الجمال حين يغيّر الزمن ملامحه/ياسين احمد خلف يحيى اوغلو

هل الجمال هو ما تراه العين، أم ما يتركه الإنسان في الروح؟
سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه يأخذنا إلى مساحة أعمق حين نتأمل الحياة، وتغير ملامح الإنسان، وطريقة عرض صوره أمام الآخرين.
الحياة في طبيعتها جميلة، غير أننا لا ندرك جمالها دائمًا. فالجمال الذي نراه في الشباب ليس هو الجمال نفسه الذي قد نكتشفه في النضج، والشيخوخة، وملامح السنين. وكل مرحلة من مراحل العمر تحمل شيئًا من حقيقتها، وإن اختلفت نظرتنا إليها.
لكن ثمة أمرًا آخر يستحق التأمل: حين يتقدم الإنسان في العمر، و خاصة عندما يصيبه المرض، هل يصبح من حق الآخرين أن يعرضوا صورته على الناس دون أن يتوقفوا عند خصوصيته وكرامته؟
أتساءل أحيانًا وأنا أرى صور بعض الفنانين والفنانات الذين أسعدوا الناس بفنهم، وكانت لهم في ذاكرتنا صور جميلة ارتبطت بأصواتهم وأغنياتهم وأيامهم المضيئة. وعلماء وادباء وقادة ساهموا في خدمة الاهل والوطن ،ثم تظهر لهم صور في مراحل متقدمة من العمر، أو في حالات المرض والضعف، وقد نشرتها عائلاتهم أو المقربون منهم.
لا أخفي أنني قد أتألم حين أرى بعض هذه الصور. ليس لأنني أرفض الشيخوخة، ولا لأن الإنسان يفقد قيمته حين تتغير ملامحه، وإنما لأن الصورة التي عاشت في ذاكرتي كانت مرتبطة بجمال فني وإنساني، ولأنني أتساءل: هل كان من الضروري أن تُعرض هذه الصورة أمام الجميع؟
هنا لا أريد أن أتهم أحدًا، ولا أن أفسر نوايا العائلات. فقد يكون وراء النشر حب صادق، أو رغبة في مشاركة ذكرى، أو اعتزاز بإنسان عزيز. لكن المحبة وحدها لا تلغي السؤال عن الخصوصية.
فليس كل ما نحتفظ به بمحبة ينبغي أن نعرضه على الآخرين.
الإنسان حين يمرض أو يضعف لا يفقد كرامته، بل ربما يصبح أكثر حاجة إلى أن تُصان كرامته. وليس من العدل أن يتحول ضعفه إلى مادة تستثير الشفقة، أو وسيلة لجذب الانتباه، أو صورة يتداولها الناس دون أن نعرف إن كان قد رضي بها لو كان قادرًا على الاختيار.
أنا لا أرى أن الشفقة هي اللغة التي ينبغي أن نختزل بها الإنسان. فالإنسان ليس موضعًا يُعرض للشفقة، بل هو صاحب قيمة وذاكرة وتجربة، سواء كان في أوج شبابه أو في آخر مراحل عمره.
وقد تكون أجمل صور المحبة تلك التي لا يراها أحد، لأنها بقيت في مكانها الصحيح: في قلب من يحب,
إنني لا أدعو إلى إخفاء الشيخوخة، ولا إلى إنكار المرض، ولا إلى فرض صورة واحدة للجمال. فالشيخوخة جزء من الحياة، وملامحها ليست عيبًا ينبغي أن نخجل منه. لكنني أدعو إلى أن نفرّق بين أن نرى الإنسان باحترام، وأن نعرضه على الآخرين دون أن نراعي حقه في الخصوصية.
إذا لم نكن مضطرين إلى العرض، فالأفضل أن نسأل أنفسنا أولًا: هل يحفظ هذا العرض كرامة الإنسان، أم يلبي رغبتنا نحن في النشر؟
فالصورة ليست مجرد ورقة أو شاشة، بل هي حضور إنسان، وقد تكون وراءها ذاكرة طويلة، ومشاعر، وحقوق لا ينبغي أن نتجاوزها.
وربما كان علينا أن نتعلم جمالًا آخر، لا يتوقف عند ملامح الوجه، بل يمتد إلى حسن التصرف، ورقة الشعور، واحترام الضعف، والقدرة على أن نحب الإنسان دون أن نجعله عرضة لنظرات الآخرين.
الجمال الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى أن يُعرض.
وأحيانًا، يكون أرقى ما نفعله من أجل من نحب أن نصون صورته، ونحفظ كرامته، ونترك له حق أن يكون إنسانًا، لا موضوعًا لنظرات الناس واحاديثهم ،
أكاديمي عراقي مغترب شاعر واديب



