طرافة العابر في هايكو علي القيسي / تغريد نديم عمران – سوريا

يقول الشاعر :
إنها التاسعةُ ليلاً
موعدُ تعثُّري
بساقِ الكرسيّ
يبدأ هذا الهايكو بتحديد زمني دقيق: (إنها التاسعة ليلاً). يضعنا الشاعر أمام ساعة بعينها، وكأنها موعد متكرر لشيء يعرفه الشاعر جيداً.
ثم تأتي المفاجأة في السطر الثاني:
موعدُ تعثّري
كلمة «موعد» عادةً تستدعي انتظار شخص، أو لقاءً، أو حدثاً مهماً. لكن الهايكو يقلب التوقع: الموعد هنا مع التعثّر. وهنا تنشأ مفارقة لطيفة بين دقة الموعد وتفاهة الحدث الظاهر.
أما السطر الأخير:
بساقِ الكرسيّ
فهو أجمل ما في النص في رأيي؛ لأنه يهبط بنا فجأة من فضاء التوقع إلى تفصيل يومي شديد البساطة؛ مجرد ساق كرسي تختبئ في العتمة أو في غفلة العين.
والأجمل المفارقة في النص؛ فالكرسي، الذي يفترض أن يمنح الجسد استقراراً، يصبح هو نفسه سبب التعثر. كأن ما نركن إليه يمكن أن يكون هو ما يربك خطونا.
وفي الهايكو أيضاً كوميديا خفيفة لا تُفسد تأمله: الشاعر يتعامل مع التعثر وكأنه طقس يومي له موعد ثابت. وهذه النبرة الهادئة هي التي تمنح النص طرافته؛ فبدل أن يقول: أتعثّر كل ليلة بالكرسي، يجعل من الحادثة موعداً، وكأنه يقول: حتى عثراتي أصبحت تعرف طريقها إليّ.
لكن وراء هذه الطرافة الظاهرة، يترك الشاعر مساحة صغيرة للإضمار. فالساعة التاسعة ليست بالضرورة مجرد توقيت عابر؛ إذ يمكن أن تستدعي، في سياق التجربة العراقية، موعد انقطاع الكهرباء المبرمج. الشاعر لا يقول إن الكهرباء انقطعت، ولا يذكر الظلام، ولا يشرح لماذا نهض من مكانه، بل يترك هذه التفاصيل خارج النص، لتستعيدها ذاكرة المتلقي ومعرفته بالسياق. ومن هنا يتشكل مشهد آخر في خلفية الهايكو: تنقطع الكهرباء في التاسعة، فينهض الشاعر بحثاً عن وسيلة إضاءة أخرى، وفي هذه اللحظة يتعثر بساق الكرسي. إن ما يقوله الهايكو قليل، لكن ما يتركه خارج القول يوسّع المشهد؛ فالساعة تصبح مفتاحاً لحدث غير مصرح به، و«ساق الكرسي» تصبح نتيجة لحركة سبّبها ذلك الحدث المضمر. وهنا لا يأتي الإضمار من الغموض أو من إخفاء الصورة، بل من ترك بعض تفاصيل الحكاية للقارئ كي يستكملها بنفسه. وبذلك يصبح التعثر، الذي يبدو في القراءة الأولى حادثة عابرة، جزءاً من حكاية صغيرة تتشكل بين التاسعة والظلام والكرسي.
بذلك يمكن قراءة الهايكو بوصفه احتفاءً بما هو عابر، صغير، ومألوف. بحيث لا يمكن تحميله أكثر مما يحتمل من الرموز؛ قوته في أن الهايجين يضحك قليلاً من عثرته، ثم يتركنا نبتسم لأننا جميعاً لدينا «ساق كرسي» نتعثّر بها في ساعة ما.



