ماذا يحدث للإنسان حين يتحول ألمه إلى قسوة/ياسين احمد خلف يحيى اوغلو

ما بال قلبي لا يجترّ إلا الآلام، رغم أنني عشت أجمل أيام الحب، وعرفت أروع الأصدقاء؟
هل لأن أحداث اليوم طغت على ما مضى، فطردت أجمل الذكريات، وأودعت في القلب أقسى الأحداث؟
لقد عشت حبًا أصبح من حكايات العشاق، ومن أغاني الحياة والشباب، ورحلت صوب أمنياته.
كان قلبي ينبض كقلب طير، يعشق أروع الألحان، ويغرد لسعادة الآخرين، ويتمنى الخير لكل طيب، ويحلم لكل إنسان بأمنية جميلة.
زرت الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وكنت عاشقًا للتاريخ والأدب والموسيقى، أبحث في الحياة عن جمالها، وفي الإنسان عن أجمل ما فيه.
فما بال قلبي اليوم لا يتذكر إلا آلامه؟
ربما لأن كثيرًا من آلامي لم تكن لي وحدي؛بل كانت نتيجة آلام الآخرين، وتعاستهم، ومظلوميتهم.
كنت أعتقد أن المظلوم، إذا امتلك القدرة وتحكّم، سيفوح منه طيبٌ ونبلٌ وكرم، وأنه سيحمل قلبًا مليئًا بالحب للجميع، لأنه يعرف جيدًا مرارة أن يُظلم الإنسان، ووجع أن تُسلب منه كرامته.
كنت أظن أن من ذاق العذاب سيبحث عن الرحمة، وأن من بكى يومًا بسبب القسوة لن يجعل غيره يبكي بالطريقة نفسها.
لكنني اكتشفت، وما أقسى الاكتشاف حين يأتي متأخرًا، أن الإنسان لا يصبح عادلًا لمجرد أنه كان مظلومًا.
فبعض من ذاق الظلم، حين امتلك القوة، نسي مظلوميته، وربما نسي معها كل الدموع التي ذرفها يومًا، ثم أخذ يمارس على الآخرين ما كان يكره أن يُمارس عليه.
والأقسى من الظلم نفسه أن ترى من كنت تظنه ضحية، وقد أصبح جلادًا.
عندها لا يعود الألم بسبب ما حدث لك وحدك، بل بسبب سقوط صورة جميلة كنت تحملها في قلبك عن الإنسان.
وهذا ما أوجعني أكثر…
فأنا لم أفقد بعض الذكريات فحسب، بل فقدت شيئًا من إيماني بأن الألم يجعل الإنسان أرحم، وأن المظلوم حين يمتلك القوة سيعرف قيمة العدل.
يا أسفي على قلبٍ ظلّ يصّدق أن من ذاق مرارة الظلم، لا يمكن أن يسقيها لغيره.
لقد تعلمت متأخرًا أن الألم لا يصنع النبل وحده، وأن القسوة لا تنتهي بانتهاء الظلم؛ فقد تنتقل من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل، إذا لم يجد الإنسان في داخله شجاعة كسرها.
ولعل أقسى ما في القسوة أنها لا تقتل من نحب فقط، بل تقتل فينا شيئًا من الصورة الجميلة التي كنا نرسمها للإنسان ،
وليس كل من رفع راية المظلومية كان مظلومًا حقًا؛ فبعضهم أتقن الحديث عن جراحه، وأقام منها صورةً لنفسه بوصفه ضحية، بينما كان يمارس على غيره ما يرفضه لنفسه. وقد تكون المظلومية أحيانًا وسيلةً لا لطلب العدل، بل لطلب التعاطف والامتياز، حتى إذا امتلك صاحبها القوة، ظهرت الحقيقة التي كانت تختبئ خلف الكلمات،
فليس كل من قال: أنا مظلوم، كان بريئًا،
اكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب



