التعليم في العراق: مشروع إنقاذ حضاري — رؤية تربوية لبناء الإنسان/ د.ياسين احمد خلف

المدارس العراقية (1955)
المستقبل ليس قدرًا مكتوبًا سلفًا، بل نتيجة خيارات. وهذه الحقيقة، على بساطتها، تضع التعليم في قلب السؤال الحضاري: لماذا تأخرنا؟ وكيف يمكن أن نتقدم؟
يعيش العراق مفارقة مؤلمة. فهو يمتلك ثروة بشرية شابة، وتاريخًا ثقافيًا وفكريًا عميقًا، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، لكنه ما زال يواجه تحديات كبيرة في بناء الدولة الحديثة، وانقسامات سياسية وثقافية، وتعليمًا يغلب عليه التلقين على حساب التفكير، فيما تُستَخدم الهوية أحيانًا في الصراع بدل أن تكون مصدرًا للتنوع والبناء.
وما زالت هناك مدارس تفتقر إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية؛ مدارس من الطين، وقاعات دراسية لا تقي التلاميذ حر الصيف ولا برد الشتاء، وأرضيات يجلس عليها بعضهم بدل المقاعد، وسبورات تقليدية، ونوافذ تفتقد الزجاج، وحمامات غير صالحة للاستخدام. وفي الجانب الآخر يقف معلم أنهكته متطلبات الحياة والبحث عن لقمة العيش، بينما يُطلب منه أن يصنع أجيالًا قادرة على صناعة المستقبل.
وهنا لا بد أن نسأل: كيف نطلب من المدرسة أن تبني إنسانًا قادرًا على صناعة المستقبل، ونحن لم نوفر لها دائمًا شروط الحاضر؟
لم يعد تقدم الأمم يُقاس بما تملكه من موارد طبيعية فقط، بل بقدرتها على بناء الإنسان القادر على التفكير والمساءلة والمشاركة الواعية في الشأن العام. ومن هنا يبرز التعليم بوصفه القضية المركزية لأي مشروع نهضوي عراقي حقيقي.
إن أزمة التعليم في العراق ليست في المناهج أو الإمكانات وحدها، بل في نموذج العقل الذي نريد أن نصنعه. عقل يحفظ أكثر مما يفهم، ويخاف الخطأ أكثر مما يبحث عن الحقيقة، ويتعامل مع السؤال بوصفه مصدر إزعاج بدل أن يراه بداية للمعرفة.
وبهذا النموذج لا نستطيع أن نبني إنسانًا حرًا ومسؤولًا، بل نعيد إنتاج التبعية بصورة ناعمة، داخل مؤسسة يفترض أن تكون مهمتها تحرير العقل لا تقييده.
ولا يمكن فصل الواقع التعليمي عن حالة التأخر الحضاري العامة. فضعف العلاقة بين التعليم والتنمية خلق فجوة بين مخرجات التعليم وحاجات المجتمع وسوق العمل،وأسهم في البطالة وهجرة الكفاءات، وأضعف الثقة بقيمة التعليم ذاته. كما أن إخضاع التعليم للتجاذبات السياسية أو الأيديولوجية يبعده عن رسالته الأساسية: بناء الإنسان والمعرفة.
إن المشكلة، في جوهرها، ليست في الإنسان العراقي، وإنما في الأنظمة والسياسات ونماذج التفكير التي تحدد فرصه ومساراته. فعندما تُكافأ العلاقات والولاءات على حساب الكفاءة، ويُقمع السؤال بدل احتضانه، ويتحول الاختلاف إلى تهديد، تتآكل الحيوية الفكرية ويتراجع الإبداع.
ولذلك فإن التعليم الذي نحتاجه اليوم لا ينبغي أن يقتصر على إعداد الفرد لسوق العمل، بل يجب أن يسعى إلى بناء إنسان ناقد، مسؤول، قادر على الحوار واتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
وهنا يعود السؤال التربوي الأساسي:
ماذا نريد من المتعلم؟
حافظًا للمعلومة أم صانعًا للمعنى؟
وقد وجدت جوابًا مؤلمًا عن هذا السؤال في حوار قصير مع أحد طلبتي.
سألته عن طبيعة إجابته، فقال لي:
«هذه بضاعتكم رُدّت إليكم، أستاذ.»
فقلت له:
«لأن طلباتنا أُهملت، وأهدافنا تلاشت.»
ربما تختصر هذه الكلمات سنوات طويلة من علاقتنا بالتعليم؛ فالمعلم لا يستطيع أن يُخرّج طالبًا مختلفًا إذا كان النظام نفسه لا يسمح له بأن يكون مختلفًا.
وفي هذا السياق يبقى المعلم حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي. فالمعلم ليس ناقل معرفة، ولا حارس منهج، بل قدوة أخلاقية وميسّر للتفكير، يساعد الطالب على اكتشاف قدراته بدل أن يضع أمامه حدودًا جاهزة.
وهيبة المعلم لا تُبنى بالخوف، وإنما بالكفاءة والعدالة والاحترام المتبادل. وكل مشروع لإصلاح التعليم لا يبدأ من احترام المعلم وتأهيله وتأمين بيئة مناسبة لعمله، سيبقى إصلاحًا ناقصًا.
كما أن المدرسة يجب أن تُستعاد بوصفها فضاءً إنسانيًا آمنًا، لا مؤسسة للضبط والعقاب فقط. فالطالب الذي يشعر بالأمان، ويُسمح له بالسؤال والخطأ والحوار، يتعلم أكثر، ويشارك أكثر، وينمو بوصفه مواطنًا، لا مجرد متلقٍ للمعلومات.
ولا يمكن الحديث عن التربية دون الحديث عن القيم. فالقيم لا تُغرس بالشعارات، وإنما تُمارس يوميًا في الصف: في طريقة التعامل، وفي أسلوب التقويم، وفي احترام الرأي المختلف، وفي العدالة بين الطلبة، وفي الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
ومن هنا فإن الديمقراطية لا تبدأ فقط في صناديق الاقتراع أو في الخطابات السياسية؛ إنها تبدأ من الفصل الدراسي، عندما يتعلم الطالب أن صوته مسموع، وأن اختلافه لا يجعله خصمًا، وأن القانون والعدالة فوق الجميع.
أما الدين، فمكانه الطبيعي في التربية هو بوصفه مصدرًا للقيم الأخلاقية الكبرى، كالرحمة والعدل والأمانة واحترام الإنسان. والإيمان لا يتناقض مع السؤال؛ فالعقل الذي يسأل بحثًا عن الحقيقة ليس عقلًا متمردًا على القيم، بل عقل يسعى إلى فهمها بوعي ومسؤولية.
وفي زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يصبح التحدي أكبر. فالتكنولوجيا ليست بديلًا عن التفكير الإنساني، وإنما أداة يمكن أن تدعم المعرفة وتوسع آفاق التعلم.
لكن الخطر الحقيقي ليس في دخول الذكاء الاصطناعي إلى التعليم، بل في أن نستخدمه لإعفاء الطالب من التفكير بدل أن نستخدمه لتعميق التفكير.
فالتكنولوجيا تستطيع أن تقدم للطالب إجابة، لكنها لا تستطيع أن تمنحه بالضرورة قدرة السؤال.
وهنا تقع مسؤولية المعلم من جديد: أن ينتقل من تعليم الإجابة الجاهزة إلى تعليم الطالب كيف يسأل، وكيف يبحث، وكيف يميز بين المعرفة والمعلومة، وبين الحقيقة والرأي.
إن إصلاح التعليم في العراق ليس خيارًا ثانويًا، ولا مشروعًا يمكن تأجيله إلى أن تنتهي بقية أزمات المجتمع؛ لأنه في الحقيقة جزء من علاج تلك الأزمات.
فالتعليم يصنع الطبيب والمهندس والمعلم والقاضي والإداري والسياسي والمواطن. وإذا أردنا تغيير المجتمع، فعلينا أن نعيد النظر في المكان الذي يبدأ فيه الإنسان بتكوين رؤيته عن نفسه وعن الآخرين وعن الدولة والقانون والحق والواجب.
لقد برهنت التجارب الإنسانية، وبرهنت الحياة نفسها، أن العلم هو السلاح الأقوى من أجل البقاء والحياة الكريمة؛ ليس لأنه يمنح الإنسان القوة وحدها، بل لأنه يمنحه القدرة على فهم القوة واستخدامها بمسؤولية.
ولهذا فإن إنقاذ التعليم ليس إنقاذًا لوزارة أو مدرسة أو منهج، بل هو إنقاذ للإنسان نفسه.
فالمستقبل لا يُصنع في القمم والمؤتمرات السياسية وحدها، وإنما يبدأ من مقعد دراسي، ومن معلم يؤمن برسالته، ومن طفل يُسمح له بأن يسأل، ومن مدرسة تحترم عقله وكرامته.
إن بناء الإنسان هو الاستثمار الأجدى، والطريق الأكثر أمانًا نحو مستقبل عراقي واعٍ ومسؤول.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى أمام ضميرنا جميعًا هو:
أي إنسان نريد أن نصنع؟
اكاديمي عراقي مغترب
استاذ تكنولوجيا التعليم



