مقدمة إلى وسائل الإعلام الجديدة والثقافات الإلكترونية✍برامود كيه نايار-ترجمة جلال الدين عز الدين علي
نشأت ألعاب فيديو في صور منصات ألعاب إلكترونية («أركيد» و«بارلور») (وخصَّصت مناطق مُنفصِلة في المساحات العامة؛ حيث كانت لوحات التحكُّم منصوبة، وكان اللاعبون «يُمارسون اللعب»). وغيَّرت منصتا الألعاب، «سيجا» و«نينتاندو»، ثقافة اللعبة جذريًّا في التسعينيات، حينما انتقل اللعب من الفضاء العام إلى البيت. سواء أكانت ألعاب المعارك بالمعايير الحالية، أم ألعاب «بي بي إس كيدز» المختارة من كتب الأطفال والمُسلسلات التليفزيونية «توم وجيري»؛ فاللعب جزء لا يتجزَّأ من الثقافة الرقمية اليوم. بالفعل، يمكن التعامل معه على أنه صنف فرعي من «المحاكاة»؛ ذلك الجزء الأساسي من الثقافة الإلكترونية، نفسها.
ألعاب محاكاة المعارك، وكرة القدم، والمطاردات المتنوعة، وتخطِّي العوائق، والأحجيات، وحتى الألعاب المقتبسة من روايات، أثبتت استمراريتها. وبالإضافة إلى ألعاب الفيديو (منصات الألعاب التي تُلعَب على شاشات التليفزيون)، وألعاب الكمبيوتر (الأسطوانات المدمجة أو المنزَّلة من الشبكة العالمية)، نجد أيضًا ألعاب الأركيد (المنصوبة في أقسام من المتاجر، والمجمَّعات السينمائية، وغيرها من الفضاءات العامة)، والألعاب المحمولة. وطالَما كان الشباب الذكور على وجه الخصوص هم الروَّاد في جعل اللعب واجهة مهمة للثقافات الإلكترونية (نيكولز وزملاؤه ٢٠٠٦).
ظاهرة اللعب راسخة تمامًا الآن باعتبارها مُكوِّنًا أساسيًّا من مكونات الثقافة الجماهيرية، حتى إن دارسي وسائل الإعلام التفَتُوا إلى دراسات الألعاب مع بدء الدوريات المتخصِّصة مثل «جيم ستاديز» في إسباغ مكانة العِلم عليها. والواقع أن الألعاب هي منتجات ذات ربحية استهلاكية تجارية فائقة (للحصول على إحصاءات، انظر جانز ومارتنز ٢٠٠٥؛ نيكولز وزملاؤه ٢٠٠٦).
غيَّرت ثقافة الألعاب هذه الكمبيوتر المكتبي، وجهاز التليفزيون، والهاتف المحمول؛ فالألعاب مُتاحة في كلٍّ من هذه «المحطات الطرفية» للمُستخدِم. ولذا، يمرُّ «الشكل الثقافي للتليفزيون» بتغيير ملموس، حينما يُصبِح التليفزيون واجهة تفاعُلية للعب أيضًا.
الألعاب اجتماعية. لا يُمكن نفي الألعاب إلى عالم منفصل عن عالم الحياة اليومية؛ الألعاب بالغة الأهمية في الحياة اليومية؛ لأنَّ لها تبعات «مادية، واجتماعية، وثقافية» خطرة (مالابي ٢٠٠٧). بالإضافة إلى ذلك، فهي تَمتلِك القيمة، وتَحظى باهتمام اللاعب لأنها تمثيلات لوقائع مألوفة بدرجة أو أخرى.
ترجع شعبية الثقافة الإلكترونية للطبيعة العالية التفاعُلية التي تتميَّز بها الألعاب؛ حيث يستلزم موقف اللعبة دورًا فعالًا من اللاعب. وعلى الرغم من أن هذه التفاعُلية مبنية وموزَّعة بإحكام (نيومان ٢٠٠٢)، وأن القواعد والنُّظُم مُدمَجة في اللعبة نفسها — في «كاونتر سترايك» يُمكِن للمرء إما أن يكون إرهابيًّا وإما عضوًا في القوات الخاصة — فالحرية التي تضمَّنها مثل هذه الألعاب تمُيزِّها باعتبارها تقدمًا على أدوار الجمهور السلبية في غيرها من الحالات.
لا يمكننا أن نتعامل مع الألعاب وثقافة الألعاب بمعايير واجهة التفاعلية أو التمثيل المرئي فقط؛ فالألعاب، كما يُوضِّح إسبن آرسث (٢٠٠٤)، تدور حول أنواعٍ أخرى من الخبرة؛ حركية، ووظيفية، وإدراكية. باستخدام جهاز آي توي، يُمكِن تحديد حركات اللاعب في الزمن الحقيقي استجابة لعالم الألعاب. وبهذه الطريقة ينسخ اللاعبون حركات على الشاشة (تجنُّب الأعداء، والاتِّقاء، والتفادي). وباستخدام سجادة الرقص — المصنوعة من تسعة مربعات حساسة للضغط وموصولة بجهاز ألعاب يعرض الحركات على الشاشة — يتبع الراقص العلامات بقدمه؛ وبذلك يتعلَّم خطوات الرقصة. وفي كل حالة، نرى أشكالًا جديدة من الأفعال الحركية والإدراكية استجابة لبيئة محاكاة. ولذا، على سبيل المثال، يكون «تحديقنا في اللعبة»، كما يسميه باري أتكينز (٢٠٠٦)، مختلفًا عن التحديق السينمائي؛ لأن ما نثبِّت عليه نظرنا هو شيء «لما يأتِ بعدُ»، ولن يظهر إلا حينما نتفاعل «على النحو الصحيح» مع الواجهة التفاعُلية. تُحرِّك رغبتنا المرئية تحديقنا، ولكنها تَنشُد دومًا شيئًا ينتظر دوره ليظهر على الشاشة؛ تحديق «مستحيل».
تنوعت الاستجابات للألعاب، من القلق بشأن انسحاب الأطفال إلى البيت (من الرياضة خارج المنزل أو في المتنزَّهات على سبيل المثال) من أجل اللعب الفردي، أو هجرهم القراءة لصالح الألعاب «المجنونة»، إلى الدراسات الأكثر أكاديميةً التي تفترض أن اللعب هو في أغلب الحالات بديل من عدم فعل أي شيء (فروم ٢٠٠٣). اعتمد الاتحاد الأوروبي، مُنزعجًا من مقدار العنف في الألعاب الموجهة للأطفال، نظام تصنيف من عام ٢٠٠٣ (رغم أنه كان يوجد بالفعل تصنيف عمري اختياري لألعاب الفيديو)، أشرف عليه اتحاد البرمجيات التفاعلية لأوروبا،٣ ألعابًا من قبيل «كولومبين ماساكار آر بي جي!» تُمثِّل ثقافة عنف على الشاشة، وأعطت مبررًا للقلق (جيورن ٢٠٠٧). مرة أخرى، يُبرِز هذا الأمر الصلةَ بين عوالم الإنترنت والعالم المادي؛ حيث تصير «شاشات» العنف «أحداث» عنف.
من وجهات النظر الثلاث التي عرَضها آرسث (٢٠٠٦) — لعب اللعبة، وبنية اللعبة، وعالم اللعبة — تبدو الأخيرة أكثر ملاءمة لمقاربة الدراسات الثقافية. تشتمل منهجية عالم اللعبة على النظر في الجماليات، والأشكال الفنية (الرسوميات)، والتاريخ، واستخدام الوسائط للألعاب.
(٣-١) التآلف الاجتماعي الجديد
تُشكِّل الألعاب المتعددة اللاعبين، مثل «كويك أرينا» أو «إفركويست»، فضاءً «اجتماعيًّا»، لا يختلف عن المسرح أو ملعب الرياضات. وعلى خلاف الأشكال الأخرى، فأعضاء الجمهور الكبير في الألعاب ذات المصدر المفتوح (المُتاحة على الإنترنت) هم أيضًا مشاركون «متواصلون».
تَشتمِل ألعاب تأدية الأدوار متعددة اللاعبين على الإنترنت (MMORPGs) وألعاب تأدية الأدوار القائمة على الحركة الحية (LARPs) على الفعل البدني بوساطة الأفاتار، والأعداد الكبيرة من اللاعبين، والتحكُّم السردي الأكثر تحرُّرًا، والتفاعُل الكثيف بين لاعب ولاعب (تيشسن وزملاؤه ٢٠٠٦). ما يجعل من اللعب نوعًا مُتميزًا من أنواع التفاعُل الاجتماعي؛ ومن ثَمَّ من المجتمع، والثقافة، والهُوية، أو ما يُسمِّيه مورتنسن (٢٠٠٦) «اللعب الاجتماعي». التفاعل في الزمن الواقعي ممكن عبْر المناطق الزمنية، ويُنتِج قابلية اجتماعية جديدة، وإن كان بعض المعلِّقين (مثل جول ٢٠٠١) المتأملين في السرد والزمن في الألعاب ذهبوا إلى أنه لا يسع المرء أن يحظى بكلٍّ من التفاعُلية (التي تَشتمل على الزمن التزامني) والسرد (الذي يَشتمِل على الحبكة وزمن الحكي).
أما داخل العائلات، فالجيل الأصغر الذي تَربَّى على استخدام الكمبيوترات والألعاب هم لاعبون ذوو مهارات عالية. وهذا الشكل من «الانقسام الرقمي»، كما أظهره البحث، يُشجِّع على التآلف الاجتماعي داخل عائلةٍ ما، حينما يُوضِّح المُراهِقون لآبائهم وأجدادهم ويُعلِّمونهم أساسيات اللعب (آرساند ٢٠٠٧)، خالقين بهذا تآلفًا اجتماعيًّا جديدًا وصِلات جديدة داخل العائلات.
ولذا، يَلزم أن نتعامل مع ألعاب الكمبيوتر بوصفها علامةً على ظهور شكل جديد من المجتمع والاتصال. يُبرز اللعب، وخصوصًا ألعاب تأدية الأدوار القائمة على الحركة الحية، ظهور شكل جديد من التآلف الاجتماعي، ومن «الثقافة الشعبية» معًا. ويَستدعي هذا إعادة تعريفٍ جذرية لمفهوم «الثقافة الشعبية»؛ حيث يُمكِن أن يكون «الشعبي» هو الناس الذين يَجلسون في حرم بيوتهم ولكن مُشتبكين مع مجتمعٍ من اللاعبين من أنحاء العالم في عالَم ألعاب.
هنا يَتجلَّى المدى الكامل لمصطلح «تفاعلي» الشائع. كانت كلمة «تفاعلي» في الأصل تعني «التأثير المتبادل»، وكانت توحي بنشاط جماعةٍ ما؛ أي «تفاعل» جمعي. لكن التفاعُلية هي أيضًا الاشتباك مع السياقات — بيئة المَوقف أو الحدث أو العمل الفني. تعمل ثقافة الألعاب مع كلٍّ من هذَين المفهومين للتفاعلية: (١) لعب أو عمل أو اتصال جمعي. و(٢) اشتباك مع سياقات الوسيط/الفن. ويَعتقِد المعلِّقون بأن «مجتمعات الاهتمامات المشتركة» المؤسَّسة على المصالح المشتركة؛ مثل السيارات أو الرياضة في البيئات الافتراضية، ستظهر، حتى لو كان المشاركون يَخوضون حيوات «واقعية» جد مختلفة خارج عالَم الألعاب (نيكولز وآخرين ٢٠٠٦: ٤٨).
(٣-٢) المهارات والمسئولية والألعاب
في ألعاب «التشييد» مثل «سيفيلايزيشن»، يبني اللاعبون إمبراطورية أو ثقافة بأكملها. والواقع أن أحد أنماط التعامُل مع ثقافة لعبة الفيديو والكمبيوتر هو رؤية كيف أن هذه الألعاب هي، في جوهرها، نماذج اللعب الأقدم مثل أداء الأدوار، والبناء، و«محاكاة حياة الأسرة»، والمطارَدة، وهكذا (لوويرت ٢٠٠٧).
أوضح أنصار الثقافة الشعبية (مثل جونسون ٢٠٠٦) أنه بينما قد تُرسِّخ القراءة التركيز والقدرة على قراءة تتابُع سردي؛ فحتى الثقافة الشعبية غير الأدبية (مثل اللعب) تشحذ مهارات ذهنية مختلفة، تشمل الذاكرة المرئية، والإتقان اليدوي. يفترض هنري جنكينز، وهو مُنَظِّر إعلامي بارز ومحقق رئيسي يعمل لصالح مشروع الإلمام بوسائل الإعلام الجديدة، أن اللعب يُساعِد الأطفال من خلال تنمية أربع مناطق أساسية: اللعب (من خلال الاستكشاف والتجريب)، والأداء (لهُويات مختلفة)، والتعبير (إبداع مُحتوى جديد يترجم فيه الأطفال محتوى منهج مدرسي إلى محتوى اللعبة)، والتآزر (داخل مجتمع اللعبة). ويدعو جنكينز (٢٠٠٦أ) إلى استخدامٍ أكبر لمثل هذه الأدوات في التعليم، مفترضًا أنه يُمكننا، من خلال مطالبة الأطفال بأن يتأمَّلوا و«يحكموا» كيف تُصوِّر الألعاب العالم، أن نغرس فيهم خلقًا يتعلَّق بصنع الاختيارات بوصفهم لاعبين للعبةٍ ما؛ ومِن ثَمَّ بوصفهم مواطنين. ويوحي مُعلِّق آخر بأن الألعاب تُعلِّم الأطفال عن المسائل الكبيرة مثل الموت والفناء؛ فنهاية اللعبة تُذكِّر المرء بأن «الحياة» المُعيَّنة «انتهت» (ليلاند ٢٠٠٦: ١٠٣).
وكما يُقال، فمثل هذا الهدف (إثارة التساؤلات عن الأخلاقيات، والمسئولية، والخيارات) فيما يخصُّ الألعاب واضح في ألعاب الحيوانات الأليفة الافتراضية؛ فالحيوانات الأليفة الافتراضية — التي بشَّرت بها لعبة تاماجوجو اليابانية عام ١٩٩٧ — تُمكِّن الأطفال من أن يكونوا متفرجين، يراقبون لعب حيواناتهم الأليفة الإلكترونية وأداءها وحياتها ﻟ «بضعة أيام»، وأن يكونوا كذلك لاعبين فعالين حينما يؤدون وظائف الآباء من قبيل العناية. وكما عبَّر عن ذلك موقع مارا بتس، وهو موقع للألعاب على الإنترنت:
ستحتاج إلى تغذية حيوانك الأليف بانتظام حينما يجوع، وتضعه في الفراش لينام حينما يَتعَب، وتُلاعبه حينما يشعر بالملل. يمكن أن تلتقط الحيوانات الأليفة الأمراض والاعتلالات وتحتاج إلى المعالجة. إذا أُهمِل الحيوان الأليف وتُرِك مريضًا أو جوعانَ فسيموت. (www.marapets.com/pets.php)
تستلزم تلك الألعاب تنميةَ حسٍّ بالمسئولية بفعل «موضوعها التربوي» (بلوش وليميش ١٩٩٩). وهي تُنمِّي إحساسًا بالحميمية (مع الحيوان الأليف الافتراضي) غير معهود في أنواع الألعاب الأخرى.
(٣-٣) السرد
لا يُمكن التعامل مع ألعاب الكمبيوتر بصفتها «سردًا» مثل الروايات والسينما (جول ٢٠٠١)؛ فالزمن يُحَس بطريقةٍ مختلفة في الألعاب، وعلاقة المشاهد القارئ بالموضوع مختلفة جذريًّا في حالة الألعاب؛ حيث يندمج الجمهور واللاعب.
غير أن كثيرًا من الألعاب يُقدِّم بِنْية حبكة متتابعة أساسية، ومهمة اللاعب هي جزء من السرد، وهنا تختلف اللعبة عن الفيلم؛ مهمة اللاعب (الذي يأخذ على عاتقه دور شخصيةٍ ما في هذه «القصة») أن يُصارع الغرباء، ويُعيد الكوكب إلى حالة السلامة والاتزان. إذا كان الجمهور، في حالة السينما أو الملعب، «متفرِّجًا» تقريبًا، فاللاعب في لعبة الفيديو هو شخصية في اللعبة التي تُلعَب؛ حيث تكون «الشخصية» مجموعة من السمات أو آلة تُستخدَم من خلال اللاعب المتحكِّم، الواقعي/المتجسِّد. يعني هذا أيضًا أن الخيارات التي يتَّخذها اللاعب «الواقعي» لشخصيته تقيِّد أو تحدِّد ما يمكن للشخصية-اللاعب فعله «في اللعبة». هذا الطابع «الإدماجي» للجمهور «بوصفه» لاعبًا يقودُ تيد فريدمان، متبعًا مسئول الفنون الإلكترونية، تريب هوكينز، إلى وصف ألعاب الكمبيوتر بأنها «هوليوود الجديدة» (فريدمان ١٩٩٥: ٧٧). تشكل ألعاب الكمبيوتر من وجهة نظر فريدمان «سينما تفاعلية» يؤدِّي فيها اللاعب دور البطل.٤
يتحكَّم اللاعب في «زمن» أحداث اللعبة التفاعلية ومواقفها. لا تُحدَّد الأحداث المستقبلية بالمنطق السردي (إلا إذا كان اللاعب لا يستطيع تنفيذ مناورة)، ولكن من خلال حركات اللاعب. ووَفقَ رأي ماركو إسكلينين (٢٠٠١)، ثمة حركة واحدة فقط ممكنة في لعبة الكمبيوتر؛ من البداية إلى الفوز، وإن كانت تتوقَّف بالكامل على أن يختار اللاعب التوليفات العديدة. التفاعلية هنا محكومة بشفرات تدير اللعبة. ولذلك، إذا كانت لعبة معركة تستلزم إصابة العدو في مقتل، فحينئذٍ لا يُشكِّل الانتصار إلا إصابة العدو في مقتل. يَنجح اللاعب حينما يتعلَّم كيف تعمل آليات اللعبة. باختصار، «الفوز» هو «كشف أسرار» (تي فريدمان ١٩٩٩) عمليات البرامج التي تبني اللعبة. يتعلَّم اللاعبون تَبعات كل حركة، ويتعلَّمون أن يتوقعوا استجابة الكمبيوتر؛ ويستجيبوا من ثَمَّ وفقًا لها (جارلتس ٢٠٠٥أ: ١٠-١١). والواقع أنه يُمكن افتراض أن إثارة اللعبة تستمر بقدْر جهل المرء نسبيًّا ﺑ «كيفية» عملها.
في الألعاب ذات البيئات الدينامية مثل «سيفيلايزيشن» (١٩٩١)، يستطيع اللاعبون توسعة بِنية/فضاء اللعبة ذاته؛ ومن ثَمَّ تبديل العلاقات بين اللاعبين. تستلزم «سيفيلايزيشن»، مثلًا، قدْرًا معينًا من صنع القرار قبل التغيير في عالم اللعبة من جانب اللاعب. قد تكون هذه مفاوضات مع الخصوم، واختيار موقع المدينة (الذي يبنيه اللاعب بعد ذلك)، والزراعة أو البناء، وهكذا. وتُمَكِّن ألعاب مثل «سكند لايف» اللاعبين من أن يكونوا «بنائين» ليمنحوا أفاتاراتهم تكنولوجيا أو مسارًا أو لوازم للمهنة.
ثمة نمَطان أساسيان من الألعاب الإلكترونية؛ القصص المُرتكِزة على اللعبة، والألعاب المرتكزة على القصة (أنسورث ٢٠٠٦). في النمط الأول تشكِّل أنشطة اللعبة القصة. لعبة بي بي سي «سبايووتش» (متاحة حاليًّا للأغراض التعليمية) هي قصة مجموعة من الأطفال يُساعدون في التحرِّي عن جاسوس وتَتَبُّعه في بلدتهم. وفي لعبة ورنر بروس «أركين» (www2.warnerbros.com/web/arcane/home.jsp)، يَجب على اللاعبين أن يَجدُوا دلائل ويحلُّوا أُحجية «الدائرة الحجرية». وفي لعبة «كلوز» (www.boardgamecentral.com/games/clue.html)، يجب أن يتصفَّح اللاعبون روابط لإيجاد دلائل ستُساعِدُهم على التقدُّم، وحل اللغز. بؤرة التركيز الأساسية هنا هي على أنشطة اللعبة التي «تُنتِج» سرد القصة.
أما في النمط الآخر من الألعاب الإلكترونية، وهو اللعبة المُرتكِزَة إلى القصة، فتوجد قصة في مكانٍ آخر، وتكون اللعبة مبنية على هذه القصة. وهكذا، «هاري بوتر» (من ذي إلكترونيك آرت جروب، harrypotter.ea.com) أو «ذي لورد أوف ذي رينجز» (إلكترونيك آرتس) هما لعبتان تتبع مغامراتهما وسرداهما حبكة القصة المنشورة في العالم الواقعي. وهما عالَمان افتراضيان مؤسَّسان على عالَمين خياليَّين يَلعبُهما لاعبون واقعيون.
(٣-٤) تأدية الأدوار
يتجاهل الدارسون في كثير من الأحيان «الجانب المهني» في مثل هذه الألعاب، مفضلين التعامل معها باعتبارها مجرد «لعب». غالبًا ما تسمح لنا ألعاب تأدية الأدوار باختيار دور، ثم يجب علينا أن «نجتهد» فيه. في «ستار وورز جالاكسيز» (starwarsgalaxies.station.sony.com) توجد على سبيل المثال تشكيلة واسعة من المِهَن للاختيار من بينها — من تصميم الأزياء إلى التكنولوجيا الحيوية والتسويق الصيدلي. وفي «سكند لايف» يمكنك أن «تلعب» دور مالك أراضٍ، أو صاحب أعمال، أو أن تحوز أو تبيع أرضًا أو عقارات (في شهر يوليو ٢٠٠٦ وحده، جرى تداول ٣٨٠ ألف شيء في «سكند لايف»؛ ماير-تشونبرجر وكراولي ٢٠٠٦: ١٧٨٧). تُعلِّم هذه الألعاب التنافسية، والتخطيط، والإدارة، ومبادئ الاقتصاد. وفي ألعابٍ أخرى للَّاعب الفرد، مثل لعبة الأطفال «أليس جرينفينجرز» (www.alicegreenfingers.com)، يتعلَّم الطفل أن يزرع، ويجني أرباحًا، ويخطِّط لأنشطةٍ زراعية متنوعة، من الغرس إلى الحصاد وبيْع الإنتاج.٥ هذه الألعاب عوالم نلعَب فيها أدوارًا تنطلق من أدوارنا المادية وتُوسِّعها؛ وتستلزم «العمل»؛ وهي لذلك مُتطلِّبة، وتتسبب في الإنهاك في بعض الحالات (يي ٢٠٠٦). تُشجِّع «سكند لايف» اللاعبين على البيع والشراء، والبناء والتشغيل. وبحلول عام ٢٠٠١، كان الناس يَبيعون أسلحتهم الافتراضية وعملاتهم الافتراضية على موقعَيْ إيباي وياهو! مقابل نقود حقيقية. وكانت تُباع أفاتارات للعبة «إفركويست» بالمزايدة، مقابل أثمانٍ تراوحت بين ٥٠٠ دولار أمريكي و١٠٠٠ دولار أمريكي (كاسترونوفا ٢٠٠١). يعزِّز هذا فرضيتي بأن العالم الافتراضي يظل مرتبطًا ارتباطًا تكراريًّا بالعالم الواقعي. وكما أفترض، فكل عالم «موسَّع» و«مضخَّم» من قبل الآخر.
ولذلك، فالشخصية في اللعبة هي نتاج تفاعل اللاعب البشري «الواقعي» والرمز المتشكِّل بالكمبيوتر على الشاشة، وليست مُستقلَّة بالكامل.
(٣-٥) عوالم الألعاب وسياستها
تُصاغُ الألعاب بطريقة معيَّنة، من حيث إنتاجها واستهلاكها (الأخير في حيوات الناس اليومية). ويؤسَّس «التاريخ» في هذه الألعاب، كما افترض كيفين شط (٢٠٠٧) في حالة لعبة «روم: توتال وور»، في الغالب على الصور النمطية عن النوع، والعِرق، والقومية. لنأخذ، على سبيل المثال، لعبة «سيفيلايزيشن ٤: بيوند ذي سورد» (٢٠٠٥). حضارة «الهند» فيها «مميَّزة» لخدمة المستهلك/اللاعب بعناصر قليلة يُمكن إدراكها على أنها «هندية»: أحدها هو المهاتما غاندي، المعروف جيدًا عبْر العالم بأنه رسول السلام ونبذ العنف، والآخر هو الإمبراطور أسوكا الذي تخلَّى بعد معركة دامية بحقٍّ عن العنف، واعتنق البوذية. السرد «المُشكِّل» للعبة يتركز على لا عنف الهند — هذا هو ما يجدر الانتباه له واستهلاكه، وليس التنمية التكنولوجية الهندية، أو التحوُّل إلى دولة نووية. اللعب هنا هو ممارسة «ثقافية» بجلاء، مَبنيَّة على منظومة معتقدات، وخرافات رائجة؛ ومن ثَمَّ تكون قابلة للتعرُّف عليها، عن «حضارات» معيَّنة. أما «الإرهابي» ذو القَلَنْسُوَة في لعبة «كاونتر سترايك» فيَنتمِي إلى «صور» معروفة الآن من الإرهاب؛ أي أن اللعبة الشعبية تضع حضارةً ما في إطارٍ معيَّن، ليستمر الناس في تصديق هذه الخرافات نفسها (تُقدِّم «سيفيلايزيشن آي في» مسارَين داخل الهند: الروحانية والتعدين!) أما «أليس جرينفينجرز» فتعلِّم استراتيجية خلق الأرباح من خلال زيادة «الإنتاج». ولا تذكر الادخار. وبدلًا من ذلك، تغري «اللاعب» بشراء السلع — أي الإنفاق عليها — في المَتجر، وتشكل خطًّا مباشرًا من العمل الإنتاجي إلى الأرباح إلى الاستهلاك.
أما في حالة عوالم الألعاب الأخرى، فتَتجلَّى الثقافة الاستهلاكية غالبًا في صورة الإعلانات، والتأييدات، وصور خفية من الخطابة الترويجية. حينما أصبحَت لارا كروفت مقترنة بمشروب لوكوزيد عام ١٩٩٩ (على الرغم من أن عالَم الألعاب نفسه لم يُظهِر لارا كروفت أبدًا تَعُبُّ المشروب الغازي)، ظهرت شخصية اللعبة في إعلانات عن المنتَج (حتى إن المنتَج أصبح معروفًا لفترةٍ باسم لارازيد)، مقرِّبة ما بين الثقافة الاستهلاكية والثقافة الإلكترونية، ومعززة مبيعات لوكوزيد (انظر نيكولز وآخرين ٢٠٠٦: ٢٨–٣١). مرة أخرى، نشهد ظاهرة ثقافية إلكترونية تؤثِّر في العالم المادي — الأرباح في هذه الحالة — حتى مع تقدُّم البحث في حجم شريط الإعلان وسيميائيات الإعلانات على الإنترنت بسرعة (انظر موري-دنهام وجرين ٢٠٠٧؛ روبنسون وآخرين ٢٠٠٧).
عالم الألعاب
يشير عالم الألعاب إلى العوالم الافتراضية التي تُنشئها برامج الكمبيوتر. وهو يعمل بمجموعة قواعده وأعرافه السردية، سواء أكانت التخطيط الاستراتيجي لتشييد حضارة، أم لهدم وحدة معادية.
«الإعلان» في الألعاب هو استراتيجية جديدة تضع أنشطة الثقافة الإلكترونية من قبيل الألعاب في إطار الثقافة الترويجية. استخدمت شركة كرايسلر لعبةَ الإنترنت «جيب ٤ × ٤: تريل أوف لايف» لترويج سيارتها الجيب من طراز روبيكون، وكان ٥٠٠ مشترٍ من أول ١٥٠٠ مُشترٍ لجيب روبيكون قد أجرَوْا قيادة افتراضية لسيارة الجيب قبل الشراء (نيكولز وزملاؤه ٢٠٠٦: ٣٢). تتزايَد هيمنة الإعلان من داخل اللعبة. على سبيل المثال أظهرت لعبة «سيمز أونلاين» بوضوح علامة «مكدونالدز». ولذا، يخدم فضاء عالم الألعاب الترويج مثل أي فضاء آخر. هذا ما يراه ديفيد نيكولز وزملاؤه (٢٠٠٦) باعتباره مستقبل اللعب؛ العلامات التجارية في عوالم الألعاب.
تُعلِّم لعبة «سيمسيتي» اللاعبين أن القوة تأتي مع توسُّع المدن؛ ولذا إذا أردت أن تُصبح المحافظ، فيجب أن تُؤكِّد أن مدينتك تكبر. المُثير للاهتمام هو أن المدينة في «سيمسيتي» مصمَّمة وَفق نموذج المدن «الأمريكية» (تي فريدمان ١٩٩٩؛ لوويرت ٢٠٠٧: ١٩٨).
يُعطي برنامج «سيفيلايزيشن» الأساسي الفرصة للاعبين لكي «يُكبِّروا» مدائن مصرية أو هندية، بِناءً على أفكارٍ مُدرَكة سلفًا عن هذه الثقافات. ولا يُسمح بناطحات سحاب من النوع الأمريكي في المدينة المصرية أو الهندية. لذا، فما نراه هنا هو سياق «ثقافي» للمدن المحاكاة وتأدية الدور.
ومن حيث تحليل عالم الألعاب، تمتلك مثل هذه الأشكال الثقافية الشعبية من الثقافات الإلكترونية قيمةً تربوية مهمة أيضًا. لعبة مثل «سيفيلايزيشن»، أو «كولونايزيشن» الأقل نجاحًا، لا يُمكن استخدامها فقط لشرح و«ممارسة» حِقب تاريخية، ولكن أيضًا مواقف معيَّنة من الدبلوماسية، أو الحرب، أو التجارة، أو الإبحار، أو العمارة (سكواير ٢٠٠٢). في لعبة «ذي ويشينج كابورد» (www.libbyhathorn.com/lh/Washing/Default.htm)، ينتظر تان، وهو صبي فيتنامي، عودة أمه من فيتنام. ولِتُسلِّيه جدتُه، تفتح له خزانة التَّمني. مهمَّة لاعب اللعبة هي: فتح أبواب الخزانة واحدًا بعد الآخر، في خزانة شيء عِرْقي، فيتنامي. وتظهر بعد ذلك الجدة لتَشرح دلالة هذا الشيء. هكذا، تكشف إحدى الخزائن عن بوذا «أخضر يانع». وبعد ذلك، حينما يستمرُّ اللاعب، نجد استفسارَ تان: «ما ديننا يا جدتي؟» حينئذٍ تستمر الجدة في تعليم تان و«اللاعبين» البوذية. ويُصاحب هذا وصفٌ تفصيلي، وإن يكن بليغًا جدًّا، للهياكل الفيتنامية، والأساطير والموضوعات البوذية. في هذه اللعبة مقصد تربوي معيَّن؛ حيث تُظهَر الثقافات المختلفة، ويُتاح الوصول إليها، وفهْمها من جانب اللاعب. يُساعد الكثير من هذه الألعاب المبنية على القصة اللاعبَ الطفلَ على التفكير وعمل أنشطة منسَّقة. على سبيل المثال، في «أليس أدفنشرز إن وندرلاند» (جوريكو إنتراكتيف، ٢٠٠٠)، يجب إرشاد أليس، عبْر سلسلة من المواقف الخادعة، إلى السلامة والنجاح.
وفي الحقيقة يجب استحضار دور المحاكاة الحاسوبية في العلم التكنولوجي العسكري — الذي أوجَدَ الكمبيوتر الرقمي (كروجان ٢٠٠٦: ٧٦) — في الذهن حينما ننظر إلى إنتاج الألعاب الحربية والعسكرية على الكمبيوتر الشخصي.
أصبحت أيديولوجيات مُبدع اللعبة وتحيُّزاته الثقافية موضوعًا للدراسة النقدية في أواخر التسعينيات من القرن العشرين. أوضحت ناقدات نسويات مثل هيلين كينيدي (٢٠٠٢) أن لعبة مثل «لارا كروفت: تومب ريدر» ربما تدلُّ على تحوُّل عن ألعاب المعارك التقليدية، في وضع المرأة موضع الشخصية المركزية، لكن ما لا يُمكن إنكاره هو أن اللعبة تجمع بين قوة مادية ودرجة عالية من «الهُوية الجنسية» (المقارنة هنا مع «بطلات» أخريات، مثل بَفِي ذي فامباير سلاير). ومِن المُمكِن أن تكون اللعبة تُعزِّز كلًّا من الرغبة الذكورية في السيطرة على الجسد الأنثوي (كروفت هنا)، و«وعيًا مُزدوجًا» بالنوع للجسد الإلكتروني، والنوع للاعب (فلاناجان ٢٠٠٢). يَضمن جسد لارا كروفت القريب من الكمال إدراك اللاعبة لأنوثتها طوال الوقت، وجسد المرأة الإلكتروني هو وسيلة التلاعب، وأداتُه، وغرضه المصبوغ بالصبغة الجنسية.٦



