلاء في دراسات وسائل الإعلام الجديدة (كيم وزملاؤه ٢٠٠٧؛ ليفينجستون ٢٠٠٣). مواقع التواصل الاجتماعي، مثل ماي سبيس، وبيبو، وفيسبوك، وأوركت، وساورلد، هي الفضاءات الاجتماعية الجديدة لتَمضِيَة الوقت فيها.

من الأمثلة المبكِّرة لمواقع التواصل الاجتماعي سيكسدِجْريز دوت كوم الذي أُطلق عام ١٩٩٧، ولكن انطلاقة مواقع التواصل الاجتماعي واقعيًّا كانت منذ عام ٢٠٠٣ تقريبًا. تُعرَّف مواقع التواصل الاجتماعي بأنها «خدمات على الإنترنت تُتيح للأفراد (١) أن يُنشئوا نبذة شخصية عامة أو شبه عامة داخل نظام محدد. (٢) أن يُكوِّنوا قائمة من المستخدِمين الآخرين يتشاركون صلة معهم. (٣) أن يشاهدوا ويستعرضوا قائمة اتصالاتهم وقوائم اتصالات الآخرين داخل النظام» (بويد وإليسون ٢٠٠٧). وغالبًا ما تتسم مواقع التواصل الاجتماعي بتكنولوجيا سهلة الاستخدام، وبإنشاء الأعضاء نبذًا شخصية، وبتفاعل منتظم خلال «المعلومات الموجزة» والردود.٧ تُقدِّم مواقع التواصل الاجتماعي التشارك في الصور أو الفيديو، وإمكانية الاتصال بالهاتف المحمول، وهي فضاءات اتصال وتبادُل. كما وسَّعت خدمات التدوين باستخدام مزايا مواقع التواصل الاجتماعي في زيونجا، ولايفجورنال، وفوكس من قاعدة مُستخدميها.

مواقع التواصل الاجتماعي

خدمات على الإنترنت يُمكن للأفراد فيها إضافة النُّبَذ الشخصية، والدردشة، والتواصل. ومواقع التواصل الاجتماعي نوع من الفضاء العام الاجتماعي.

ومع ذلك، يُميِّز بويد وإليسون بين التواصل الاجتماعي وبين مواقع الشبكة الاجتماعية. يوحي «التواصل»، وفقًا لبويد وإليسون، بإنشاء علاقة بين غرباء. وفي حالة مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يكون التواصل مُمكنًا، لكنه «ليس» الممارسة الرئيسة على كثير منها (يُفضِّل بير ٢٠٠٨ مصطلح «التواصل الشبكي» الاجتماعي، على الرغم من أنه يُقدِّم الويب ٢٫٠ باعتباره مُصطلَحًا واسعًا لوصف هذه الأشكال الجديدة من الثقافات على الإنترنت).

طالَما كان من المزايا المهمة لمواقع التواصل الاجتماعي المحتوى «الذي يُنتجه المستخدم». سارعت مواقع الويب في استثمار هذا المحتوى، وصارت وسائل الإعلام اجتماعية. ومن أمثلة هذا فليكر (تُشارك الصور)، ويوتيوب (تشارك الفيديو)، ولاست. إف إم (تشارك الموسيقى). وتمكَّن ماي سبيس من التغلغل في العلاقة بين الفِرَق الموسيقية والمعجَبين من خلال إنشاء فضاء يلتقون فيه، أو يعلنون من خلاله عن الألبومات القادمة، أو يظهرون إعجابهم ويُعزِّزوه.

تمحو مواقع التواصل الاجتماعي التمييز بين العام والخاص؛ لأن كلًّا منهما يصب في الآخر. تتأثَّر علاقة اجتماعية قائمة، وتُبدَّل، وتُعزَّز من خلال «التصادق» على الإنترنت. والعكس صحيح بالقدْر نفسه؛ حيث يقود التفاعل على الإنترنت إلى لقاءات وعلاقات خارج الإنترنت، مثلما كشفت عنه خدمات المواعدة. ومن ثَمَّ، فمواقع التواصل الاجتماعي تُشكِّل «فضاءً ثالثًا» بين العام والخاص، تَمتزج فيه الهُويات والعلاقات على الإنترنت وخارجها؛ فمشاركة فيديو منزلي على يوتيوب، ووصف فيلم أو كتاب مفضَّل شخصي، يعني بناء نبذة للاستخدام العام، يمكن أن تؤدي إلى علاقة اجتماعية.

(٧-١) مسائل الخصوصية والنبذات التعريفية

كان لشعبية مواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب وحتى الأطفال تبعات أخرى. استحث دور ماي سبيس في التحرُّش الجنسي، والملاحَقة، وغيرهما من السلوك الضاري، تحرُّكًا قانونيًّا، وأثار ذعرًا معنويًّا (كونسيومر أفيرز ٢٠٠٦). ومرةً أخرى نشهد أشكال الثقافة الإلكترونية تُؤثِّر في العالم «المادي».٨

من العوامل الحاسمة في التواصل الاجتماعي ما إذا كان الأفراد في قائمة «الأصدقاء» على مواقع التواصل الاجتماعي يَتشاركون الإحساس ذاته بالخصوصية أم لا. فالمعلومات الشخصية المتضمنة في التعليقات القصيرة والنبذ الشخصية يمكن أن «تُسرَّب» أو يراها الغرباء. والواقع أن مسائل الخصوصية، ولا سيما ما يتعلق بالعناوين المادية، والأمور المالية، وحتى المظهر الجسماني هي مسائل متعلِّقة بالسلامة. ما نشهده هنا هو ارتباط وثيق بين التفاصيل والتواصُل على الإنترنت، وبين مسائل السلامة الحقيقية خارج الإنترنت.

سرقات الهُوية على الإنترنت هي تهديد دائم، حينما يكشف المستخدمون هُوياتهم، أو ينشئون نبذات شخصية. في حالة حديثة، كان على المؤلِّف الشهير، فيليب بولمان، أن يُرسل رسالة إلكترونية تحذيرية إلى قائمة تراسل، بعد أن اكتشف أن شَخصًا سبق أن أنشأ نبذة له على فيسبوك. كتب بولمان: «أودُّ لو أذهب شخصيًّا وأخنق الشقي» (مقتبَس على موقع BridgeToTheStars.Net2008، وهو موقع للمُعجَبين بثلاثية بولمان بعنوان «مواده القاتمة»).٩ التصيُّد وسرقات الهُوية هما أمران ينتميان إلى كلتا الحياتَين على الإنترنت وخارجه. والواقع، كما يُوضِّح فوجت ونابمان (٢٠٠٨)، أن الطبيعة العلنية ذاتها التي تتَّسم بها فضاءات الويب الشخصية هذه هي التي أفضت إلى مثل هذه التعقيدات.

ترتدُّ الحصرية والخصوصية بوَصفِهما سِمَتين أساسيتَين لمَواقع التواصُل الاجتماعي، وتُقدِّم مواقع من قبيل لايف سبيسز التابع لمايكروسوفت، وإيه سمول ورلد تواصُلًا خصوصيًّا، مفتوحًا فقط من خلال الدعوة، ومحميًّا، كما يشير أحد التقارير (فوجت ونابمان ٢٠٠٨)، من قِبَل أناس أثرياء في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. لكن المُثير للسخرية أن يَستنسخ الانفتاح الشبكي شروط المعازل، من حصرية، وخصوصية، وحراسة في الحياة الواقعية.

(٧-٢) تضخيم العلاقات

يمكن لمواقع التواصُل الاجتماعي أن تكون امتدادًا (تضخيمًا) للعلاقات الاجتماعية القائمة حينما يَتلاقى الأصدقاء في الفضاء الافتراضي، أو يُمكنها تسهيل إنشاء علاقات جديدة حينما يَتجمَّع الغرباء بناءً على اهتمامات مشتركة. كما أن «إعلان» فردٍ ما عن «أصدقاء» على صفحته التعريفية يُمكِّن المشاهدين من استعراض شبكة ذلك الفرد بعينه.

«التصادق» على الإنترنت هو التقاء علاقات من خارج الإنترنت ومن داخله. أو بعبارة مختلفة، تكتسب الصداقات باطراد صبغة وسائطية، وتكنولوجية من خلال التفاعلات على الإنترنت (أتفق مع ديفيد بير — ولا أتفق مع بويد وإليسون — في أنه لا يُمكن للمرء أن يتخيَّل بِنية أو موقفًا اجتماعيَّيْن «لا» يَمُران عبْر الوسائط؛ بير ٢٠٠٨: ٥٢١). ثمة علاقة «تكرارية» بين العلاقات على الإنترنت وخارجه. تُشكِّل العلاقات خارج الإنترنت العلاقات على الإنترنت، والعكس صحيح؛ لأن التكنولوجيا تصنع الفارق بين «كون المرء مع شخصٍ ما في مكانٍ ما» أو «كونه ليس مع شخصٍ ما» حينما يكون المرء لا يزال متصلًا (إلكترونيًّا).

وبناءً على ذلك، تعزِّز مواقع التواصل الاجتماعي فعليًّا فرضيَّتَين؛ فهي راسخة في العالم «المادي»؛ لأنها تساعد الناس الذين يعرف بعضُهم بعضًا بالفعل في العالم الواقعي على أن يَتواصَلُوا باستمرار تقريبًا. وإلى جانب «الاتصال الدائم» الذي يُشكِّل الحياة اليومية للعلاقات في الوقت الراهن، «التضخيم» هو منطق مَواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث نستمر في «كوننا» مع شخصٍ ما حتى لو كنا مُنفصلين ماديًّا.

مدى التواصُل على الإنترنت رهينٌ بالعلاقة خارج الإنترنت ويتشكَّل على أساسه. إذا كان موقع ماي سبيس يُتيح «اتصالًا دائمًا»، فهو أيضًا قائم على أساس الروح أو المنطق المصاحب للثقافات الإلكترونية الذي اقترحتُه في الفصل التمهيدي؛ ألا وهو التضخيم. ونرى هذا المنطق فعالًا في حالة العلاقة بين المُعجَب والفرقة على موقع ماي سبيس، التي سبَق ذكْرها. على ماي سبيس، تُعلن المتاجر المحلية للموسيقى عن عروضٍ لفرقٍ موسيقية وعن تذاكِر مجانية كي يحوزها المعجبون. أما المعجبون فيُضفون من جانبهم صفةً شعبية على انتماءاتهم. والنتيجة أن ما يتمُّ تضخيمه في مواقع التواصُل الاجتماعي في الفضاء الإلكتروني هو تعزيز علاقة «واقعية» قوية جدًّا بين المعجب والفرقة الموسيقية. لا يُنتج ماي سبيس دائمًا مُعجَبين، ولكنه «يساعد المعجبين الموجودين بالفعل على التواصُل على نحوٍ أفضل».

وبهذا المعنى؛ فمواقع التواصل الاجتماعي تُسهم في «رأس المال الاجتماعي» للفرد. وأثبت البحث أن الأفراد المتواصلين عبْر الشبكات هم أكثر احتمالًا لتلقِّي العون من أحد الأعضاء في «دائرتهم» على الإنترنت (بوز وآخرون، ٢٠٠٦). وتُبرِز دراسات أخرى كيف أنه حتى بعد رحيل أناس من موقعهم الجغرافي الذي كانت لهم فيه علاقات وطيدة (أيْ رأس مال اجتماعي)، مكَّنتهم مواقع التواصل الاجتماعي من الحصول على الدعم من مجتمعهم «السابق». ويعني هذا أن الناس كانوا قادرين على البقاء على صلةٍ بمجتمع أسبق، حتى بعد انفصالهم عنه جسديًّا (إليسون وآخرون، ٢٠٠٧). ما لا تَلحظه أيٌّ من هذه الدراسات هو أن رأس المال الاجتماعي هذا، القائم على مواقع التواصل الاجتماعي، هو تضخيم لرأسمال اجتماعي أسبق وجودًا. والأهم من ذلك أن لرأس المال الاجتماعي هذا عواقبَ «مادية» تمامًا على الأفراد.

قد يرتبط هذا «التضخيم» لرأس المال الاجتماعي والثقافي بعلاقات إثنية وثقافية معيَّنة؛ فمواقع المجتمعات الأسبق من قبيل آشيان أفنيو، ومي جِنت، وبلاك بلانِت ارتقت إلى مواقع تواصل اجتماعي بين عامَي ٢٠٠٥ و٢٠٠٦، منمِّية بذلك من قابليتها للتوظيف والاستخدام من قِبَل مجتمعاتها المعنية.١٠ وفي هذه الحالة، «تُضاعِف» مواقع التواصل الاجتماعي من شروط التفاعل الاجتماعي الموجودة في العالم الواقعي. ويظلُّ خلق الروابط المجتمعية أساسيًّا للتفاعل الافتراضي أيضًا. ظلَّت الحملات التي تستخدم فيسبوك وماي سبيس تُجرى في جامعاتٍ معينة (تشير دراسة إلى أن الحملات الرامية لتخفيض السن القانونية لشرب الخمر والرامية إلى سنِّ تشريعٍ يُبيح الزواج من الجنس نفسه كانت هي الأكثر شيوعًا بين مُستخدمي فيسبوك؛ شارنيجو وبارنِت-إليس ٢٠٠٧). تخلق مواقع التواصُل الاجتماعي من هذ القبيل إحساسًا بمجتمعٍ «بلا» مكانٍ (إحساس نفسي بالمجتمع)، وإن كان من المُمكن أن تستخدم استعارات ومفردات مكانية للتعبير عن «اللقاء» في الفضاء الإلكتروني (لدراسة بشأن الإحساس بالمجتمع في مواقع التواصل الاجتماعي، انظر جودينجز وآخرين، ٢٠٠٧). وهكذا، يوجد منطق لوصف شون راباكي لماي سبيس وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي بأنها «مشاعات افتراضية» (٢٠٠٧: ٢٩). لقد صارت وسائل كما يقول شارنيجو وبارنِت-إليس لإشراك الطلاب في فعاليات المكتبة وخدماتها؛ لأنها تمكِّن أمناء المكتبات من الاتصال على نحوٍ أفضل بفئات عدة من السكان الشباب في منطقتهم (للاطلاع على وجهة نظر مختلفة عن تشكيلات هذا «المجتمع»، انظر بيرن ٢٠٠٧).

(٧-٣) ثقافة الشباب ومواقع التواصل الاجتماعي

كانت مواقع التواصل الاجتماعي أكثر تناغُمًا مع الشباب، وهي الآن مُكوِّن أساسي في ثقافات الشباب عبْر العالم، وإن كان هذا التوجُّه يَتغيَّر في المملكة المتحدة، وفقًا لدراسة مَسحية أجرتها هيئة أفكوم بشأن التواصل الاجتماعي في أبريل ٢٠٠٨ (٤٠ بالمائة من البالغين في المملكة المتحدة يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي بانتظام، وهي نسبة إجمالية أعلى من نظيرتها في الولايات المتحدة الأمريكية أو اليابان، و٦٢ بالمائة مسجَّلون في فيسبوك) (وايتسايد ٢٠٠٨) توافَد المراهقون على ماي سبيس منذ عام ٢٠٠٤ تقريبًا، ثم غيَّرت مواقع التواصل الاجتماعي سياستها لتسمح للصغار أيضًا بالانضمام. وفي عام ٢٠٠٥ بدأ فيسبوك يسمح بانضمام تلاميذ المدارس الثانوية. ووفقًا لبويد وإليسون (٢٠٠٧) لدى ماي سبيس (الذي يُفترَض أنه أكثر مواقع التواصل الاجتماعي شيوعًا) ثلاثة «مجتمعات» متمايزة: الموسيقيين/الفنانين، والمراهقين، والجمهور الاجتماعي الحضري من خريجي الكليات.

أما المستخدمون الشباب (وغيرهم)، فالتواصُل الاجتماعي يُصبح من وجهة نظرهم نوعًا من تمثيل الذات والظهور. وهو يُوسِّع مجتمع «مُشاهدي» نبذاتهم الشخصية، ويمكن النظر إليه باعتباره نوعًا مهمًّا من أنواع التفاعل الاجتماعي، وكذلك «احتياجات الهُوية» لديهم على حدِّ تعبير سونيا ليفينجستون (٢٠٠٨: ٤٠٠) مؤخرًا. فالتفاعل والسلوك الاجتماعيان يُبنَيان على تمثيل الذات، وإدارتها، والترويج لها. وتصبح النبذة الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي وسيلةَ فعلِ ذلك. باستخدام خاصية التحديث الفوري على تويتر يُروَّج للذات على الدوام، وتكون دائمًا متصلة، حتى لو كانت الصلة (كما افترض مؤخرًا فينسنت ميلر ٢٠٠٨) ذات طابع مجامل محض — تدلُّ على اتصال فارغ وغير محدَّد، وخالٍ من أي تبادُل حقيقي للمعلومات — وليست واقعية.

إدارة النبذة الشخصية وتمثيل الذات على مواقع التواصل الاجتماعي هما مُكوِّنان للهُوية الاجتماعية، وإن تكن هذه الهُوية على الإنترنت فقط. اصطلح على تسمية هذه الشاكلة من التمثيلات «استعراضًا نصيًّا للذات على الإنترنت» (إتش ليو ٢٠٠٧). وتصبح النبذات الشخصية مؤشِّرات إلى الذائقة، حينما يُفصِّل الأفراد تفضيلاتهم في الموسيقى، والملابس، والألعاب، والكتب. هذه «علامات ثقافية» و«بيانات عن الذائقة» (ليو ٢٠٠٧). تُشكِّل بيانات الذائقة من هذه الشاكلة حياة الفرد الاجتماعية على الإنترنت. ولهذا السبب، يُصبح من الواجب من وجهة نظر الأفراد أن يُطوِّروا ويتعهَّدوا نوعًا من النبذات الشخصية على الإنترنت يتَّسق وما يفعلونه في الحياة الواقعية، حتى يضمنوا كلًّا من الصدقية والشعبية المستدامة. وكما أثبت الدارسون (مثل دواير وآخرون ٢٠٠٧) فمسألة الثقة بالغة الأهمية في التفاعلات الاجتماعية على الإنترنت.

ويُمكن أن تصبح هذه البيانات هي أداة كسب رأس المال الاجتماعي حينما تُوسَّع شبكة المرء على الإنترنت. المُهم هو أن حياةً على الإنترنت، مُعتمدةً على بيانات الذائقة وإدارة النبذة الشخصية، تفيض على العالم الواقعي، تمامًا كما يُوجِّه السلوك والأذواق في الحياة الواقعية عمليات البحث على الإنترنت عن الأشخاص المُشابِهين فكريًّا (من خلال علامات الاهتمام على مواقع التواصُل الاجتماعي)، وعن الصداقات، والعلاقات. ولذا، كشفت دراسة عن أن اختيار مشاركة الفيديو على يوتيوب يعكس علاقات اجتماعية قائمة (لانج ٢٠٠٧). وهكذا يُمكِن القول إن إدارة النبذة الشخصية على الإنترنت هي الآن عنصر أساسي في هُويات الحياة الواقعية أيضًا؛ لأن الناس يَلتقون باطراد على الشبكة وخارج الشبكة على السواء، وتَعكس ممارسات وسائل الإعلام ما هو قائم من سلوك وتفاعل وعلاقات اجتماعية، وتُؤثِّر فيه.

تصير النبذات الشخصية لمستخدمي فيسبوك وغيره من فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي مادة قابلة للاستخدام تجاريًّا، فمواقع التواصُل الاجتماعي تلائم تمامًا «رأسمالية المعرفة» (ثريفت ٢٠٠٥) في القرن الحادي والعشرين. تستخدم «رأسمالية المعرفة» المعلومات (يَدرُس ثريفت مثال أحاديث المجاملات والثرثرة) التي لولا مواقع التواصل الاجتماعي لما كانت متاحة — ولما اعتُبرت مهمة — لقطاع الأعمال التجارية لأجل ترويج أجندته. يُبرِز ديفيد بير، بناءً على بحث ثريفت، فكرةً حاسمة بشأن مواقع التواصُل الاجتماعي حينما يفترض أن أحاديث المجاملات والكم الهائل من المعلومات الباهتة ظاهريًّا يُمكن أن تُصبح في حقيقة الأمر مصادرَ قيمةً للأعمال التجارية (بير ٢٠٠٨: ٥٢٢-٥٢٣). ما هو متاح، باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، هو سجل كامل لتفضيلات المستهلك التي تستطيع الشركات النفاذ إليها. تستطيع «رأسمالية المعرفة»، مقترنة بالأشكال الجديدة من جمع المعلومات — التي أُدرِج مواقع التواصل الاجتماعي ضمنها، والمعلومات الموجزة، والنبذات الشخصية — أن تبني على ما يقوله الناس عن العلامات التجارية، والأساليب، والتفضيلات لكي تعلن وتروِّج وتستهدف المستخدمين على مواقع التواصُل الاجتماعي.

واضح أن لمواقع التواصل الاجتماعي قيمةً تجارية هائلة إذا قَبِل المرء حججَ بير (مثلما أفعل). لا شكَّ أن ثروة المعلومات عن أذواق المُستهلِكين المتاحة على ماي سبيس أو فيسبوك تخدم غرض البيع بقدْر ما تُفيد في نصح المُشترين المُستقبليِّين.

التفتَت الشركات في الوقت الراهن إلى مواقع التواصُل الاجتماعي لتوليد الشهرة، وتطوير العلاقات بالمُستهلكين (نيوبورن ٢٠٠٧). إن التدوين، ومواقع التواصل الاجتماعي، والتمتُّع ﺑ «حياة ثانية» في لعبة «سكند لايف» هي أساليب لتوسيع القاعدة الاستهلاكية. والمُجتمَعات الشبكية هي المجال الجديد لأبحاث السوق وللدعاية.

واضح أن أشكال الثقافة الإلكترونية الشعبية وثقافات وسائل الإعلام الجديدة تتضاعَف، وتصل إلى شرائح جديدة من السكان. وهي تَحمل حمولاتها الأيديولوجية والسياسية مثلما بيَّن هذا الفصل. وفي كل حالة تظل هذه التشكيلات الثقافية الإلكترونية ذات صلة، مهما كانت عرضية، بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في الحياة الواقعية. ولا يتَّضح فقط اندماج الأشكال الثقافية الإلكترونية فيما هو يومي ومادي، ولكن يتَّضح أيضًا الطابع الوسائطي المُتزايد الذي يُضفى على الشأن اليومي عبْر هذه التكنولوجيات وباستخدامها.

هوامش

(١) تُشكك الثقافة المضادة — مصطلحٌ سُكَّ في عَقد الستينيات من القرن العشرين لوصف حركة الهيبي — في قيم الثقافات السائدة وأعرافها. ولذا، تصبح الأوبرا، أو سياسة الحرب والشأن العسكري، هي موضوع ثقافة جماعة «البانك» التي تستخدم موضوعات مناهضة الحرب، والشارع، والأساليب المتحرِّرة.

(٢) ليس هذا خيالًا بأكمله، إذا نظرنا إلى طبيعة ودرجة التدخُّلات الجراحية، والتعديلات الوراثية، وتحويل الجسد البشري إلى كمبيوتر من أجل العلاج من الأمراض المُؤلِمة والمُوهِنة. ونشهد تغيير الحياة اليومية للمواطنين كبار السن، وذوي القدرات المختلفة، والمرضى من خلال التدخلات التكنولوجية التي تتراوح بين الأطراف الاصطناعية وزراعة رقاقات الكمبيوتر.

(٣) أصبح القمار أيضًا من الأشكال المهمَّة للعب على الإنترنت. دخلت شبكة بارتي جيمينج (التي تملك موقع بارتي بوكر في المملكة المتحدة) سوق لندن للأوراق المالية في منتصف عام ٢٠٠٥، بقيمة مبدئية مُذهلة، وهي ٥ مليارات جنيه إسترليني — وهي قيمة تزيد عن شركتَيْ بريتيش إيرويز، وإي إم آي معًا!

(٤) أثبتَت الدراسات التجريبية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ارتباط لعْب الألعاب بالنوع (جانز ومارتنز ٢٠٠٥). وكانت أبرز ثلاثة أصناف من الألعاب التي يُمارسها الرجال هي الرياضة، والحركة/المغامرة، والمحاكاة. أما النساء فاخترنَ أصناف ألعاب حلِّ الأحجيات، والمنصات، والرياضة (كونسالفو وتريت ٢٠٠٢، مقتبس في رويز وآخرين ٢٠٠٧: ٥٥٧).

(٥) إنني ممتنٌّ لآنا كوريان لجذب انتباهي إلى هذه اللعبة ومشاركتها معي خبرة ابنها بها.

(٦) مع ذلك، فهي تُتيح للاعبين الذكور الشباب أن يجرِّبوا «شكلًا» أنثويًّا في الفضاء الإلكتروني، مُعقِّدين بذلك من طابع اللعبة المستنِد إلى النوع (انظر شلاينر ٢٠٠١).

(٧) تتفاوت درجات ظهور النُّبَذ الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، بناءً على كلٍّ من هذه المواقع. فالنُّبَذ الشخصية على موقعَيْ فريندستر، وترايب. نت مرئية لأي أحد من خلال محركات البحث، بينما تتحكَّم لينكدإن فيما قد يراه المُشاهِدون بناءً على ما إن كانوا يملكون حسابًا بمقابل مادي أم لا، ويسمح ماي سبيس للمستخدمين باختيار ما إن كانوا يرغبون في أن تظهر نبذاتهم الشخصية للعامة أم «للأصدقاء فقط»، وفي فيسبوك يستطيع المستخدمون الذين يَنتمون إلى «الشبكة» نفسها رؤية النبذة التعريفية لكلٍّ منهم، ما لم يُقرِّر صاحب النبذة رفض التصريح لهم بذلك.

(٨) كان لأرباب العمل وللحكومات دور في محاولة تنظيم النشاط المتنامي لمواقع التواصل الاجتماعي. ولذا حظرت المؤسسة العسكرية الأمريكية على الجنود استخدام ماي سبيس (فروش ٢٠٠٧)، وحظرت الحكومة الكندية على الموظفين استخدام فيسبوك (بنزي ٢٠٠٧). وفحصَ أرباب العمل النُّبَذَ الشخصية للطلاب على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يعرضوا عليهم وظائف، وأُلغيت عروض عمل بناءً على محتوى الرسائل على فيسبوك (انظر بيلوشيت وكارل ٢٠٠٨).

(٩) أنا ممتنٌّ لآنا كوريان لتنبيهي لهذه الحادثة.

(١٠) طالما كان هناك تباين إقليمي في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا. ميكسي هو موقع التواصل الاجتماعي المفضَّل في اليابان، أما هايفز فهو المفضَّل في هولندا. وأصبحت خدمة التراسل الفوري في الصين، كيوكيو، من أكبر مواقع التواصل الاجتماعي في العالم. وعلى الرغم من كون أوركت من مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لجوجل، فلم يُحقِّق رواجًا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه أصبح موقع التواصل الاجتماعي المفضَّل في البرازيل (٨٩ بالمائة من مستخدمي الإنترنت البالغين من الفئة العمرية ١٤–٤٥ عامًا مسجلون على أوركت، وفقًا لفوجت ونابمان ٢٠٠٨) وفي الهند في الوقت الراهن (مادهافان ٢٠٠٧). أما لايف سبيسز التابع لمايكروسوفت فهو أكثر رواجًا خارج الولايات المتَّحدة مما هو داخلها.

الصفحة السابقة 1 2 3
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading