مراهِقة بخمسين عامًا… تكتبها الخوارزميات ويصفّق لها الفراغ/لؤي التميمي

في زمن صار فيه الفلتر أهم من الفكرة، ظهرت في المشهد الثقافي “كاتبة” لا تُرى إلا بملامح مصقولة، وبشرة بلا مسام، وابتسامة مراهِقة لا علاقة لها بعمرٍ تجاوز الخمسين بكثير. خمسون عامًا من العمر، لكن الصور تمر بمراحل طويلة من الفلاتر
هذه السيدة لا تكتب، بل تُكتَب لها.
نصوصها النثرية تصل جاهزة من الذكاء الاصطناعي: جُمَل منمّقة، استعارات بلا تجربة، لغة تشبه الإعلانات أكثر مما تشبه الحياة. ومع ذلك، تُنشر هذه النصوص في صفحات ثقافية لصحف عراقية ومجلات عراقية كثيرة .وكأن صحف العراق ومجلاته أصبحت مكبا للحشو والنفايات
في مشهد لا يسيء للأدب بقدر ما يفضح من فتح الباب. هل أن من يدير هذه الصفحات وصل بهم الأمر بحشو الصفحات الثقافية بهذه الخواطر النثرية المبتذلة الرخيصة التي تشبه انشاء يكتبه التلاميذ في الابتدائية. أم لقلة خبرتهم.أم أنهم يجامل ت على حساب الأدب .أم لأغراض أخرى نجهلها
من الذي شجّعها؟
كروبات تحمل أسماء ضخمة: مؤسسة – أكاديمية – منتدى دولي. أسماء أكبر من محتواها بعشرات المرات. يديرها رجال تجاوزوا الخمسين والستين، لا علاقة لهم بالواقع الأدبي، ولا بالمشهد الثقافي، ولا حتى بالقراءة. كل ما يفعلونه هو توزيع شهادات بلا قيمة، ودروع بلا معنى، مقابل صور، مجاملات، وحضور أنثوي يُعيد إليهم وهم الشباب.
أما “الكتاب” الذي تملأ به الفضاء إعلانات، فهو نكتة ثقافية مكتملة الأركان.
تدّعي بيع آلاف النسخ، وتضع اسمها وصورتها المتبرجة على غلاف ملوّن، لكن عند السؤال:
لا دار نشر.
لا رقم إيداع.
لا نسخة ورقية.
لا نسخة إلكترونية.
مجرد بوستر لغلاف، كتاب لم يُكتب، لكنه أُعلن.
ولأن الكذبة تحبّ التضخيم، لم تكتفِ بنص ذكاء اصطناعي، بل صنعت له نقّادًا من الذكاء الاصطناعي أيضًا. مقالات مديح، أسماء لا وجود لها، “نقّاد” لم يُعثر لهم على صفحة، ولا كتاب، ولا سطر واحد خارج دائرة التهليل لها.
ثم جاءت الفضيحة التي لا تحتاج ناقدًا، بل تحتاج اتصال هاتف فقط.
نشرت مقالة تمدح نصًا لها، ووقّعتها باسم الناقد المصري المعروف حسن غريب.
وبما أن الناقد صديق، كان من الطبيعي البحث عن المقالة في صفحته الرسمية.
لا مقالة.
لا إشارة.
لا ذكر للاسم.
وعند الاتصال به مباشرة، جاءت الإجابة واضحة وبسيطة وصادمة:
لا يعرفها. لم يسمع بها. ولم يكتب عنها حرفًا واحدًا.
هكذا، وبضربة واحدة، سقطت الخوارزمية، وسقط النقّاد الوهميون، وسقطت المراهقة المصطنعة، وبقي السؤال معلقًا:
كيف يمكن لمشهد ثقافي أن يسمح لخمسينية تُقدّم نفسها كمراهقة، لا تكتب حرفًا واحدًا بيدها، أن تُنشر، وتُشاد، وتُمنح ألقابًا، بينما يُهمَّش الكتّاب الحقيقيون؟
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي.
المشكلة في ذكاء ثقافي غائب، وفي صفحات لا تفرّق بين النص والبوستر، بين الكاتب والفلتر، بين النقد الحقيقي والتزوير الرخيص.
وفي النهاية، كل الفلاتر تسقط…
وكل الخوارزميات تُفضَح…
لأن حبل الكذب – مهما طال – قصير



